العنوان «منتدى العلماء» يفتح الملف: التنصير مجددا في إندونيسيا
الكاتب صهيب جاسم
تاريخ النشر السبت 28-أبريل-2001
مشاهدات 67
نشر في العدد 1448
نشر في الصفحة 24
السبت 28-أبريل-2001
- فتوى المنتدى بإهدار دم اثنين من المنصرين يسبان الذات الإلهية والرسول صلى الله عليه وسلم تحرك طبقات المجتمع الساكنة.
- مؤسسة ضخمة من المرتدين عن الإسلام تقود حملة تنصيرية مكثفة وعلنية أمام عجز القانون وضعف السلطة وانشغال القوى السياسية بمعاركها.
- الولايات المتحدة وهولندا وألمانيا ترعى خطة تهيمن على التعليم والصحة لمسخ هوية المسلمين.
- مع كل ما يجري.. فشلت مخططات الكنيسة في تنصير نصف إندونيسيا حسبما تمنت بحلول عام ٢٠٠٠ ولا يزال ٩٠% من السكان مسلمين.
ملف قديم.. تتجدد تفاصيله من أن لآخر في أكبر بلد إسلامي يتعرض لحملات التنصير المكثفة دون توقف.
ومع انشغال القوى السياسية والحكومة وكبار المسؤولين بالصراعات السياسية، يجد النشاط التنصيري الفرصة سانحة للتحرك بجرأة دون وجل من رادع.. من ذلك تلك الحادثة التي جرت في الأسابيع الماضية وسلطت الأضواء على هذا الملف الأسود. موضوع الحادثة، المنصران سورادي بن ابراهام وبويرناما اللذان واجها فتوى بهدر دمهما بناء على الفتوى الشرعية المنتدى علماء الأمة وهي إحدى المنظمات الإسلامية المستقلة في مدينة باندونج.. وفي غضون ذلك، تحرك أربعة من أعضاء المنتدى حتى وصلوا إلى الجنرال بيمانتورو المدير العام للشرطة في العاصمة جاكرتا، وسلموا شكوى مرفقة بمجموعة من الأشرطة والكتب والمجلات التي جمعوها كأدلة دامغة على تهمة وجهوها إلى المنصرين المذكورين سلفاً بأنهما تطاولا في مناسبات وأحاديث كثيرة على الرسول الكريم والذات الإلهية.
بعد تقديم الدعوى إلى الشرطة بأيام، أعلن عن الفتوى الشرعية لمنتدى علماء الأمة في مسجد الاستقامة في مدينة باندونج في ٢٥ فبراير الماضي بحضور ۱۰۰۰ شخص وقرأ الفتوى رئيس المنتدى الشيخ عثيان محمد داعي بعنوان: فتوى علماء الأمة بخصوص التطاول على الإسلام وتشويه صورته وضمت الفتوى ثلاث صفحات مختصرة ذكر فيها ابتداء حكم الإسلام في هذا الشأن، والتأكيد على إهدار دم المنصرين كما طالبت الفتوى الحكومة بأن تكون جادة في فرض القانون ومعاقبة المتطاولين والمجرمين حتى لا يدفع التسيب القانوني المسلمين إلى اتخاذ ما يرونه دفاعاً عن دينهم بأيديهم، بسبب إهمال الحكومة وتشاغلها الطويل..
تبريرات صدور الفتوي: يعرف عن الشيخ عثيان محمد داعي ٥٠ عاماً) رئيس المنتدى بأنه من أسرة متدينة، فوالده علي محمد داعي هو مؤسس جامعة باندونج الإسلامية، وقد تتلمذ على يدي والده ثم اتجه إلى الأزهر ليدرس الشريعة وعلم الاجتماع، وقد عمل في مجلس علماء إندونيسيا أعلى الهيئات الرسمية العلمية) ويدرس حالياً مواد إسلامية في جامعة بادجاجران في باندونج. وقد انتبه هو ومستشاري منتدى العلماء غير الرسمي) إلى نشاطات المنصرين المذكورين. حيث يقومان بتوجيه كتاباتهما وأحاديثهما إلى فئات معينة من المسلمين، وإرسال الكتيبات والنشرات إلى عناوين بريدية مختارة ويرفض عليان محمد موقف بعض العلماء اللين تجاه هذه القضية.
لكن لماذا الحكم على هذين المنصرين بالموت دون غيرهما؟ تقول: الفتوى وتؤكد تصريحات العلماء من المنتدى بأن سورادي وبويرناما قد سبا الخالق سبحانه وتعالى عما يصفون والرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، ونشرت هذه الإساءات الواضحة وتكررت في كتب ونشرات وأشرطة مؤسسة نيهاميا التي توزع على نطاق واسع بين سكان جزيرة جاوة، بل قد بدئ توزيعها في الأقاليم الأخرى حتى النائية منها، ويزعم سورادي بأن رب المسلمين هو الحجر الأسود في الحرم المكي، ويحاول إقناع قراءة بهذه الفكرة من خلال صور المسلمين وهم يقبلون الحجر الأسود، بل يدعي المبشر الدجال . قاتله الله - بأن الوحي الذي نزل على الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم لم يكن بواسطة جبريل، ولم يكن كلاماً إلهياً. ولكنه كان بصوت الشيطان، ثم يقول: إن محمداً .. لم يكن معصوماً من الخطا مستدلاً بصلوات المسلمين عليه، ويصر أمام من يستمع إلى كلامه وفي كتبه بأن القرآن ليس بكتاب منزل من عند الله ويعتمد على جهل من يستمع إليه في تغيير معاني الآيات القرآنية، وغير ذلك من الإساءات الواضحة ويعود رفيق عمله بويرناما ليصيغ الإساءات بشكل آخر، ويزيد عليها في كتاباته، ومنها كتاب عن الحج كتبه ليشوه سمعة كل ما يمت للحج بل وللإسلام ، بصلة والذي طبع في عام ١٩٩٧م، ويعاد توزيعه الآن، فيقول في كتابه: إن منزلة عيسى مساوية لمنزلة الرب – جل وعلا وتنزهعما يشركون . بل ويتهم نبينا الكريم بأنه سيئ الخلق وأن موسى أعلم منه، ويكرر أن المسلمين يعبدون الكعبة وصخورها، واتهامات كفرية كثيرة أخرى يتوقف القلم عن إعادة نشرها، وما ذكرناه من قليل يكفي للإشارة إلى التطاول الكبير من قبل هؤلاء الكذبة، وسط عشرات الملايين من المسلمين وعشرات المنظمات والأحزاب الإسلامية بسبب عدم اهتمام السلطات الرسمية بما ينشر في شأن دين الأغلبية، والذي لم ينص الدستور على اعتباره الدين الرسمي للدولة حتى الآن.
تأييد واسع للفتوى: ولقد لاقت الفتوى الجديدة صدى واسعاً عند الكثير من الأوساط، بعد ان سلطت الضوء على خطورة ما تضمه كتب المنصرين، وما أكثر المترجمة منها إلى الإندونيسية فالمحطات الإذاعية الخاصة المحلية خصصت برامجها الحوارية حول هذا الموضوع في الأسبوع الذي تلا صدور الفتوى ونوقشت لأيام ولساعات في بعضها، وكانت حديث خطباء الجمعة.
بعدها بدأت تتوافد الشخصيات المؤيدة من الأحزاب الإسلامية والمنظمات الدعوية والخيرية ومجالس الطلبة المسلمين على المنتدى، وأعضائه مؤيدين ومهنئين لهم على موقفهم الشجاع، ومن بينهم حزب التنمية المتحد، وحزب العدالة في جاوة الغربية، وجمعية المحمدية، وجمعية المثقفين المسلمين، بل وامتد التأييد رسمياً إلى أجنحة ومدارس كثيرة تابعة لجمعية نهضة العلماء التي رأسها الرئيس عبد الرحمن وحيد لمدة ١٥ عاماً قبل رئاسته وقيل: إن القيادة المركزية للنهضة أيدت الفتوى أيضاً مما أظهر موقفاً موحداً تقريباً للتيارات الإسلامية المختلفة.
المعضلة في القانون:
لكن المعضلة تكمن في فرض القانون. وهي ليست مشكلة مرتبطة بالقضايا ذات البعد الديني في فقط، بل إن البلاد تشكو من ضعف السلطات فرض القانون وتنفيذ الأحكام القضائية في شتي المجالات، ولذلك فإن الفتوى تعد اختباراً جديداً للنفوذ والقدرة الحقيقية للحكومة في ضبط البلاد. تلافياً لترك الأمور سائبة، فيخرج الكثيرون على القانون وتعم الفوضى أكثر مما عليه، ولهذا مي فإن رئيس المنتدى محمد داعي، أكد على أن مؤسسته لن تتحرك منفردة لتنفذ ما أصدرته من فتوى شرعية، لنكون مثالاً للمواطنين الصالحين.. فنحن رفعنا الأمر للشرطة والقضاء مصحوبة بالأدلة الدامغة وننتظر استجابتهم، ودعا بعض الدعاة إلى تحذير المنصرين قبل الفتوى التي توجب قتلهم حتى لا يظهر المسلمون بأنهم يقتلون فيرتد الأمر على الدعاة أيضاً، ويرى بعض من يخالف رأي المنتدى أنه كان من الأولى الحوار مع أولئك النفر، وكشف الإساءات التي صدرت عنهم وفضحهم قبل إصدار الفتوى.
لكن ما الذي سيقوم به القانون الوضعي إذا كان الدستور مازال لا يعترف بالإسلام ديناً رسمياً للدولة، يقول الدكتور جميلي الصديق أستاذ القانون الدستوري في جامعة إندونيسيا: إن المحكمة قد تبحث القضية تحت إطار المادتين ١٥٦ و ١٥٧ من القانون الجنائي الذي يتعامل مع الإساءة للأديان، ويرى جميلي ضرورة رفع الأمر للقضاء قائلاً: «مع أن المحكمة لن تحكم على المدعى عليه بالإعدام كما جاء في فتوى العلماء لكن إدانته في المحكمة ستكون تأنيبية على الأقل إذا سجن لخمس سنوات مثلاً.
النصارى يتخوفون:
وفي موقف سياسي ومراوغ، ومتوقع وبالنسبة للكثير من الشخصيات النصرانية خوفاً من ردة فعل قوية من قبل العلماء، قد تكون بداية متاعب للعمل التنصيري في البلاد والذي يفضل الابتعاد عما يثير الحماس الإسلامي، يقول القس ريفيريند سيمبرنج الناشط البروتستانتي في «معهد الإنجيل الإندونيسي، المعروف: «إننا نؤيد العمل بهدوء ونريد العلاقة التي يسودها الوئام بين الأديان، ونحن الآن أمام حالة مثل هذه تسبب لنا المشكلات فليس منهج سورداي فعالاً في أعماله.. وإذا كنا نريد علاقة سلمية بين الأديان، فعلينا الا نسيء للأديان الأخرى فنثير المشكلات بيننا.
ويختلف الأمين العام لتحالف الكنائس الإندونيسية الدكتور لامبي مع سورادي أيضاً فيقول إن سورادي يقدم آراء تمثل جماعته الكنسية مع إننا نعتمد على المصدر الإنجيلي نفسه. ولكن لكل تفسيراته وكشف عن نية تحالف الكنائس المسارعة إلى مناقشة الأمر مع مجلس علماء إندونيسيا (الجهة الرسمية وليس منتدى العلماء غير الرسمي الذي أصدر الفتوى)، مشيراً إلى أن القيادات النصرانية ستعمل بكل ما في وسعها على أن تظهر عدم تأييدها لأنشطة مؤسسة نيهيميا، بل إن لامبي ادعى أن تحالف الكنائس قد رسم خطة في نوفمبر ٢٠٠٠م لم يكشف عن تفاصيلها، لكنها تعالج قضية العلاقة المسيحيين وغيرهم، ونظرة المسلمين إلى المسيحية ومحاولة تحسين صورتها أمام الشارع العام باسم التعاون على أساس التعايش والوئام والاحترام المتبادل.. فنحن نحترم دين المسلمين ولا نريد تهجماً عليهم ونريد منهم احتراماً متبادلاً لديننا ..
سورادي ارتد على يد مرتد:
حالة سورادي (۷۱) عاماً رئيس مؤسسة نيهيما الذي يدور حوله الحديث تجسد في حد ذاتها خطر التنصير، فقد كان مسلماً حتى بلغ ٢٥الـ ٢١ عاماً من عمره فارتد وتنصر. ثم دعي من قبل المنصر هماران أمير الذي مات في عام (۱۹۸۷م) ليعمل في العمل التنصيري، وهذا الأخير كان مسلماً وتنصر في عام ١٩٨٢م قبل وفاته بخمس سنوات)، ومن هناك بدأ الاثنان العمل معاً في النشاط التنصيري، وقد أقنع هماران تلميذه سورادي بأن النصارى من نسل إبراهيم - عليه السلام، ولذلك سمى الأخير نفسه سورادي بن أبراهام، وكان سورادي قبل ذلك - باعترافه - مؤدياً للفرائض اتباعاً لدين عائلته المسلمة وأصلها من وجاكرتا، وقد تخرج في كلية الطب، وعمل طبيباً في القوات المسلحة حتى عام ١٩٨٢م، ثم تحول بعدها إلى ناشط نصراني، حتى أصبح رئيساً لمؤسسة مركز نيهيما التي أسسها في عام ۱۹۸۷م، ويقوم حالياً بتخريج دفعتين من الطلبة في النصرانية في العام الواحد، بمعدل ۳۰ طالباً للدورة الواحدة التي تضم ثلاثة دروس أسبوعية مجانية، غير أنه يرفض الكشف عن مصدر تمويله، بينما خدمات مؤسسته مجانية، ومنها توزيع نشرة جيما نيهيما التي بدأت بالظهور عام ۱۹۸۹م ووزع من أول طبعة منها ٤٠٠ نسخة. وقد تخرج حتى الآن من مركزه ١٠٠٠ منصر أكثرهم من الشباب الذين تم نشرهم على امتداد الأرخبيل الإندونيسي.
ويحاول سورادي تصوير نفسه على أنه داعية يتعرض للموت مثلما تعرض الأنبياء للقتل والتهديد، ويقول: إن هذه ليست المرة الأولى التي يهدده فيها المسلمون بالموت، وفي منزله الكبير وسط جاكرتا الذي يعج بالزائرين يقوم سورادي بفتح عيادة مجانية في الصباح والمساء ويدرس الإنجيل وكتباً نصرانية أخرى، لكن الذي يثير التساؤل هو أنه يدرس اللغة العبرية أيضاً مجاناً لمن يريد، في بلد لا يحتاج أهله لهذه اللغة.
ومن الذين يعملون معه اندانغ عيسيايا (٤٨) عاماً) الذي ارتد عن الإسلام ودخل النصرانية قبل أربع سنوات، وفي عام ۱۹۹۸م اشتهر بمحاضراته المشوهة لصورة الإسلام بعنوان: الطريق السري إلى الجنة، والتي توزعت محتوياتها في مئات من المطويات والنشرات التي تدعو المسلمين للدخول في النصرانية، وقد تأثر بالفعل سكان أربعة قري في جاوة الغربية بدعوته وارتد بعضهم معتنقاً النصرانية، وبعدها حوكم اندانج بالسجن للإساءة للإسلام، وقد شاعت ظاهرة الإساءة للإسلام في الإذاعات الخاصة التي تستضيف منصرين للحديث على الهواء، وقد سجن منصر في صولو الجاوية بعد أن رفعت جبهة الشباب المسلم في سور اکرتا دعوى ضده سجن بسببها لمدة خمس سنوات، وذلك في يوليو الماضي، لكن الحكم بالسجن حسب القانون الحالي كالذي صدر في عام ١٩٧٩م على منصر مرتد أخر يدعى يوسف روني لن يمنع من يدان بالإساءة للإسلام من العودة إلى العمل التنصيري إن خرج من السجن.
وحيد .. . المتسامح مع النصارى:
وكما هو معروف لدى الأوساط الإسلامية سيشكل موقف الرئيس عبد الرحمن وحيد حجر عثرة أمام إيقاف المد التنصيري الجديد في عهده، فقد اهتم وحيد بإطلاق الحريات للجميع من كل التيارات لكن الذين استفادوا من هذه الحرية هم الأقليات الدينية وعلى رأسها مؤسسات النشاط التنصيري.
ويؤكد سورادي ما يعرف عن الرئيس وحيد فيقول عن العلماء والحوار معهم ليست لدي قنوات حوار مع العلماء. ولا أريد التحاور معهم ولكنني أكن احتراماً كبيراً للرئيس وحيد فهو يتصف بتسامح عظيم تجاه النصارى، ولم أو حتى الآن عالماً مسلماً متسامحاً مثله، فالآخرون يهددونني ويتوعدونني.
لنعد قليلاً إلى الوراء.. فبعد أن وصل الإسلام مبكراً إلى جزر الأرخبيل الإندونيسي في القرنين الأول والثاني الهجري، ثم تواصلت سفن الدعاة المسلمين من العرب والفرس والترك والهنود ثم تبعها قيام السلطنات المسلمة في أقصى شرق وأقصى غرب ما يعرف بإندونيسيا اليوم.. بعد ذلك بقرون طويلة بدأت سفن النصارى تصل إلى السواحل الآسيوية المسلمة وغير المسلمة.
من الناحية التاريخية ينقسم المتنصرون إلى قسمين من تنصر قبل الاستقلال، ومن تنصر بعده، ويقسمهم آخرون إلى من كان من ذي أصول إسلامية، ومن كان من ذي أصول هندوسية، أو وثنية أو بوذية.
بدأ العمل التنصيري المنظم في القرن الثامن عشر. قبل ذلك كان في إندونيسيا والدول المجاورة لها أعداد قليلة من النصارى، ففي القرن السابع عشر الميلادي اصطحبت الحملات الكشفية، وسفن المستعمرين الغربيين القساوسة، لكن الدعوة لم تحرز تقدماً في عهد البرتغاليين إذا استثنينا تيمور الشرقية التي تعد أكثر الأقاليم الإندونيسية السابقة قبل فصلها من حيث تركز الكاثوليك فيها، ثم دخلت البروتستانتية عندما هزم الهولنديون البرتغاليين في عام ١٦٠٥م، وأولوا اهتماماً خاصاً بقضية التنصير في البداية أرسل القساوسة للقيام بدراسة الوضع وعادات وتقاليد السكان وكان هدف مجيئهم المعلن هو العناية الروحية بالجنود الهولنديين وتجارهم، لكن البداية كانت في تقديم الحكومة جوائز مالية مغرية لمن ينصر الوثنيين، ثم كوفي من يتنصر من السكان الأصليين بالوظائف، والمال والمعاملة المتميزة، ومنذ عام 1799 م تحول الأمر إلى أحد أولويات الحكومة الاستعمارية الهولندية وذلك لأنها حتى نهاية القرن السابع عشر لم تستطع السيطرة على جميع جزر إندونيسيا، وقد زرعت الجذور النصرانية بين بعض شعوب إندونيسيا، وادعت أنها نصرت ١٠٠ ألف في جاوة، و٤٠ الفاً في جزر الملوك، وخاصة من سكان أمبون، وما حولها لكن هناك أقاليم أخرى ترى فيها قلة من النصارى، وخاصة إقليم أتشيه الذي استعصى على المستعمرين، وكانت رايات الجهاد فيه خفاقة لعشرات السنين ضد الأوروبيين. ولذلك لم يحرز المنصرون تقدماً ملحوظاً حتى بدايات القرن التاسع عشر عموماً.
ولم يترجم العهد الجديد، إلى أي لغة شرقية حتى عام ١٩٨٨م، حيث ترجم إلى الإندونيسية ثم ترجم ما يعرف بالكتاب المقدس في عام ١٧٣٤م لأول مرة، وكانت العربية والإندونيسية المكتوبة بالحروف العربية شائعة جداً ومستعصية على القساوسة الرؤساء وفي عام ١٧٧٦م كان خمسة منهم فقط من بين 22 يعرفون لغة السكان، واضطروا إلى ترجمة الكتاب المقدس إلى الإندونيسية المكتوبة بالحروف العربية في عام ١٧٥٩م، وخلافاً لانشغال البرتغاليين بالتجارة ونهب الثروات أضاف الهولنديون إلى ذلك اهتماماً بالتنصير ويجلب القساوسة مع سفن المدافع المدمرة والجنود، ومنذ بداية القرن التاسع عشر، تعزز موقف المنصرين من الإنجليز في سنغافورة وشمالي جزيرة بورنيو التابعة لماليزيا اليوم، ومن الألمان من المدرستين الكاثوليكية والبروتستانتية ومع بداية القرن العشرين، وقبل استقلال إندونيسيا في منتصفه كانت هولندا قد أفسحت المجال للبروتستانت لأن يبنوا كنائسهم في معظم الجزر الكبيرة، وخاصة الفرقة الميثودية منهم بينما ظل الكاثوليك الأقل وهم الأقل مقارنة بالبروتستانت في عموم البلاد.
