العنوان التجسس: الملف الساخن بين مصر والكيان الصهيوني
الكاتب بدر محمد بدر
تاريخ النشر الثلاثاء 24-ديسمبر-1996
مشاهدات 73
نشر في العدد 1231
نشر في الصفحة 25
الثلاثاء 24-ديسمبر-1996
▪ عملية «عزام» تكشف المحاولات الدائبة لاختراق الصهاينة للأمن المصري
▪ ضغوط أمريكية وإسرائيلية للإفراج عن الجاسوس الأخير وإنهاء القضية
عمليات التجسس الصهيوني ضد مصر أصبحت في الأسابيع الأخيرة على رأس الملفات الساخنة والمتوترة التي تمتلئ بها الحقائب السياسية والدبلوماسية بين مصر و(إسرائيل)، خصوصًا في ظل أجواء الأزمة وانعدام الثقة التي تعيشها العلاقات بين الجانبين في الشهور الأخيرة، وقد مثل ملف «التجسس الصهيوني» أهمية كبرى في أعقاب القبض على ضابط الموساد الإسرائيلي المدعو عزام مصعب عزام «۳۳ عامًا، وهو ينتمي لطائفة الدروز في (إسرائيل)» من غرفته بفندق البارون بحي مصر الجديدة بالقاهرة، عشية انعقاد المؤتمر الاقتصادي للشرق الأوسط وشمال إفريقيا في الثاني من نوفمبر الماضي، حيث كشفت التحقيقات التي أجرتها أجهزة الأمن المصرية مع ضابط الموساد، تورطه في الاتصال بمواطن مصري من إحدى قرى محافظة المنوفية يدعى عماد عبد الحميد إسماعيل، تم تجنيده في (إسرائيل) لحساب الموساد، ونقل أجهزة تقنية حديثة جدًا في مجال التجسس إليه من أجل تسهيل نقل المعلومات المطلوبة وإرسالها إلى مراكز الموساد في (إسرائيل).
القضية التي نجح الأمن المصري في كشف أبعادها سريعًا شهدت إلحاحًا شديدًا من جانب الحكومة الإسرائيلية لإقناع السلطات المصرية والضغط عليها لإنهاء الموقف والإفراج عن الجاسوس، حتى أن صحيفة «معاريف» الإسرائيلية كشفت عن طلب (إسرائيل) من الرئيس الأمريكي التدخل شخصيًا لدى الحكومة المصرية للإفراج عن عزام، ووصل إلى القاهرة خلال الأسابيع الأخيرة أكثر من مسئول يهودي للتفاوض والضغط لإنهاء الموضوع، ولم تترك القيادة الإسرائيلية مناسبة إلا وفتحت باب الحديث عن هذه القضية.. فما هو السر وراء حالة القلق التي انتابت الطرف الإسرائيلي؟
مصدر قضائي صرح لـ: المجتمع بأن الضغوط التي تمارسها الحكومة الإسرائيلية ربما تهدف إلى منع استكمال التحقيقات في القضية، خوفًا من الكشف عن المزيد من التفاصيل حول عمليات التجسس في مصر أو عن عملاء جدد للموساد أو عن مراكز متعاونة.. «ولا يزال الإلحاح متواصلًا حيث ترجح بعض المصادر إمكانية موافقة المسئولين المصريين على الطلب الإسرائيلي في إطار صفقة كبيرة، وحل بعض المشكلات المعلقة خصوصًا في قضية وجود حوالي ثلاثين سجينًا ومعتقلًا مصريًا في السجون الإسرائيلية ترفض (إسرائيل) الإفراج عنهم.
▪ أخطر قضايا التجسس
وتعتبر قضية عزام عزام هي أخطر قضايا التجسس الأربع التي تم الكشف عن تفصيلاتها منذ عام ١٩٩٢م وحتى الآن، حيث كانت القضية الأولى في أوائل عام ١٩٩٢م واتهم فيها فارس مصراتي وابنته فائقة مصراتي وتم ترحيلهما من مصر في ٦ من مايو ۱۹۹۲م بعد إدانتهما بجمع معلومات عن المصانع الحربية والمطارات والمناطق العسكرية، والقضية الثانية خاصة بالمدعو عامر سلمان أرميلات وهو من رفح بشمال سيناء، وظل يعمل مع المخابرات الإسرائيلية قرابة ثلاثة عشر عامًا، وحكم عليه بالأشغال الشاقة المؤبدة.
ثم قضية الجاسوس عبد الملك عبد المنعم علي حامد، الذي كان يعمل رقيبًا متطوعًا في البحرية المصرية، وأحيل إلى المعاش، وتم القبض عليه في مارس الماضي، وحكم عليه بالأشغال الشاقة المؤبدة بعد أن نقل معلومات عن النظم العسكرية في البحرية المصرية، وكذلك طرق التدريب ووسائل الشفرة والأسلحة المستخدمة في البحرية، ثم القضية الأخيرة المتهم فيها أربعة وهم: عزام عزام، وعماد عبد الحميد إسماعيل بالإضافة إلى فتاتين إسرائيليتين من أصل عربي، وقد جددت النيابة حبس المتهمين الأول والثاني لمدة ٤٥ يومًا لاستكمال التحقيقات التي كانت قد كشفت عن مواد تقنية للتجسس قالت عنها أجهزة الأمن «أنها لا تثير شبهة من يشاهدها أو يمسك بها، لكنها على جانب كبير من السرية والتكنولوجيا في مجال العمل الاستخباراتي، ولا يستطيع أحد أن يحدد استخدامات تلك المواد إلا بمعرفة فنيين لديهم دراسة واسعة بأحدث تكنولوجيا التجسس».
ويبدو أن أجواء الأزمة القائمة بين مصر و(إسرائيل) ساهمت في الإعلان عن هذه القضية الأخيرة، حيث تشير المعلومات المتوافرة عن قضايا التجسس إلى أن المستور منها أكثر بكثير من المعلن، وأن المناخ السياسي هو الذي يحدد -في كثير من الأحيان- حدود الكشف عن عمليات التجسس والتركيز عليها إعلاميًا وسياسيًا.
▪ أهم أهداف التجسس
ويمكن رصد أهم أهداف التجسس الصهيوني على مصر، من خلال الوقائع الأخيرة فيما يلي:
۱- جمع معلومات دقيقة عن:
أ - القوات المسلحة المصرية وقدراتها وأسلحتها وكفاءتها.
ب- الاقتصاد المصري ومقوماته ونقاط ضعفه، ومحاولة الضغط عليه من خلال عمليات التهريب.
ج- رصد حركة المجتمع المصري واتجاهاته الفكرية ومحاولة التأثير فيه واختراقه.
2- بذل أكبر جهد ممكن من أجل تخريب المجتمع المصري عن طريق:
أ- تهريب المخدرات بأنواعها المختلفة وقد اعترف الجاسوس عامر سلمان بأنه حصل على ١٢ كجم من الهيروين كمكافأة له من الموساد، وتهريب المخدرات عبر سيناء أمر مشهور لدى أجهزة مكافحة المخدرات المصرية.
ب- تزييف العملة وإغراق الأسواق المصرية بالدولارات المزيفة لإضعاف الاقتصاد، وقد ضبطت أجهزة الأمن المصرية سائق إسرائيلي يحمل كميات من الدولارات المزيفة في الفترة الأخيرة.
ج- تهريب السلاح والمفرقعات، خصوصًا إلى مناطق التوتر في صعيد مصر، وقد ضبطت السلطات المصرية أكثر من عملية لتهريب الأسلحة والمفرقعات عبر منفذ طابا، وصدر أكثر من تقرير أمني مصري يفضح دور (إسرائيل) في تهريب الأسلحة والمفرقعات إلى مصر.
▪ أما تنفيذ هذه الأهداف فيتم عبر أكثر من محور:
الأول: العمالة المصرية في (إسرائيل): حيث تشير الأرقام إلى وجود عدة آلاف من العمالة المصرية التي تعمل في (إسرائيل)، خصوصًا بعد ضعف فرص العمل في منطقة الخليج والسعودية، وهي المستقبل الأساسي للعمالة المصرية، حيث تشير التقارير الرسمية التي نشرتها الصحف الإسرائيلية عن المصريين الموجودين في (إسرائيل) إلى أن هناك أكثر من ٧٥٠٠ مصري يعيشون هناك ويعمل معظمهم في أعمال متدنية خصوصًا في المناطق القريبة من تل أبيب، وتشير التقارير إلى زواج مئات منهم من إسرائيليات من أصل عربي، وتشير تقارير أخرى إلى أن هذا العدد- العاملين في (إسرائيل)- يصل إلى نحو عشرين ألفًا، منهم حوالي أربعة آلاف في ميناء إيلات وحده، بينما تميل التقارير الرسمية المصرية إلى أن العدد أقل من ذلك بكثير، وأنه بضع مئات، خصوصًا بعد عودة الكثيرين في أعقاب توتر العلاقات بين الجانبين، وبالإضافة إلى العمالة التي تذهب بدافع اقتصادي، وتكون هدفًا مباشرًا للموساد، هناك البعثات الرسمية خصوصًا بعثات وزارة الزراعة التي يرأسها الدكتور يوسف والي صاحب العلاقات الجيدة مع الصهاينة، وتستخدم المخابرات الإسرائيلية سلاحي المال والنساء لتجني عملاء لها في مصر.
▪ دور السياحة في التجسس
الثاني: السياح الصهاينة الذين يتوافدون بأعداد كبيرة على أرض مصر: حيث تشير الإحصائيات المصرية الرسمية إلى أن ۱۸۸ ألف إسرائيلي زاروا مصر خلال الفترة من يناير وحتى أغسطس من هذا العام، أي بمتوسط قدره ٢٣.٥ ألف إسرائيلي، هذا بخلاف الذين يدخلون مصر عبر الدول الأوروبية أو من خلال منفذ طابا، أو من منفذ شرم الشيخ وهم قرابة هذا العدد، ولا يعقل أن تكون السياحة هي الهدف خصوصًا وأن السائح الإسرائيلي يحرص على عدم الإنفاق إلا في حدود ضيقة جدًّا، ويصل إلى مصر حاملًا احتياجاته في أغلبها.
الثالث: السفارة الإسرائيلية والمركز الأكاديمي الإسرائيلي في القاهرة، بالإضافة إلى عدد من المصانع والمحلات التجارية التي بدأت تظهر في القاهرة في السنوات الأخيرة، وتكون ستارًا لعمليات التجسس، وتحرص السفارة الإسرائيلية والمركز الأكاديمي على إقامة صلات وثيقة ببعض الكتَّاب والصحفيين ودعوتهم لزيارة (إسرائيل) أو للمشاركة في أبحاث تهمها، وقد نشرت الصحف مؤخرًا صورًا لخطابات مرسلة من السفارة للمواطنين تشكرهم فيها على المعلومات والدراسات التي قدموها للسفارة وتحوي الخطابات مبالغ مالية كبيرة لتجنيد أكبر عدد من الباحثين، ويلح المركز الأكاديمي على دعوة مراكز الأبحاث الأخرى لزيارة (إسرائيل) وفتح مجالات التعاون.
وقد شعرت الحكومة المصرية بقلق شديد إثر اكتشاف العملية الأخيرة لجهاز الموساد، وقامت الأجهزة الأمنية بإجراء تحريات واسعة شملت كل الذين زاروا (إسرائيل) أو السفارة الإسرائيلية في مصر أو أرسلوا رسائل أو وصلتهم مراسلات من داخل (إسرائيل)، حيث يقوم جهاز مباحث أمن الدولة بالتعاون مع المخابرات العامة وأجهزة أخرى باستجواب كل من له علاقة ما بالكيان الصهيوني، كما ناقش مجلس الشعب في الأيام القليلة الماضية عمليات التجسس الإسرائيلي وأثرها على الأمن القومي المصري، حيث طالب النواب بحماية الشباب من مؤامرات الموساد الإسرائيلي، كما طالبوا باتخاذ الإجراءات الكفيلة بالحد من سفر العمالة المصرية إلى (إسرائيل)، وكشفت مصادر رسمية عن وجود اتجاه لتشكيل جهاز أمني يختص بمتابعة تحركات الإسرائيليين في مصر والعمالة المصرية في (إسرائيل).
وإذا جاز لنا أن نتساءل في نهاية هذا التقرير: لماذا تصر الحكومات الإسرائيلية على استخدام أسلوب التجسس وتنفيذ العمليات المشبوهة ضد مصر، بالرغم من إقامة علاقات وتبادل سفراء وزيارات ومؤتمرات مشتركة؟ ولماذا فشلت في إقناع الشعوب العربية والإسلامية بإمكانية التعاون معها في إطار الاتفاقيات والمعاهدات.. لكن الإجابة ليست غائبة عن الأذهان والأفهام، فاليهود هم اليهود، منذ عهد موسى- عليه السلام- وحتى قيام الساعة.. لا عهد لهم ولا ذمة ولا أمانة ولا وفاء!
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل