العنوان معالم على الطريق.. يا باغي الخير أقبل ويا باغي الشر أقصر
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر السبت 30-سبتمبر-2006
مشاهدات 83
نشر في العدد 1721
نشر في الصفحة 45
السبت 30-سبتمبر-2006
هل يسمع المسلمون ذلك النداء في رمضان، يقبلون على الخير؟ وهل يفهم هذا الذين يأكلون أموال الناس بالباطل فيبتعدوا عن سحت ﴿ يوۡمَ لَا يَنفَعُ مَالٞ وَلَا بَنُونَ إِلَّا مَنۡ أَتَى ٱللَّهَ بِقَلۡبٖ سَلِيمٖ ﴾ «الشعراء: ٨٩».
وهل سيقلع الظالمون عن المظالم وتلفيق التهم للأبرياء حتى لا تكون فتنة، «وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً»«الأنفال: ٢٥»؟ وهل ستطلق الحريات وتفك القيود، ويفرح الصغير بأبيه وينعم الأب والأم والزوجة بالمغيب في قعر مظلمة وجوف أليمة؟ وهل يقبل الأخ على أخيه، ويتصافح مع جاره وينسى القطيعة ويودع الحرمان؟
هل يمنع سفك الدماء، وقتل الأبرياء، ﴿ وَمَن يَقۡتُلۡ مُؤۡمِنٗا مُّتَعَمِّدٗا فَجَزَآؤُهُۥ جَهَنَّمُ خَٰلِدٗا فِيهَا وَغَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِ وَلَعَنَهُۥ وَأَعَدَّ لَهُۥ عَذَابًا عَظِيمٗا ﴾ «النساء: ٩٣».
وهل سيقلع أهل الشهوات ويقبلون على الله بالتوبات ويبتعدون عن المعاصي في شهر الخير والغفران؟ نقول: بل أقبل يا رمضان، وأقم طويلًا في هذه الأمة الطيبة المسكينة المقهورة، وألق عليها درسًا من دروسك البليغة، ولا تفارقها حتى تُزكي أرواحها، وتطهر قلوبها، وتصفي نفوسها، وتصلح أخلاقها، وتذهب أصرها، وتجدد حياتها، وتقيم موازينها، وتعلمها أن المطامع أصل الظلم، وأن الشهوات قيود الأسر، والقهر استغلال وقعود، والحرية انطلاق وصعود.
ولو نما في المسلمين حب الخير، وطبعت نفوسهم على الجد في طلب العلياء والتشوف إلى الآمال وبذل الجهد الصحيح في ذلك، لرأيت أن المسلم لا يعجزه أن يكون في رمضان منفقًا لا سارقًا، ومعطاءً لا متلافًا، ومصلحًا لا مفسدًا، وعادلًا لا ظالمًا، ورأيت أصحاب الشهوات تتحول شهواتهم إلى بذل المال في سبيل الفقراء والمساكين، ورأيت هذا التائب المسلم لا يعجزه أن يقتصد القليل مما ينفقه في الدخان، أو في شراء شريط غناء، أو في سهرة من السهرات، أو في وليمة لصحبة الهوى ليسد به رمق مسكين جائع، أو فقير محتاج، أو مدين مأزوم، لأن شهر رمضان شهر السخاء والجود. يتذكر معه نعمة الله وفضله عليه، ويسارع إلى الثواب الجزيل في الشهر الفضيل، ويدخر أمواله لتنفق في سبيل أمته على طريق المجد والخير ليكون ذلك قوة لأمته وضعفًا لعدوه الذي يتقوى بسرفنا، ويخترع بخاماتنا، ويغتني باستغلالنا وبما يبتز من ثرواتنا، ويرتع في خيرات أرضنا.
إننا إذا سرنا على الطريق المستقيم، وتبعنا تعاليم رب العالمين، وسيرة سيد المرسلين، وسرت فينا روح تعاليمنا الطيبة، وشعرنا بأن في أموالنا حقًا للسائل والمحروم، حتى يتقوى بها ويعمل بطاقته كلها عونًا لنا وسندًا لحضارتنا، وحفاظًا على اليد العاملة عندنا.
إن في بلادنا اليوم كثيرًا من المعوزين المهضومين يحاولون أن يتخلصوا من القيود والأغلال التي تثقل كاهلهم، وتنهك قواهم، ولا خلاص لهم إلا بأموال الدولة، وعطايا المحسنين من بني جلدتهم، ﴿ وَٱلَّذِينَ فِيٓ أَمۡوَٰلِهِمۡ حَقّٞ مَّعۡلُومٞ لِّلسَّآئِلِ وَٱلۡمَحۡرُومِ﴾ «المعارج: ٢٤-٢٥».
فهذا شهر رمضان ينبغي أن يقف فيه المسلم وقفات كريمة ينفق فيها صاحب المال على من لا مال له: ﴿هَٰأَنْتُمْ هَٰؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾«محمد: ٣٨».
هذا شهر رمضان شهر الإرادة والتوبة، وشهر مراجعة النفس، وشهر الروحانية والعبادة، وشهر القرآن العظيم ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾«البقرة: ١٨٥».
شهر المغفرة والتوبة والإنابة. يروي ابن عمر عن النبي ﷺ أنه قال: "الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة، يقول الصيام: أي رب منعته الطعام والشراب بالنهار فشفعني فيه، ويقول القرآن: منعته النوم بالليل فشفعني فيه، فيشفعان".
ثم أليس الصوم طهارة للنفوس ومدرسة للأخلاق والسلوك الاجتماعي العظيم؟ فإذا كان صوم أحدكم فلا يرفث ولا يفسق ولا يصخب، وإن سابه أحد فليقل: إني صائم، إني صائم، والذي نفسي بيده لخلوف فم الصائم عند الله أطيب من ريح المسك...
وأليس القرآن ينبوعًا فياضًا ينضح بالروحانية ويذكر النفوس بالملأ الأعلى ويجلو أمامها أسرار ملكوت السموات والأرض؟ إن القرآن حين نزل على الأمة العربية عمل في نفوسها عمل السحر، وبلغ أثره أعماق القلوب وتغلغل في خفايا الضلوع وتمكن من مكامن الأرواح، وبدل الله به الأمة خلقًا آخر، وكان البون بعيدًا والفارق عظيماً بين الأمة العربية في جاهليتها وإسلامها.
وها هو القرآن اليوم يتلى علينا ويقرأ بين ظهرانينا.. فهل تغيرت به نفوسنا وانطبعت عليه أخلاقنا، وفعل في قلوبنا كما كان يفعل في قلوب أسلافنا؟ وما هذا إلا لأننا نقرأ القرآن فلا يتجاوز حلوقنا قراءة آلية، كلمات تتردد ونغمات تتعدد، ثم لا شيء من فيض القرآن وروحانيته يقر في القلوب أو يفعل فعلها في الأقوال والأفعال، والحياة الاجتماعية.
إننا نريد أن نرجع إلى القرآن وننهل من روحانياته وتعاليمه حتى تقوى الإرادة وتنكشف عن أفئدتنا غمامة الغفلة فتتنزل علينا رحمات الله ونصره وتحل فينا بركات الصيام وأثره، فتجاب الدعوات، وتمحى السيئات، وتعز الديار، ويفرح المؤمنون، وباغي الخير يقبل، وباغي الشر يقصر، وتقول الأمة من جديد: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ ۚ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ «الإسراء: ٨١».