نصارى اليوم:
وفي مطلع الستينيات وفي أثناء حكم سوكارنو تعاونت الدول الغربية مثل ألمانيا والولايات المتحدة وهولندا وغيرها، على رسم خطة تعاونية للإنفاق على مشاريع التعليم والصحة، وتزويج المسلمين من نصرانيات والنصارى من مسلمات وسط حملة العلمنة التي اتبعها سوكارنو، الذي كان معجباً بمصطفى كمال في تركيا، ويحاول تكرار نموذجه في إندونيسيا، واهتم الأوربيون وإلى اليوم بالمدارس والجامعات، كما استغلوا - وما زالوا - جهل الكثير من المسلمين بالإسلام وفقرهم، والضحية الأسهل بالنسبة لهم هم الوثنيون الفارغون روحياً والمستعدون لتقبل النصرانية التي بالطبع ستظهر لهم بأنها أفضل من ديانتهم القديمة، وعندما سقط حكم سوكارنو واشتدت الحملة على الشيوعيين استغلت الحملات النصرانية الموقف لتجذب اللادينيين أو غير الملتزم بدينه القديم أو حتى غير الملتزمين من المسلمين، نظراً لأن الحكومة كانت تنظر بريبة إلى غير الملتزمين بدين لأنهم هدف التيار الشيوعي الأول.
ومع حلول عقد التسعينيات كانت نسبة المسلمين ٩٠% بفضل الله فيما تصل نسبة البروتستانت حسب إحدى الإحصاءات 4% من مجموع السكان و ٢ من الكاثوليك و ٢ من الهندوس و١٪ من البوذيين، 1% من اللادينيين وغيرهم، ويعترف الدستور الإندونيسي بالعقائد الستة الرئيسة المذكورة. بالإضافة إلى الكونفوشيوسية دون اعتبار الإسلام الدين الرسمي للدولة، كما أن هناك أدياناً أخرى غير محظورة، ويمكن أن يكون معتنقها من سكان أو مواطني إندونيسيا، كالطاوية، واليهودية والشينتو والسيخية وغيرها، ويتركز النصارى البروتستانت في سومطرة الشمالية، واريان جايا وجزر الملوك، وكاليمنتان الوسطى، وسولاويزي الوسطى، وسولاويزي الشمالية، وهي التي تعاني في غالبيتها اليوم من أحد أشكال العنف اما الكنسية الكاثوليكية فقد قل نشاطها في عقد الثمانينيات والتسعينيات، بسبب تحديد عمل المنصرين الأوروبيين الذين اعتمدت عليهم بشكل رئيس طوال تاريخها ومعظم الكاثوليك موجودون في كاليمنتان الغربية، واريان جايا، ونوساتنجارا تيمور وتيمور الشرقية وهي أكثر الأقاليم احتضاناً للكاثوليك لعوامل تاريخية قبل كل شيء. ومعظم الصينيين من سكان المدن قد تنصروا، كما ركزت الأعمال التنصيرية على قوميات معينة كالباتاك في سومطرة والوثنيين الفقراء من سكان الغابات البدائيين في إربان جايا، وكاليمنتان.
ويتصف النشاط التنصيري في إندونيسيا بالعدد الهائل من المنظمات الصغيرة والكبيرة التابعة لمنظمات وكنائس عالمية أو شبه مستقلة بأنشطتها تسير بلغات وأساليب معدلة محلياً. تتناسب مع الثقافات المحلية الموجهة لها. وقد كتب جوناس فوركويل الكاتب الهولندي - الذي نشر له العديد من الكتب بالإندونيسية عن النصرانية وتوفي في يناير ٢٠٠١م - كتاباً باللغة الإندونيسية بعنوان الكنائس والهرطقة والذي طبع لأول مرة في جاكرتا من قبل المطبعة النصرانية، ويقول فيه إن هناك ۹ فرق ومذاهب رئيسة تتوزع عليها مئات المنظمات واللجان والمدارس والمستشفيات والجامعات وهي حركة البنتيكوست للدعوة إلى العلاج المقدس الكنسية المجيئية أو السبتية، شهود يهوه العلوم المسيحية الحركة المورمونية (تأسست في أمريكا عام (۱۸۳۰م)، الرجعة الأخلاقية الحركة الكمالية، وجيش الخلاص العالمي (تأسس في إنجلترا في عام ١٨٥٦م)، والعامل الأول الذي ساعد على ظهور هذه المذاهب كلها هو ا الكبيرة سكانياً المفتوحة أمامهم للعمل، وهناك العشرات من الجماعات والجمعيات الكنسية التي لا يكفي المقام حتى لذكر أسمائها دون الحديث عن انشطتها. بل وصل الأمر إلى اهتمام مجلس الكنائس العالمي بالإندونيسيين في الخارج أن اسست روابط للمسيحيين المهاجرين والمقيمين المحلية على الساحة مؤقتا في الخارج من هوج كونج شرقاً إلى الولايات المتحدة غرباً وهناك عشرات من الكنائس والمجموعات الكنسية في الولايات المتحدة تركز اهتمامها على المهاجرين الإندونيسيين.
ولوجود الكثير من الخلافات التي تؤدي إلى إضعاف عملهم، فقد عملت جهات أجنبية كنسية بالتعاون مع الكنائس الكبرى على التنسيق بين أتباع المذاهب التنصيرية لتوزيع الجهود جغرافياً وسكانيا فتحالف الكنائس المسيحية مثلا يمثل ۸۰ من المجتمع البروتستانتي الإندونيسي، وهناك جهود مستمرة للتنسيق في الأنشطة التنصيرية مع كنيسة البنتيكوست وتحالف المنصرين الإندونيسيين والتحالف المعمداني الإندونيسي، وجيش الخلاص وكنيسة مجيني اليوم السابع، وفي كتاب للدكتور المنصر جان أريتونانج عن مذاهب عديدة داخل وحول الكنيسة المطبوع في عام ٢٠٠٠م في جاكرتا يقول إن أبرز ١٦ جماعة بروتستانتية في العالم لها جميعاً حضور في إندونيسيا !.
سجل مخيف:
وفي سجل وزارة الشؤون الدينية، هناك ۲۰۰منظمة كنسية رئيسة، وأكثر من ۱۰۰ مؤسسة كنسية ذات خواص كهنوتية، باستثناء مؤسسات كنسية مسجلة في إدارا أخرى كدور النشر. وبعض وسائل الإعلام، ويحتمل وجود أعداد أخرى من الكنائس التابعة لما ذكرناه أنفاً، لم يتم تسجيلها وعادت للعمل في عهد الانفتاح السياسي والاجتماعي، والمذهبي منذ سقوط سوهارتو وخاصة في عهد الرئيس وحيد الذي سمح حتى للمذاهب المنحرفة عن الإسلام بالتحرك لأول مرة بحرية، ومن بين الكنائس مثلاً كانت منظمة شهود يهوه محظورة منذ عام ١٩٧٦م لاتهامها بإضعاف وطنية اتباعها، لكن عهد الحرية الجديد لم يمنعهم من التحرك.
إن التحدي الكبير الذي يواجه المسلمين اليوم في إندونيسيا، لا يكمن بالدرجة الأولى في تحول المسلمين إلى النصرانية، حيث اعترف منصرون يعملون في شرق آسيا بانهزامهم نسبياً في معركة تنصير» إندونيسيا التي كانوا يحلمون بتنصير اكثر من نصف سكانها مع حلول عام ٢٠٠٠م... لكن الصحوة الإسلامية - التي بدأت عهداً جديداً في السنوات الماضية، وقفت لهم سداً منيعاً لم يكونوا يتصورونه مما حول هدفهم ليكون إخراج المسلم من دينه وإبقاؤه دون دين يحكم حياته بدلاً من تنصيره، ولهذا فالتحدي أو المعركة الأولى التي يواجهها المسلمون تكمن في إيقاف موجة التغريب والإفساد، وتعميق الجهل الديني.
لم يعد هدف المنصرين الأول تنصير المسلمين مع أن هذا سيظل هدفاً موازياً، لكنه قد لا يكون الأول جماهيريا المهمة الأولى الآن هي تغريب وأمركة إندونيسيا من خلال تحالفات كنسية- سياسية - إعلامية - فنية - تجارية بكل ما تعنيه الكلمة من التحالفات وهي العملية التي يمكن أن نجملها بعبارة ذات ثلاثة أبعاد عرقلة الأسلمة، وتثبيت العلمنة.. وتعزيز العولمة الثقافية خصوصاً).
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل