; صفحات من دفتر الذكريات (٦٨): الزعامة التلمسانية ١٩٦٢م | مجلة المجتمع

العنوان صفحات من دفتر الذكريات (٦٨): الزعامة التلمسانية ١٩٦٢م

الكاتب الدكتور توفيق الشاوي

تاريخ النشر الثلاثاء 10-أكتوبر-1995

مشاهدات 67

نشر في العدد 1170

نشر في الصفحة 48

الثلاثاء 10-أكتوبر-1995

بن بيلا ورفاقه العائدون من فرنسا ينقلبون على حكومة الجبهة المؤقتة ويتسلمون السلطة من الاحتلال الفرنسي.

ما كدنا نخترق الحدود عند «وجدة» حتى وجدنا الطريق أمامنا مفتوحا إلى تلمسان، وقد أشاروا إلى أسلاك شائكة على الجانبين، وقالوا إن وراءها حقول ألغام لم تستخرج بعد زرعها الفرنسيين لمنع المجاهدين من التسلل إلى الجزائر قادمين من المغرب أو العكس، وانطلقت خواطري أتذكر أرض تونس التي زرتها تحت الاحتلال الفرنسي، وأرض المغرب الشمالي التي زرتها تحت الاحتلال الإسباني، وها آخذا أرى بعيني مناظر أرض الجزائر الحبيبة التي ما زالت تملؤها ألغام الاستعمار الفرنسي ومازالت تحكمها إدارة انتقالية عينها الفرنسيون ويشترك فيها وزراء منهم، ولم يخطر ببالي أننا متجهون إلى حقل ألغام من نوع آخر، وأن هناك مؤامرة سياسية لا علم لي بها، ولا يدور في ذهني شيء عن أعماقها وأهدافها، ولا عن أطرافها.

 كان الذي شغلني عن ذلك أنني استرسلت في ذكريات لقاءاتي مع ابن تلمسان الذي عرفته في مصر، وهو صديقي الأستاذ عمر التلمساني، الذي ما زال في سجن الواحات بصحراء مصر الغربية هو وجميع زملائه من الإخوان المسلمون، وتساءلت: ماذا سيقوله لي إذا لاقيته وقصصت عليه زيارتي الأولى لتلمسان التي يحمل اسمها هو وأسرته، وإن كان هو لم يرها، لأن أجداده غادروا أرض الجزائر هربا من الاحتلال الفرنسي قبل أن يولد هو وها آخذا أدخل تلمسان مع زعماء الجزائر لكي نفتح له طريق الجزائر ليزور موطنه الذي حرره المجاهدون من الاحتلال الفرنسي، وكنت سعيدا لأنني سأقول له مسرورا: إننا فتحنا له ولجميع إخوانه المجاهدين «طريق الجزائر».

حوار الذكريات:

لقد استرسلت في خواطري في هذا الحوار الصامت مع صديقي الأستاذ عمر التلمساني المعتقل في سجن الواحات بصحراء مصر حتى تذكرت أنني دخلت الجزائر التي يحتلها الفرنسيون، في حين أنني ممنوع من دخول مصر التي يحتلها حكام عسكريون مصريون ولا أستطيع أن أرى صديقي عمر التلمساني لأنه مسجون في الواحات، وخطر لي أن أقول له إذا لقيته إنه أصبح أسعد مني حظا، لأن الطريق إلى وطنه أصبح مفتوحا أمامه يدخلها إذا شاء، في حين أن الطريق إلى مصر مقفل أمامي، ولا أستطيع الذهاب إليها وإذا ذهبت فلن أستطيع أن ألقاه لأنه في سجن الواحات إلا إذا سجنت معه.

 ولكن لم يمض إلا عام واحد حتى سد في وجهي طريق الجزائر، كما سد من قبله الطريق إلى مصر، تذكرت كذلك الزعيم مصالي حاج الذي عرفته في باريس، وعرفت منه أنه ولد في تلمسان، وكان يعتز بانتسابه إليها، وتذكرت أنه هو الذي أسس الحركة الوطنية الجزائرية وأنشأ حزب الشعب الجزائري الذي رفع شعار الجزائر في وقت كان مجرد النطق بكلمة الاستقلال جناية في القانون الفرنسي يستحق قائلها عقوبة الإعدام، وأن مصالي حوكم بسبب ذلك وحكم عليه بالإعدام ثم بالأشغال الشاقة المؤبدة وقضى عشر سنوات في سجن «لامبيز»، وقال لي عندما لقيته، إنه بقي هناك مدة طويلة يلبس البذلة المخططة «Zebre» التي تميز المحكوم عليهم بالإعدام لتكون ملابسهم مخططة، مثل جلد حمير الوحش، ناطقة بأنهم أعداء فرنسا الذين لا حق لهم في الحياة وتذكرت أنه بعد أن أفرج عنه وجاء إلى باريس كان يستعد للعودة إلى بلده تلمسان ووطنه في الجزائر، لكنه حرم من ذلك وفرضت عليه الإقامة الجبرية، ومازال محرومًا من حقه في الحرية أو التنقل أو العودة لوطنه أثناء الاحتلال، والآن يأمل أن يفتح له طريق الجزائر التي حررها المجاهدون الذين رباهم ونفخ فيهم روح المقاومة، ودعاهم للجهاد، وهاآنذا الآن قد سبقته إلى دخولها، كما سبقت صديقي عمر ذلك فضلًا كبيرًا علي التلمساني، وكنت أعتبر من الله سبحانه وتعالى، ولكني لم أسأل نفسي لماذا سمح لي بالدخول قبل هؤلاء الذين هم أحق به وأولى؟

لم تشغلني كل هذه الخواطر عن تأمل قرى الجزائر، ومزارعها، ومساكنها التي مررت بها حتى دخلنا «تلمسان»، ولقينا فيها المسؤول عن الولاية، وهو السيد المدغري ومن معه من المسؤولين عن الولاية.

كان الطريق سهلا ولم أشعر بأن من معي يساورهم أي تخوف أو قلق، مما جعلني أعتقد أن العلاقة بينهم وبين الحكومة الانتقالية التي يرأسها السيد مصطفايا لا تقل ودا ولا تعاون عن علاقاتهم مع قائد ولاية تلمسان السيد المدغري، بل جرت اتصالات مع سلطات العاصمة الجزائرية الحكومة الانتقالية وكانت غالبا من خلال مدير مكتب رئيس تلك الحكومة الذي عرفت أن اسمه محمد الخمستي وسأعود لقصته فيما بعد يكفي أن أذكر أنه أصبح أول وزير خارجية لحكومة الجزائر المستقلة التي شكلها بن بيلا، وأن المدغري أصبح وزير الداخلية بها، أما هواري بومدين فقد أصبح وزير الدفاع، وبقي كذلك حتى دير الانقلاب على صديقه بن بيلا، وأصبح هو رئيس الدولة مكانه، ووضعه في السجن الذي بقي فيه ولم يخرج إلا بعد وفاة بومدين، هذا هو مسلسل الانقلابات الذي أخشى أن يكون قد بدأ منذ ذلك اليوم كما عرفت فيما بعد فوات الأوان، لا أذكر المكان الذي نزلت فيه، ولكني أذكر جيدا مسجد «سيدي بومدين» الذي ترددت عليه للصلاة والدعاء، ولكني شعرت بأنني معزول تماما عما يجري هناك في ذلك الوقت إلى أن دعاني محمد خيضر الأخضر مؤتمرا صحفيا في مكان كان في السابق فندق على ربوة عالية مشرفة على المدينة وصعدت معه في سيارته فوجدت صالة غاصة بالصحفيين أغلبهم فرنسيين، وبعض المصريين لم أعرف كيف جاءوا، ولا متى وصلوا، ولا الجهة التي استقدمتهم ورتبت لهم هذه الزيارة ببساطة كنت مثل «الأطرش في الزفة»

 مكتب سياسي للجبهة:

 أعلن بن بيلا في هذا المؤتمر الصحفي أنه وزملاؤه قرروا تشكيل مكتب «سياسي» لجبهة التحرير الوطني، وأنهم اجتمعوا واختاروا محمد خيضر ليكون الأمين العام لهذا المكتب، ولجبهة التحرير الوطني الجزائرية وأنهم يدعون جميع قواد الولايات ليكونوا أعضاء في هذا المكتب السياسي الذي يمثل جبهة التحرير، وله جميع الصلاحيات ليعمل باسمها، ويتخذ القرارات التي تستلزمها مرحلة الاستقلال في الجزائر...ولما سئل عن موقفهم من الحكومة المؤقتة قال: إنهم عينوا وزراء فيها، ولكنها الآن بالمنفى وهم الآن هنا في داخل الوطن، وعليهم أن يتحملوا المسؤولية مع قواد الولايات، ولابد أن تعين حكومة جديدة على أرض الجزائر المستقلة تتسلم السلطة من الحكومة الانتقالية بالداخل وفهم من ذلك أنهم هم الذين سيعينون هذه الحكومة الوطنية، أي أنه تجاهل الحكومة المؤقتة.

كان واضحًا من ذلك أنهم غير حريصين على انتقال الحكومة المؤقتة من المنفى إلى الداخل، وأنهم مطمئنون إلى أن عودتها لن تكون سريعة ولا سهلة، وأن جهات معينة تكفلت بتعطيل ذلك، وأنهم يعتزمون تشكيل حكومة أخرى تؤيدها هذه الجهات.

الانقلاب على الحكومة:

أدركت فيما بعد أنني كنت أشاهد مسرحية انقلاب في جبهة التحرير الجزائرية، وأن المكتب السياسي الذي أعلنوا إنشاءه كان تعبيرا عن استيلائهم على قيادة الجبهة، وإبعاد الحكومة المؤقتة، واستبعاد مشاركتها أو التشاور معها بل أصبح من مصلحتهم تعطيل عودتها إلى الوطن الذي مثلته في المنفى عندما كانوا هم في السجن، وأن مدة إقامتهم في السجن الفرنسي استغلت إعلاميا لإعداد بن بيلا للزعامة التي تهيأت لها جميع الأسباب الآن، وأن صديقي أحمد أصبح زعيمًا تلمسانيًا من طراز آخر غير طراز صديقي الأستاذ عمر التلمساني، وغير زعيمه مصالي حاجا، وأنه يستعد ليشكل حكومة بديلة عن الحكومة الوطنية التي قادت الجهاد عندما كان مسجون مع زملائه.

 انتحيت جانبا أسمع الحوار الصحفي وأصابني ما يشبه الدوار والدهشة، ولم أدرك -في بادئ الأمر- مغزى ما يحدث أمامي، بل سرحت خواطري للموازنة بين صديقي عمر التلمساني في سجن الواحات والزعيم مصالي حاج الذي حرم من العودة لوطنه طوال حياته وهذا الزعيم التلمساني القادم من الغرب الذي أعده الإعلام للزعامة وهو في السجن، والآن يدخل الجزائر من الباب الخلفي، وقد أزيلت من طريقه جميع العوائق، ولم أكن في ذلك الوقت مدرك أنه جاء مزودا بدعم من دول وجهات متعددة، أصبح لها مصلحة في استيلائه على السلطة، ليكونوا شركاء له فيها لتحقيق مصالح لهم قد تكون على حساب مصالح شعب الجزائر وهويته العربية والإسلامية.

 أيقظني محمد خيضر وهو يقول لي: يحسن أن تعود أنت إلى المدينة، وهذا هو مفتاح السيارة التي جننا بها فخذها لأنني سأبقى هنا بعض الوقت مع الإخوة أعضاء المكتب السياسي لنعقد أول اجتماع له.

 رغم الهواء النقي خارج القاعة فإن أثر الدوار كان ما يزال يشل تفكيري، حتى فتحت السيارة وحاولت وضع المفتاح في الجهة اتصال فخيل إلى أنني لا أجد له مكانا، وكنت قد رفعت الحضارة فرملة اليد، وإذا بالسيارة تنساب وحدها بسهولة على الطريق المنحدر من الربوة نحو المدينة دون أن أدير المحرك، ففزعت وارتبكت وأنا أرى الهوة العميقة على جانب الطريق، لكنني استطعت أن أفيق وأوقف السيارة بالمكابح في منحنى على جانب الطريق بعد أن قطعت مسافة طويلة. 

وقفت بجانبها انتظر حتى جاءت سيارة بها أحد سائقي الجبهة، فسألته أين أضع المفتاح لأدير المحرك، فأشار إلى «زر» يدير المحرك، وعرفت أن هذه السيارات الفرنسية تختلف عن السيارات التي تعودت عليها في المغرب، لا يدير «الكونتاكت» مفتاح الباب، بل له زر خاص بالداخل، وعدت إلى مسكني بعد أن أفاقتني هذه المشكلة، ولا أدري كيف استرسلت في تفكيري إلى حوار صامت مع ذكرياتي ولقاءاتي مع مصالي حاج الممنوع من العودة إلى وطنه، ومع صديقي الأستاذ عمر التلمساني الذي ينتسب لهذه المدينة التي أقيم أنا فيها، في حين أنه لم يرها رغم انتسابه لها، ولأنه الآن في سجن الواحات مع زملائه في الصحراء الكبرى، وتسألت: إن كان القدر سيسمح له بأن تعود له حريته ويزور تلمسان، وتمنيت أن أكون معه في تلك الزيارة وأن نصلي معا في مسجد «سيدي أبو مدين» الذي لا علاقة له بالسيد هواري بومدين صديق بن بيلا، الذي كان اسمه الأصلي أبو خروبة، والذي رأيته -لأول مرة- مع زملائه الذين شكلوا المكتب السياسي ليحل محل الحكومة المؤقتة الجزائرية التي تمثل في نظر الجماهير ثورة الجزائر وشعبها المجاهد.

لا بد أن أعترف أن هذه الخواطر لم تشغلنِ طوال مدة إقامتي في تلمسان فقط بل عاودتني مرات عديدة بعد ذلك بسنوات عندما سمعت بالانقلاب على بن بيلا وسجنه فأصبح زعيمًا تلمسانيًا آخر في السجن، مثل عمر التلمساني، ومصالي حاج من قبل، وعادت إلي هذه الخواطر بعد ذلك عندما كنت في الرياض عاصمة المملكة العربية السعودية، وتسلمت أول خطاب من الأستاذ عمر التلمساني بعد ثماني سنوات، أي بعد الإفراج عنه في عام ١٩٧٣م، في حين كان بن بيلا ما يزال سجينًا، وعاودتني كذلك عندما التقيت به في القاهرة بعد ذلك عام ١٩٧٥م، وحدثته عن زيارتي إلى تلمسان وصديقي بن بيلا الذي كان ما يزال في السجن، وسأعود لذلك كله في حينه.

عندما التقيت بمحمد خيضر في اليوم التالي قلت له: كنت أتوقع أن يكون بن بيلا هو رئيس الحزب أو أمينه العام، فقال لي مسرورًا أنا الذي أتولى شئون المكتب السياسي والحزب، أما أحمد فسيكون رئيس الحكومة عندما نصل إلى العاصمة، وأخبرني أنه سيقوم بمغامرة للذهاب وحده إلى الجزائر العاصمة لعمل الترتيبات مع المسؤولين عن الولاية الرابعة التي تسيطر على العاصمة الجزائرية للانتقال إليها في أقرب فرصة.

(*) أستاذ القانون الدولي السابق- جامعة القاهرة.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 2

4361

الثلاثاء 24-مارس-1970

فلسطين

نشر في العدد 4

141

الثلاثاء 07-أبريل-1970

الاقتصاد الوضعي في الميزان