العنوان انتخابات مصر .. بدأت الانتخابات.. فهل تجاوزت مصر الأزمة؟
الكاتب أحمد عز الدين
تاريخ النشر السبت 03-ديسمبر-2011
مشاهدات 57
نشر في العدد 1979
نشر في الصفحة 14
السبت 03-ديسمبر-2011
- الخروج الكبير للإسلاميين قبل الانتخابات في جمعة مليونية كانت إشارة تنبئ بما ستحمله صناديق الانتخابات الأمر الذي لا يرضى أطرافاً داخلية وخارجية قادرة على افتعال الأزمات
- رغم اختلاف كثير من القوى والأحزاب السياسية مع المجلس العسكري فإنها أيدت عدم ترك المجلس للسلطة في الوقت الراهن
مع بدء المرحلة الأولى من أول انتخابات تشريعية تشهدها مصر بعد ثورة ٢٥ يناير ۲۰۱۱م، يمكننا القول إن دعاة تفعيل المسار الانتخابي قد حققوا فوزاً صعباً قبل أن تفتح لجان الاقتراع أبوابها ، فالأزمة العصيبة التي عاشتها مصر منذ يوم السبت ۱۹ نوفمبر لم تكن بعيدة أبداً عن المسار الانتخابي، بل إنها كانت في بعض جوانبها أزمة مفتعلة بهدف إفشال الانتخابات.
ففي يوم الجمعة ١٨ نوفمبر الماضي خرجت الملايين وغالبيتهم من التيارات الإسلامية - في جمعة "حماية الديمقراطية"، وحمل الإسلاميون العبء الأكبر في رفع مطالب تنادي بحق الشعب في أن يفرض رأيه، ويرفض دولة تعلو فيها بعض المؤسسات فوق سلطة الشعب.
كان ذلك الخروج الكبير قبل الانتخابات بعشرة أيام إشارة تنبئ بما ستحمله صناديق الانتخابات، الأمر الذي لا يُرضي أطرافاً داخلية وخارجية قادرة على افتعال الأزمات وبعد انفضاض المليونية بساعات وقع تحرُّش من قوات الأمن ببعض المعتصمين في ميدان التحرير بالقاهرة، وكان ذلك كافيا لإشعال أزمة كبيرة تباينت بشأنها الآراء والمواقف.
البطش الأمني المفرط بالمعتصمين، ومن التف حولهم من المتظاهرين فيما بعد ولعدة أيام، كان غير مبرر، كما أن إصرار المتظاهرين على استمرار المواجهات، ومحاولة الوصول إلى مبنى وزارة الداخلية لاقتحامه أيضا غير مبرر، خاصة مع سقوط عشرات القتلى ومئات الجرحى، كما أن هناك شواهد أخرى دلت على أن هناك من يتعمد إشعال الموقف.
وقد تداعت بعض القوى الثورية للنزول لميدان التحرير وتصعيد المواجهة مع المجلس العسكري الحاكم باعتباره مسؤولا عن الأحداث، ورفع المتظاهرون سقف مطالبهم، وطالبوا بتنحي المجلس العسكري وتسليم السلطة على الفور لمجلس رئاسي مدني وإقالة الوزارة، وعدد آخر من المطالب.
استجابة جزئية من المجلس
حقق المجلس العسكري بعض المطالب، ومنها إقالة الحكومة، لكنه رفض أن يترك السلطة استنادا إلى الإعلان الدستوري، ورغم اختلاف كثير من القوى والأحزاب السياسية مع المجلس العسكري فإنها أيدت عدم ترك المجلس للسلطة، لما يحمله ذلك من أخطار شديدة على البلاد ؛ إذ لا يمكن مقارنة حالة مصر يوم خلع "مبارك" بما هي عليه الآن؛ ففي يوم ١١ فبراير خرج الشعب في كل المحافظات، وتجاوزت أعداد من خرجوا لشوارع مصر أكثر من عشرة ملايين وهذا أمر غير موجود الآن وفي فبراير الماضي اجتمعت إرادة الشعب على خلع "مبارك" واليوم لا تجتمع إرادة الشعب على خلع المجلس العسكري، كما أن "مبارك" حين رحل كانت هناك مؤسسة عسكرية تدعم الثورة، وتحمي البلاد، أما الآن فإن ترك المجلس العسكري للسلطة يعني إحالة البلاد إلى المجهول، وقد رأينا حين انسحبت الشرطة من الشوارع يوم ٢٨ يناير ماذا حدث في البلاد!
ثم ما الحاجة لأن يرحل المجلس العسكري - رغم كل أخطائه - ويأتي مجلس آخر ليس أحسن حالا ليبقى في السلطة المدة المتبقية والتي لا تتجاوز بضعة أشهر يتحسس مواضع أقدامه ويتعرف على مشكلات الدولة؟ كما أنه لا توجد آلية لاختيار المجلس الرئاسي المقترح؛ فمَن ينتخبه؟ وبأي حق؟ ومَنْ يضمن أنه كلما تم اختيار أشخاص ألا تجد من يعترض عليهم؟ ومَنْ يملك سلطة إزاحة المجلس العسكري وتعيين مجلس رئاسي؟ هناك استفتاء وافقت عليه نسبة كبيرة من الشعب أعطت المجلس العسكري حق تولي السلطة، ثم إنه إذا كان المتظاهرون يريدون أن يترك المجلس السلطة فمن واجبهم ألا يعطوه أي ذريعة للتأجيل، كما أن التوترات القائمة يمكن أن تعطل الانتخابات وتطيل أمد المرحلة الانتقالية.
للميدان.. ألف صاحب
والغريب أن تجد بضعة مئات أو بضعة ألوف أو حتى عشرات الألوف يتحدثون باعتبارهم صناع الثورة وأصحاب ميدان التحرير؛ ومن ثم أصحاب القرار في البلاد، رغم أن الميدان ذاته شهد أيضا وجود حشود أكبر بكثير ، لها رأي مختلف.
خيار "خلع" السلطة من المجلس العسكري وتنصيب مجلس رئاسي لم يلق قبول قوى سياسية كبيرة وفاعلة؛ فالإخوان المسلمون وحزب "الحرية والعدالة" يريان أن العدوان الذي تعرض له المتظاهرون في ميدان التحرير كان يهدف إلى استدراج أكبر نسبة من الشعب للنزول إلى الميدان، وبعدها يتم تصعيد الموقف وتحدث كارثة لتتمكن السلطة من الهروب من تنفيذ الاستحقاقات الديمقراطية، وهذا يرتبط بمحاولات مستميتة منذ شهور لتعطيل نقل السلطة التشريعية والتنفيذية إلى برلمان منتخب وحكومة منتخبة، وأن مصالح عديدة التقت لقطع الطريق على الشعب في استكمال أهداف ثورته، من بقايا النظام السابق وأجهزة الأمن وقوى إقليمية ودولية .. إذا لم يكن دافع الإخوان المسلمين في هذا الموقف الثقة في نوايا المجلس العسكري، أو أنهم عقدوا صفقة مع المجلس كما يشاع عنهم بالباطل.
استدراج لمواجهة
كان تقدير الإخوان المسلمين أن ما جرى كان محاولة لاستدراج القوى السياسية للنزول بكثافة، وبعدها تحدث مذبحة تنتهي بتعطيل الانتخابات ووقف عملية نقل السلطة، ولهذا أحجموا عن النزول كان هذا تقديرهم، ولم يكن الأمر تقاعسا ولا جبنا ؛ فالإخوان الذين حشروا أجسادهم في جنازير الدبابات في الثورة لم يكونوا ليحجموا عن المشاركة في موقف فيه مصلحة البلاد.
لكن هذا الموقف من الإخوان لم يعجب المتظاهرين، واستغله مشعلو الفتن لإثارة حملة على الإخوان تزامنت مع الحملة الانتخابية وتوافقت بالتأكيد مع رغبات وتحركات وخطط بعض الأطراف الداخلية والخارجية وعلى أبواب أولى خطوات الانتقال السلمي وهي الانتخابات التشريعية، رأى البعض أن الانتخابات ليست في صالحه؛ سواء من الأحزاب السياسية التي تخوض الانتخابات دون رصيد في الشارع، أو القوى التي لم يكتمل تشكلها في الشارع ، أو رموز النظام السابق وفلول الحزب المنحل، لذا فإن هناك من رأى أن الوضع القائم أفضل مما يستجد ، ولم يمانع في تعطيل الاستحقاق الانتخابي، رغم أنه يرفع شعارات الديمقراطية!
كما أن هناك من دعا لتأجيل الانتخابات بسبب الخوف من "فوضى انتخابية"، ومن استمرار العنف في تلك العملية الانتخابية ،المعقدة، وخشية أن يؤدي ظهور نتائج مشكوك فيها إلى تفاقم حالة عدم الاستقرار في البلاد، كما أن لمصر تاريخا من العنف المتصل بالانتخابات، إذ كان كثير من المرشحين يعتمدون على البلطجية للسيطرة على لجان الاقتراع لكن مما يحسب للمجلس العسكري - وهو موقف أيَّده فيه كثير من الحكماء - الإصرار على إجراء الانتخابات في موعدها، مع التعهد بتأمينها بواسطة قوات الجيش والأمن وتزامن مع صدور دعوات من دول كبرى لحث المجلس على سرعة تسليم السلطة للمدنيين وهناك من يقلل من الذعر المثار من البلطجية بأنه سيتم تشكيل لجان لحماية الانتخابات كما أن هناك مندوبين وقاضيا داخل كل لجنة ومجتمعاً مدنياً يراقب، وأنصاراً يقفون عند اللجان يأتون حتى من المحافظات التي ليس بها انتخابات، فضلا عن اللجان الشعبية الموجودة من أهل المنطقة، وليس للبلطجية الآن سند من الدولة.
لم تخل حملة انتخابية شارك فيها الإخوان من هجوم شرس عليهم، ونتذكر كيف كان نظام "مبارك" يشن على الإخوان في مواسم الانتخابات حملات تستخدم فيها كل أشكال الحرب غير المشروعة، وكان المتوقع أن تهدأ تلك النوعية من الحروب التي تستخدم فيها أسلحة التشهير والتخوين والتزييف لكن الحرب لم تتوقف.
وفي الانتخابات التونسية الأخيرة كمثال كانت الحملة ضارية ضد حزب "النهضة"، بل تعدت "النهضة" إلى "الإسلام"، والإساءة للذات الإلهية، وقد فشلت تلك الحملة ونجحت "النهضة".
البداية.. أخيراً
ومع مثول المجلة للطبع، كانت المرحلة الأولى من انتخابات مجلس الشعب قد بدأت في تسع محافظات من بينها القاهرة تحت إشراف قضائي، ومن المقرر أن تجرى الانتخابات على ثلاث مراحل، ويبلغ عدد الناخبين في محافظات المرحلة الأولى 17.5 مليون ناخب يدلون بأصواتهم في ۳۳۰۷ مراكز انتخابية، ويتنافس بهذه المرحلة ۳۸۰۹ مرشحين (ضمن قوائم أو مرشحين فرديين)، يتنافسون على ١٦٨ مقعدا.
بدأت الانتخابات.. ولكن كيف ستنتهى؟ وماذا سيكون بعدها ؟ هل تجاوزت مصر الأزمة بإجراء الانتخابات؟ سنتابع ذلك إن شاء في أعداد تالية.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل