العنوان المجتمع الثقافي (1638)
الكاتب مبارك عبد الله
تاريخ النشر السبت 12-فبراير-2005
مشاهدات 53
نشر في العدد 1638
نشر في الصفحة 48
السبت 12-فبراير-2005
عبدالله الطنطاوي
ديوان وليد الأعظمي
قصة تستحق أن تُروى
كانتْ فكرة جمع الأعمال الشعريّة الكاملة للشعراء الإسلاميين تستهويني وتلحّ عليّ منذ ستينيات القرن الماضي، وقد بدأنا في حلب بجمع الأعمال الشعرية لشاعر الدعوة في حلب الأستاذ محمد غزيل، وطُبعتْ في ديوان في سورية عام ١٩٧٨م ثم أعيد طَبْع الدِّيوان في دار عمان في عام ۱۹۸۳م.
كنتُ وما زلتُ أحلم بجمع أشعار شعرائنا جمال فوزي، وعبد الحكيم عابدين والباقوري، ومحيي الدين عطية، والأميري وضياء الدين الصابوني، ومحمد الحسناوي، وعبد الله عيسى السلامة، ومحمد المجذوب وسواهم من شعراء الدعوة في سائر الأقطار، وراقتْ الفكرة للأستاذ أحمد الجدع، وأبدى استعداده لطبع ديوان الأعظمي.
وزارنا الأستاذ الأعظمي في عمان، والتقينا في ديوان الشيخ المستشار عبدالله العقيل في عمان، وذلك بعد سقوط بغداد، وعرضنا عليه الفكرة فتهلّل وجهه لها وطرب لهذا الاقتراح، وفوضنا في جمعه وترتيبه، قلت للأستاذ العقيل: لابد من تمويل الطباعة فانتخى الشيخ العقيل وقال: بسيطة
وسارعتُ إلى تنفيذ الأعمال الكاملة وتصحيحها وتحتوي على أربعة دواوين مطبوعة الشعاع، والزوابع، وأغاني المعركة، ونفحات قلب وديوان مخطوط قصائد وبنود وآخر قصيدة نظمه وألقاها في الاحتفال الكبير بجامع الإمام الأعظم في بغداد .
وهذا كل ما أخذناه من الشاعر وليد - رحمه الله تعالى- الديوان
وأطلقنا عليه ديوان وليد الأعظمي، الأعمال الشعرية الكاملة واتفقنا على طبعة أولى (۱۳۰۰ نسخة مع صاحب دار القلم بدمشق.)
وهاتفَنا الشيخ العقيل من الرياض وأخبرني أنّ شاعرنا أُصيب بجلطة دماغية في بغداد، وألحّ عليّ إيصال نسخةٍ من الدّيوان المطبوع للشاعر قبل أن يحتم القضاء .
وهاتفْنا الطابع في بيروت، وطلبنا منه إرسال خمس نسخ بالبريد السريع، وكان تجاوبه رائعاً، فأرسل النسخ الخمس وبادر الشيخ العَقيل إلى إرسال نسختين إلى الشاعر مع رجلين صديقين كانا عائدين إلى مدينتهما بغداد .
وتلقّى الشيخ العقيل رسالةً من الشاعر الأعظمي يشكره فيها على جهوده المبرورة في إخراج الديوان بهذا الشكل الجميل وعلى مقدمة العقيل للديوان ولم ينسنا من الدعاء، كان هذا قبل وفاة الشاعر بأسبوعين تقريباً، وحمدْنا الله الذي أقرّ عينَيْ شاعرنا الكبير برؤية ديوانه مطبوعاً قبل وفاته.
ثم كانتْ الطبعة الثانية للديوان بعد شهرين مارس ٢٠٠٤ ، ثم جاءتْ الطبعة الثالثة بعد شهرين من الطبعة الثانية في مايو ٢٠٠٤م ، وكان مجموع نسخ الطبعات الثلاث عشرة آلاف ومئة نسخة، بادر الناس إلى اقتنائها في العراق ولبنان والأردن والسعودية والمغرب، ووصلتْ إلى السودان والكويت والإمارات، وقطر، وسواها من الأقطار.
بقيَ أن نّعرف أنّ شاعرنا وُلد في بغداد عام ۱۹۳۰م، وتوفي عام ٢٠٠٤م. ودُفن في مقبرة الإمام الأعظم، أمّا ديوان الأعظمي فقد جاء في ٤٧٦ من القطع الكبير، هي حُّلةٌ تليق بذلك الشاعر المجاهد وبشعره الجهادي الأصيل، وأدعو نقّاد الشعر أن يبادروا إلى تقديم دراسات إضافية عنه، كما أدعو طلاب الدراسات العليا إلى دراسة الشاعر وشعره دراسة تليق بهما.
الإسلام في مواجهة الاستئصال
كتاب جديد للمؤلِّف يتضمن فصولاً قصيرة تعالج من خلال مناسبات معينة معالم استئصال الإسلام في أوجه حياتنا المختلفة، ويشير إلى ما يحاول الأعداء التاريخيون وأنصارهم من بني جلدتنا إحلاله في واقعنا العقدي والفكري والثقافي والاقتصادي والاجتماعي والترفيهي، ثم فرْضُه علينا بقوّة الظروف التي أتاحتْ لهم صنع القرارات، أو التأثير في الأجيال الجديدة.
وسوف يجد القارئ الكريم تناولاًمتشعِّباً يبدأ من الخطر الصهيوني الذي يستأصل الإسلام في فلسطين وما حولها بتهويد الأرض واستلاب العقل حتى المحاولات الماكرة التي تسعى لتدمير التعليم وتخريب الأزهر الشريف، مروراً بالحرب الدامية التي يشملها المتآمرون في أرجاء العالم الإسلامي، فضلاً عن محاولات العلمانيين والمتنطِّعين لتشويه الفكرة الإسلامية وتحويلها إلى حالةٍ دموية شائهة ضدّ الفطرة وضدّ الإنسان.
. إنّ كل نقطة من هذا الكتاب تحتاج إلى معالجات مستفيضة، ولكن غاية الكاتب القارئ العادي لتعريفه بمجمل ما يجري على الساحة الإسلامية من صراع بين قوى البغي المهيمنة، وقوى الإسلام المستضعفة أملاً في أن يرفع الله البلاء عن المسلمين في أمن ورخاء ينتجون ويبدعون، وقبل ذلك يعبدون ربهم في عزّة المؤمنين وصلابة المجاهدين وشوق الشهداء واطمئنان الصالحين
. (يقع الكتاب في ۱۹۱ صفحة من القطع المتوسط)
تأليف الدكتور حلمي محمد القاعود الناشر: دار التوزيع والنشر الإسلامية القاهرة . ص.ب ١٦٣٦ الطبعة الأولى: ١٤٢٥هـ . ٢٠٠٤
رائد محمد جعفر الغامدي
خاطرةٌ على متن طائرةٍ
قد يظنّ قارئ العنوان أنّني سأسكب بعض المشاعر وأمزج معها شيئاً من العاطفة، حتى يكون ذلك خليطاً من الأحاسيس الفيَّاضة التي تنتج التأثر، لكن هي وَمضةٌ سريعة وإضاءة ساطعة أُرسِل إشعاعاتها إلى من كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.. فلو نظرنا نظرة المتأمل من نوافذ الطائرة إلى هذه الأراضي المتسعة قد لا ترى نهايتها بل آخر شيء تراه هو الأفق، حينها سنعلم حقيقة الوجود ... فلم تُسخًّر هذه البسيطة إلّا لحكمة أجراها خالقها في كتابه حين قال: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾[ الذاريات: 56] ولكن العجب الذي قد يُداهِم أفكارك أنّ الخلائق لم تعتبر فهذا ينثر خطاياه على كل قفر وفوق كل ثرى، بل وذاك قد أسرتْه الذنوب وشلَّتْ وثباته المتدفقة للأمام.. نعم قد نتعجّب من هؤلاء كلّهم.. وقد يزيد تعجبنا من ذلك الرجل الذي قد ركب البحر وبدأ يجاهر بالسيِّئات ويحارب الله بذنوبه، ولم يخطر على باله أنّ ربّ هذ الماء قادرٌ على إغراقه ولا يُبالي ... لكن الذي يقف أمام ميزان التّعجُّب مذهولاً هو ذلك الشخص الذي قد علَّقه الله بين سماء لا عمد لها وبين أرض لا خالد عليها. وهو يسرق النظر، ويخون ربّ البصر، ويترك خرز الذنوب ينهال ولا يفكر أن يعقد خيطها ويحفظ خرزها .
.. وشتّان بين ذلك المحب الذي مازال حبيبه على لسانه يذكره ويستأنس بخلود التفكير فيه، وإمعان النظر في جبروته وعظيم خلقه... وهذه الطائرة قد صارعتْ عباب السّحاب وناضلتْ ترفع رايات التحدي لتقطع جموع الغيوم.. كل ذلك قد حار في خلد ذاك المتدبر المتفكر في ملكوت البارئ... وهو مع ذلك ما يكاد لسانه يفتر عن ذكر الله، ولا يتعب.. فذكر الله أساس طمأنينته ... فبأي مِداد كُتب أجر متأمل معلق بين السماء والأرض؟ بل هل الأرض التي لم تقله تشهد له بذاك العمل ،أم السماء التي تظله ؟
في هذه اللحظات يقف لسان المخلوق العاجز عن التعبير لتسير سفينة أعاجيب خلق البارئ الجبار المُهيمِن الذي أحسن كل شيء خلقه وبدأ خلق الإنسان من طين... وتبقى معه كلمات تدور وتحوم في أرجاء الكون وعلى لسان المخلوقات التي تدين بالعبودية لله.. فتنساب الكلمات مشبّعة جواً من الوحدانية: إنّه الله القديرالمجتمع الثقافي
محمد شلال الحنانة
في افتتاح الموسم الثقافي
لرابطة الأدب الإسلامي العالمية
حوار مفتوح حول الأدب الإسلامي
افتتح المكتب الإقليمي لرابطة الأدب الإسلامي العالمية في المملكة العربية السعودية موسمه الثقافي لعام ١٤٢٥هـ. ١٤٢٦هـ في الرياض بندوة عنوانها: حوار مفتوح حول الأدب الإسلامي.
وقد تحدث في الندوة كل من د . عبد القدوس أبو صالح رئيس الرابطة، والناقد د سعد أبو الرضا الأستاذ في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية ونائب رئيس مكتب البلاد العربية في الرابطة، والأديب د ناصر الخنين نائب رئيس المكتب الإقليمي للرابطة في الرياض والأديب د. وليد قصاب الأستاذ في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية ومدير تحرير مجلة الأدب الإسلامي، وقد حضر هذا اللّقاء الثقافي الشهري، جمهور من الأدباء والمثقفين والمتابعين.
منهج الاعتدال والوسطية
بدايةً تحدث د. عبد القدوس أبو صالح رئيس الرابطة، مرحباً بالأُدباء والمثقفين الذين حضروا حبّاً للأدب الإسلامي ورابطته، وحرصاً على متابعة ندواتها وقال: إنّ هدفنا من الندوة أن نتفق جميعاً على مفهوم متقارب لتعريف الأدب الإسلامي، وكما تعرفون فإنّ الرابطة هيئة أدبية تجمع المنتسبين لها من الأدباء مبتعدة عن الصراعات السياسية مع اهتمامها بقضايا الأمة، وقضايا المسلمين في كل مكان في فلسطين والعراق والبوسنة والهرسك وغيرها، كما أنّها تلتزم منهج الاعتدال والوسطية والبعد عن الغلو والتطرف في تعاملها مع الآخرين، وهو منهج شيخنا الكبير أبي الحسن الندوي - رحمه الله - وقد تميَّز بإخلاصه في نصح حكام الأُمة، وحسن صلته بهم، وهو المنهج الإسلامي القويم الذي ينبغي أن يمِّيز المسلمين في سبيل معالجة قضاياهم والنهوض بأمتهم.
موقف الأدب الإسلامي من الآخر
الأدب الإسلامي من الآخر، وقال: إنّ الآخر الذي نعنيه هو من يخالفنا الرأي بالنسبة للأدب، وهذا ينطبق على الأشخاص والأفكار، لأنّ هناك من لا يوافق على فكرة الأدب الإسلامي، وبعض هؤلاء يرى أنّ الأدب العربي يغني عن ذلك، فالأدب العربي لدى هؤلاء كله إسلامي! ولا ندري كيف يجعلون من المجون والخمريات أدباً إسلامياً ؟!
ونحن مع الأدب العربيّ الذي يوافق التصور الإسلامي، وندعُو إليه، كما أنّنا لا ننكر في الأدب الإسلامي المذاهب الأدبية والمناهج المختلفة وما أكثرها، بل نأخذ منها ما يوافق ثوابتنا وتصورنا الإسلامي، أمّا ما أثارته الحداثة في هذا المجال من البِنيويّة إلى التفكيكيّة فهي تعبِّر عن اتجاهاتها الغربية الخاصة.
. كما نرى أنّ التفكيكية مثلاً تدعو إلى نهائية المعنى.. وهذا خطر عظيم على الفكر والأدب.
إنّنا لا نصادر الرأي الآخر، لكن ندعو إلى دراسته بما يوافق ثوابتنا الإسلامية، وتصورات ديننا للإنسان والكون والحياة.
أصول الالتزام في الأدب الإسلامي
وتناول د ناصر الخنين الأصول الشرعية للالتزام في الأدب الإسلامي، وقال: إنّها واضحة وظاهرة في المفهوم الإسلامي، فالإسلام هو الانقياد لله والاستسلام له في الأقوال والأعمال وجعلها مخلصةً لله، وقد قال تعالى في محكم كتابه العزيز:﴿ قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ﴿ لَا شَرِيكَ لَهُ ۖ وَبِذَٰلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾[ الأنعام: 163][ الأنعام: 162]
وهذا منتهى الالتزام، والأديب يوقظ الأذهان والقلوب والمشاعر من خلال أدبه بأسلوب فني رائع، ويؤثر في الآخرين، وفي ميولهم وعواطفهم وسلوكهم واتجاهاتهم، فعليه أن يتقي الله في أدبه، ويلتزم بالمنهج القويم وهو منهج الإسلام الذي يرضي الله ورسوله .
موقف الأدب الإسلامي من الغموض والوضوح في الشعر
وجاءت كلمة د. وليد قصّاب -أستاذ الدراسات العليا في جامعة الإمام- لتُلقي الضوء على موقف الرابطة من الغموض والوضوح في الشعر، فقال: إنّ الأدب الإسلامي هو أدب الوضوح لأنه أدبٌ ذو غاية.. فهو يحرص على التواصل مع المتلقي، ليوصل رسالته السامية، وقد نزل القرآن الكريم بلسان عربي مبين والبلاغة من البلوغ، والفصاحة تعني الإبانة والثقافة العربية الإسلامية تتجه إلى الوضوح، ولا يعني ذلك الابتذال أو السَّطحيّة أو عدم العمق.
أما أصحاب الغموض في الأدب العربي فحجّتهم واهيةٌ ودعواهم باطلة، فهم يزعمون أنّ عصرنا عصٌر عبَثيٌّ، ولذلك ينبغي أن يعبّر الأدب - في رأيهم- عن العبَث والغموض، لأنّ الحياة تسير بغير منطق.
. إنّنا في رابطة الأدب الإسلامي مع استخدام الرمز والصورة والإيحاء ولكن بشفافية بعيداً عن التعمية والعبث عند بعض رموز الحداثة الموبوءة، ونحن مع النصّ الجيّد الذي يجعل القارئ يكتشف أشياء جديدة في النص، مما يهِب النصّ ثراءً وجدةً وعمقاً، مع تنوع القراءات، واختلاف الرؤى.
مراجعة الذات
وفي ختام اللّقاء فُتح المجال للحوار وتحدّث الناقد د. حسين علي محمد فقال: هناك غموضٌ شيطاني في الشعر مثل غموض الشاعر أدونيس، وهناك غموض حضاريٌ شَفيف مثل غموض الشاعر المصريّ أحمد سويلم.
كما طالب الشّاعر فائق منيف بمراجعة الذّات خلال هذه اللقاءات، وتساءل: لماذا نُهمِل طرق الوصول إلى الآخر؟ كما جاءت مداخلات أخرى لبعض الأدباء معبرة عن هموم الرابطة ومستشرقة آفاق الأدب الإسلامي.
ثم أَصْغى الحضور لأمسيّة شعريّة شارك فيها عدة شعراء منهم : د وليد قصّاب، ود عمر خَلوف، وسعد جبر، وعمر الرشيدي، وسامي البكر، وقد عبّرت قصائدهم عن همومٍ وجدانيةٍ خاصّة، وأخرى جماعيّة .علاء الصفطاوي
قصة قصيرة
لن أعقّك ..
بعد عام من الغربة عاد جلال إلى بلده تحدوه مشاعر كثيرة، يفكّر في تلك الحياة الجديدة التي يُقبل عليها، فهو يستعد للزّواج، أعدّ عشَّ الزوجية، أدّى ما عليه من واجباتٍ، ونفّذ ما أُخذ عليه من التزامات.
جلس في بيته الّذي يشعر فيه بالأمان وبرَد الاطمئنان، أقبلتْ عليه أمُّه وهي تحمل كوباً من الشّاي وضعته أمامه ثم نظرتْ إليه عرف أن وراء هذه النظرة كلاماً تريد قوله فهو يعرف أمّه كما يعرف نفسه.. أمسك بيدها وقبّلها وقال هل تخفي ستّ الحبايب عني شيئاً؟ قالت له: ماذا ستفعل مع أبيكَ يا ولدي؟ سؤالٌ بعث الأسَى في نفسه فانتفضَ من مكّانه وجعل يتحرك في الغرفة ذهاباً وإياباً، يتذكر تلك المواقف العصيبة في حياته، أبي كلمةٌ لم ينطِق بها منذُ زمن طويل، بل ربما نسيها في غربته، كانتْ تأتي عليه لحظات يشتاق فيها إلى حنان أبيه ويحلم به وهو يأخذه بين ذراعيه يقبله ويغمره بفيض حنانه، ولكن الحُلم شيءٌ والواقع شيءٌ آخر، فقد أخذ أبوه منهم موقفاً .. تركهم وانشغل بزوجته الأُخرى وأولاده منها، أهمل حقوقهم، بل أذاهم بدنياً ونفسياً.
تذكّر جلال يوم أنْ كان مسافراً لأوّل مرة، فذهب إلى أبيه ليودِّعه ودموعه تسبق كلماته، تذكّر تلك الرسائل التي أرسلها له وما بها من كلمات تذيب الجليد وتقرّب البعيد وتطفئ نار العداوة والبغضاء. كلمات خرجت من قلبه ممزوجةٌ بنار الشّوْق وألم الفراق.. ومع هذا لم تظهر من أبيه أيّةَ بادرةِ أمل، بل كان الأمر يزداد سوءاً، نظر إلى أمِّه وكأنّه يعتب عليها .. فقد كان يفكر في تلك اللّحظة التي سيجمع الله فيها بينه وبين من اختارها قلبه واطمأنت إليها نفسه، فنزل عليه هذا السؤال نزول الصاعقة، فأخرجه مما كان فيه من الخيال الجميل إلى الحقيقة المُرّة التي يحاول أن يهرب منها، أمّه تقف أمامه تنتظر إجابته وهو يعلم الإجابة التي تريحها ولا يريد أن يغضبها فقال لها : سأذهب إليه أدعوه... فهو أبي وله حق الطّاعة علي.. وأنا أتّقي الله فيه وإن كان هو لا يّتقي الله فيّ .
فقالت: بارك الله فيك يا ولدي.. هذا ما كنت آمَله منك، وأعلم أنك عانيتَ منه الكثير، ولكنه أبوك وله حقوق عليك، وقد وصّاك الله به وكذلك رسوله وأنت يا بني حافظٌ لأجزاءٍ من كتاب الله وتمر عليك الآيات التي يوصي الله فيها بالوالدين. انظر يا بني إلى الحائط، نظر فإذا به يجد لوحة مكتوباً عليها
﴿ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ﴾، (الإسراء : ٢٣) كان جلال قد وضعها بيده من فترة طويلة منذ أن كان صغيراً.
وبعد أن انتهتْ أمه من حديثها نظر إليها وقال: أمي .. أتدرين لماذا أوصى الله الأبناء بالآباء فقال: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ﴾ ، (الإسراء:۲۳)
قالت: لماذا يا ولدي؟ قال جلال: لأنّ حب الآباء للأبناء فطرةٌ فطر الله الآباء عليها، فالابن جزء من أبيه، ولكن يا أمي هناك من الآباء من يخالف هذه الفطرة.
ولا تفهمي يا أمي من حديثي هذا أنّني أسوغ للأبناء عقوق الآباء، بل يجب على الابن أن يكون باراً بأبيه حتى ولو كان الأب له عاقّاً، قالتْ له أمه: أنا أعلم يا ولدي أنك أكثر أبنائي برّاً بأبيك، ولذا طمعت في أن تذهب إليه، وبعد أن ذهب النهار بحركته وأتى الليل بسكونه ذهب جلال إلى أبيه ونادى عليه بالكلمة التي تفجّر الحنان وتثير في النفس عاطفة الأبوة، أبي، خرج إليه بوجه عابس وعيون تحمل نظراتها معانٍ كثيرة، مدّ جلال يده وصافح أباه وقبّل يده تقبيل من يعترف له بالفضل، وتحدث بحديث عذب راجياً. أبيه أن يكون معه في ليلة العمر، ولعلّ هذا يعيد المياه إلى مجاريها، يصلح ما فسَد، ويعّوض ما افتقد .
وترك أباه بعد أن أخذ منه الوعد بالحضور، وإن كان في نفسه مقتنعاً بأن ما يرجوه لن يحدث.. وفي ليلة عرسه جلس بين أحبابه وأصدقائه ولكنه لم ير أمامه أحداً رغم كثرة الحاضرين، عيناه تترقب شخصاً واحداً يتمنى حضوره وخاصّة عندما مال عليه أحد الحاضرين وسأله أين أبوك؟ سؤال سبّب له إحراجاً وما عرف له جواباً، وبمرور الوقت، دبّ القلق في نفسه .. ها هي ليلة عرسه تنقضي وأبوه لم يحضر .. همس في أذن عمّه: لا هل هذا يرضيك؟ قال له عمه: لا يا ولدي ولكن هل لديك استعداد لأن تذهب إليه مرة أخرى؟ لعل الله يصلح حاله ويهدي قلبه، فما كان من جلال إلّا أن أخذ بيد عمه وذهب مرة أخرى إلى أبيه أملاً أن يكون لعمه دور في إقناعه بالحضور، ولكن خاب ظنه، وعاد مثلما ذهب بعد أن سمع ما لا يرضى من القول وحاول عمّه أن يطيّب خاطره وأن يهوّن وقع الصدمة على نفسه، قائلا له: هذه ليلة عرسك لا تفكر في شيءٍ ممّا حدث، كلُّنا بجانبك، لكنّه لم يكن معه .. كان في وادٍ آخر، قطع المسافة من بيت أبيه إلى بيته وهو يفكر في الموقف.. فهذه لم تكن الصّدمة الوحيدة التي تلقاها من أبيه ويعلم أنّها لن تكون الأخيرة .
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل