العنوان هل نجحت مسرحية تلغيم البحر الأحمر؟
الكاتب عبدالله الصالح
تاريخ النشر الثلاثاء 18-سبتمبر-1984
مشاهدات 73
نشر في العدد684
نشر في الصفحة 24
الثلاثاء 18-سبتمبر-1984
هل نجحت مسرحية تلغيم البحر الأحمر؟
مع وصول هذا العدد لأيدي القراء تكون الستارة قد أسدلت على مسرحية تلغيم البحر الأحمر برحيل كاسحات الألغام التابعة لقوات التدخل متعددة الجنسية.
ولعل المشهد المثير في المسرحية هو أن تكون الولايات المتحدة الأميركية أول دولة أعلنت عن وجود ألغام في البحر الأحمر، وأول دولة أعلنت عن نظافته من الألغام، ويأتي الإعلان عن نظافته قبل مغادرة كانسات الألغام الفرنسية التي أعلن أنها اكتشفت لغمًا سوفياتي الصنع، قيل إنه يعود إلى حرب عام 73، وقبل مغادرة الكانسات البريطانية التي أعلن وزير الحربية المصري عبد الحليم أبو غزالة في نهاية الأسبوع الماضي عن أنها اكتشفت لغمًا ثانيًا لم تعرف هويته بسبب حذرها في اقتلاعه، ويميل على ظننا أن الإعلان المصري لو أسفر عن شيء فلن يقدح في حسن إخراج المسرحية، التي تعتمد على الغموض والإثارة، فقد تبين حتى الآن أن المخرج غير معروف يقينًا، وهو حريص على عدم الإعلان عن نفسه، فمن هو المخرج، وما هي أهدافه؟
حقيقة أم تمثيل:
الاحتمال الأول: أن تكون عملية تلغيم البحر الأحمر حقيقية، وأن تكون هنالك جهة محددة، لها أهداف محددة من العملية، وعودة إلى أجواء الاتهامات والاتهامات المضادة، والإحصاءات في عدد الألغام، وعدد السفن التي أصيبت بالألغام في شهري يوليو وأغسطس الماضيين، ربما بدا راجحًا أن جهة معينة قامت فعلًا بالتلغيم، لكن نفي كل من إيران وليبيا لاتهامهما بذلك -في ضوء مصالحهما وأوضاعهما السياسية- يجعلنا نميل إلى عدم جدية الاتهام أصلًا، فإغلاق البحر الأحمر يضر بإيران كما يضر بالدول المساندة للعراق سواء بسواء، ولو كانت إيران جادة في ذلك لأغلقت مضيق هرمز الذي تتحكم فيه، ولكنها لم تفعل بالرغم من الاتهامات المتواصلة المستندة أحيانًا إلى تصريحات رسمية.
وليبيا التي باتت تشعر أنها تعيش في عزلة سياسية بسبب مواقفها المتقلبة أخذت تعمل على فك عزلتها؛ وذلك بتحسين علاقاتها مع بعض الدول العربية والأجنبية، والتي تتوجت بتوقيع اتفاق وجدة للاتحاد مع المغرب، والاتفاق مع فرنسا للانسحاب المتزامن من تشاد.
الاحتمال الثاني: أن تكون العملية مسرحية متقنة الإخراج، ولها أهداف متعددة، وهو ما نميل إليه؛ لأن طبيعة الأحداث التي واكبت العملية تدلك على ذلك، فالإعلان عن وجود الألغام لم يصدر عن الدول المطلة على البحر الأحمر، بل صدر عن أميركا أولًا، ثم تداعت القوات الأميركية أولًا، ثم البريطانية، ثم الفرنسية، ثم الإيطالية والهولندية بحجة نجدة دول حوض البحر الأحمر، والحفاظ على طريق التجارة الدولية، وكما ذكرنا في البداية كانت أميركا أول المعلنين عن وجود الألغام وعن نظافة البحر منها، وفي غياب الرقابة العربية على الأساطيل الغربية، وفي ضوء المعلومات التي تواترت عن محدودية تأثير الألغام التي أصابت (17) سفينة، وتضارب البيانات الغربية عن أماكن وجود الألغام ومدى تأثيرها، فإنا نميل كما أسلفنا إلى عملية تلغيم البحر الأحمر مسرحية أخرجت بإتقان، وأن أميركا المتقدمة جدًا في حقل صناعة الأفلام والأعلام هي التي أعدتها وأخرجتها.
ربما تكون أميركا قد استخدمت أدوات إسرائيلية، أو أطلسية، أو حتى عربية وإسلامية، وإن كان ليس لدينا ثمة دليل قوي على ذلك، إلا أنها تبقى هي المسؤولية عن ذلك، والسؤال الذي يطرح نفسه هنا ما الغرض من هذه المسرحية؟
أغراض سياسية واقتصادية:
لا شك أن الغرض الأساسي للعملية سياسي، لكنه ينطوي على أهداف أخرى إستراتيجية واقتصادية.
فالولايات المتحدة الأميركية المتحالفة إستراتيجيًا مع العدو الصهيوني أصبح واضحًا حتى لحلفائها من الحكام العرب أنها غير راغبة أصلًا، وغير قادرة كذلك على الوفاء بوعودها في تلبية مطالبهم لحل أزمة الشرق الأوسط، الأمر الذي جعل بعضهم يواظب على نقد المصداقية الأميركية، مما يفتح الباب ولو فتحة صغيرة ولفترة قصيرة أمام الاتحاد السوفياتي للولوج إلى منطقة الشرق الأوسط التي تعتبرها أميركا منطقة نفوذ لها، وفي ضوء انشغال أميركا بانتخابات الرئاسة وعدم مقدرتها على الإعلان عن مبادرات سياسية يرضى عنها الحلفاء، فإنها تظل بحاجة لما يشغل بالهم، ويجعلهم أكثر شعورًا بالحاجة إليها وإلى حمايتها.
من جهة أخرى فإن مبادرة السودان نيابة عن مصر بالدعوة لاجتماع يضم دول حوض البحر الأحمر الذي وافقت عليه معظم الدول الحيفة للولايات المتحدة، والتي جاءت كنتيجة أولى ومباشرة لمسرحية تلغيم البحر الأحمر- تأتي في سياق سياسة إيجاد التكتلات الإقليمية التي دأبت أميركا على اتباعها في السنوات الأخيرة، وكان تجمع الحفاظ على أمن البحر الأحمر قد فشل سابقًا؛ بسبب سياسة اليمن الديمقراطي الموالية للسوفيات من جهة، وبسبب عدم قناعة دول حوض البحر الأحمر بمسوغات قيام ذلك التجمع، أما الآن بفضل المخرج الأميركي لمسرحية التلغيم فقد أضحى الجو مناسبًا، كما حصلت تغيرات في المنطقة منذ نشوب الحرب العراقية الإيرانية جعلت من البحر الأحمر منطقة إستراتيجية أكثر من قبل، لكونه طريقًا تجاريًا ومعبرًا لناقلات النفط السعودي، والمصري، والخليجي، وتتعزر هذه الأهمية في حال مد خط أنابيب بترول عراقي عبر السعودية إلى البحر الأحمر.
هدف إسرائيل:
ويبقى هدف سياسي ثالث يتعلق بإسرائيل التي نرجح أن يكون لها دور في المسرحية؛ نظرًا لما أعلن عن خلو ممرها عبر البحر الأحمر من الألغام، ولطبيعة تحالفها الإستراتيجي مع العدو الصهيوني، فإسرائيل كدولة عدوانية لها أطماع توسعية تريد أن تشارك في صياغة المنطقة سياسيًا بما يضمن مصالحها وخططها المستقبلية، وهي في هذا الشأن تريد تطبيع علاقاتها مع الدول العربية المجاورة، وربما قصدت الضغط على مصر لكي ترضخ لجميع مطالبها، وربما أصبحت دعوة إسرائيل لحضور مؤتمر لأمن البحر الأحمر في المستقل مدخلًا لتطبيع علاقاتها مع الدول العربية غير المجاورة.
ديون أميركا اللاتينية:
وفضلًا عن الأهداف السياسية السابقة، وهي أهداف كبيرة بلا شك، يميل كثير من المراقبين والمحللين إلى أن هنالك ثمة أهداف اقتصادية لمسرحية التلغيم، وتتمثل هذه الأهداف في أن الولايات المتحدة تريد أن تفعل شيئًا يحسب في رصيدها لدى مجموعة دول أميركا الجنوبية، خاصة المكسيك، والبرازيل، والأرجنتين، فأميركا تنظر إلى هذه الدول بأنها حليفة لها، وتشكل سوقًا لمنتجاتها؛ الأمر الذي يدعوها للحفاظ على ذلك، ولكن هذه الدول تعاني من مشاكل اقتصادية كثيرة، أهمها الديون الخارجية المتراكمة عليها، والبالغة لمجموعة تلك الدول حوالي (33) مليار دولار، وكانت أميركا قد حاولت التخفيف من حدة أزمة الديون عن طريق البنك الدولي لكن كما هو معروف، فالبنك يؤجل الأزمة أو يخفف من آثارها ولا يحلها، وقد تداعت تلك الدول إلى اجتماع في يوليو الماضي، وتوصلت إلى اتخاذ عدة خطوات، لعل أهمها ما يعنينا هنا وهو ضرورة تشجيع صادرات تلك الدول إلى مختلف دول العالم، والنفط هو أهم صادرات تلك الدول، والمشكلة التي تواجهه هي منافسة النفط العربي، لذلك يعتقد المراقبون أن مسرحية التلغيم هدفت إلى إشاعة جو من الخوف والقلق في أوساط المستهلكين، الأمر الذي يدعوهم لتحويل مشترياتهم من الخليج إلى دول الكاريبي، وإذا استذكرنا معضلة أوبك التي ستبحث في اجتماع قريب وهي الخلاف على حصص الإنتاج؛ غلب على ظننا أن المخرج الأميركي أراد كذلك توجيه ضربة للأوبك، ومع أنه لم تتوافر لدينا معلومات حتى الآن عن مدى تأثير مسرحية التلغيم على حركة تجارة النفط العربي، إلا أن معرفتنا السابقة بالأزمات النفطية التي كانت أميركا تعدها، تجعلنا نميل إلى آراء المحللين والمراقبين، خاصة بأن كثيرًا منهم من المتعاطفين مع الغرب، وليسوا يساريين أو شيوعيين.
ونحن إذ نميل إلى أن المسرحية أميركية لا نفعل ذلك بسبب موقف عدائي مسبق لأميركا وحلفائها وهو أمر نعترف به، ولا بسبب موقف متعاطف مع الاتحاد السوفياتي وهو أمر نرفضه، ولكن التحليل الموضوعي للحدث هو الذي قادنا لهذا الاستنتاج، ولا شك أن هناك جهات عربية مسؤولة وغير مسؤولة استغلت الحدث للتنديد بالسياسة الأميركية وحلفائها، وللدعاية لسياسة الاتحاد السوفياتي ومن يسير في ركابه، وهنا تجدر الإشارة إلى أن الاتحاد السوفيتي اكتفى باتهام أميركا بالعملية دون الكشف عما لديه من معلومات، وقد يكون ذلك من قبيل السرية، لكن الذي تشير إليه الأحداث أن هنالك قدرًا متفقًا عليه بين أميركا والاتحاد السوفياتي لاقتسام مناطق النفوذ، أخذت الصحافة الفرنسية بشكل خاص تتحدث عنه في الآونة الأخيرة.
فإلى أين تسير سفينة السياسة الأميركية بالمنطقة وحكامها وأهلها؟ وإلى متى سيظل المسلمون غافلين مستغفلين؟ نعم، لقد نجح المخرج الأميركي في مسرحية تلغيم البحر الأحمر ليس بسبب إتقانه للإخراج فحسب، ولكن «لخيبة» حكام العرب والمسلمين في المقام الأول، فهل هم مفلحون؟
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل