العنوان خواطر مهاجر في فرنسا
الكاتب د. محمد الغمقي
تاريخ النشر الثلاثاء 05-أكتوبر-1993
مشاهدات 60
نشر في العدد 1069
نشر في الصفحة 52
الثلاثاء 05-أكتوبر-1993
أحمد هو أحد المثقفين المسلمين الذين اضطرتهم
الظروف إلى الهجرة إلى الخارج، وبالتحديد إلى باريس، حيث عاش تجربة قاسية اتسمت
بالتمزق بين دواعي السقوط في مستنقع الحياة المادية والحرص والحفاظ على هويته
الإسلامية.
ويروي هنا قصته بالتوقف عند أهم محطات هجرته؛
هذه القصة التي تعكس إحدى المعضلات الكبرى التي تعاني منها البلدان الإسلامية-
والفقيرة عمومًا، والمتمثلة في ظاهرة هجرة الأدمغة إلى البلدان الغربية لأسباب
وعوامل شتى سياسية بالدرجة الأولى "انعدام الحريات وعدم احترام العلم وتقدير
العلماء وكبت طموحات الأجيال الصاعدة...".
وصلت إلى مطار أورلي، مساء أحد أيام خريف عام ۱۹۸۲م، تركت ورائي الشمس والطقس الحار
والأهل ووجدت غيومًا وخليطًا من الأجناس والألوان واللغات في حركية دؤوبة، ووجوهًا
يغلب عليها طابع الوجوم والقلق. سألت صديقي الذي استقبلني عن ظروف الحياة في
باريس، فأجابني بأن الفرنسيين يلخصون حياتهم في العبارة التالية: Dodo
Metro, boulot أي نوم ومترو- إشارة إلى كثرة التنقل- وعمل.
وأدركت منذ تلك اللحظة أني دخلت عالمًا جديدًا يعطي للوقت قيمة أكبر مما نعطيه
نحن، ومرت بخاطري مشاهد التخلف في بلادي "الانتظار الطويل للركوب في وسائل
النقل العام أو لقضاء مصالح إدارية أو في المواعيد الخاصة...". لكني في
المقابل أحسست بأن الحياة التي اقتحمتها في بلاد الغربة حولت الإنسان إلى آلة.
علاقات فاترة
وبمرور الزمن تأكدت أن العيش مدة طويلة في
الغرب وفى العواصم الكبرى بالخصوص يضعف العلاقات البشرية ويفقدها تلك الحرارة التي
مازالت بلداننا تتمتع بها رغم الكثير من الشوائب والنواقص في معاملاتنا
الاجتماعية.
لقد قرأت وسمعت وشاهدت العديد من حالات الفتور
في العلاقات البشرية في بلاد الغرب، فالجار لا يعرف جاره في حين أنهما يسكنان في
نفس المبنى وفي نفس الطابق؛ روى لي صديق أنه عند عودته إلى بيته بعد غياب غير طويل
اشتم رائحة كريهة منبعثة من بيت جارته المريضة بأعصابها والتي تسكن وحدها، فأخبر
الشرطة بالأمر، وعندما كسر أعوان الشرطة باب بيتها وجدوها ميتة! هذه حادثة من بين
آلاف الحوادث.
وتجسد هذا الفتور بالخصوص في التفكك الأسري
الذي تعاني منه هذه المجتمعات.. فمنذ سن الثامنة عشرة يصبح الشاب أو الفتاة حرًا
في تصرفاته ومسؤولاً عن نفسه. فإذا كان الوجه الإيجابي لهذه المسألة يتمثل في
الاعتماد على النفس وعدم التواكل على الوالدين أو البقاء تحت إشرافهما المباشر حتى
بعد الزواج كما هو رائج في مجتمعاتنا، فإن الجانب السلبي والخطير هو تفكك العائلة
وأواصر التراحم بين أفرادها والإحسان إلى الوالدين كما يوصي بذلك ديننا الحنيف.
لذلك لم أستغرب من التزايد المطرد لظاهرة المتسكعين الذين ينامون في محطات المترو
وفي الأماكن العامة ويقضون يومهم في شرب الخمر والثرثرة أو النوم، والأوساخ تغطي
أجسامهم وثيابهم.
والدولة احتارت في وجود حلول دائمة وناجعة
لهذه الظاهرة التي تسيء إلى صورة فرنسا في الداخل والخارج، علمًا بأن عددًا من
هؤلاء العاطلين عن العمل ومن العجائز الذين لم يجدوا عائلاً، ولم يفلح "مطعم
القلب" الذي أقامه الفنان الفكاهي "كوليش" في حل المشكل بقدر ما
أظهر هشاشة العلاقات الاجتماعية وكشف مدى التناقض والتفاوت بين فئات المجتمع
الواحد.
كما لم أستغرب استغلال الكنيسة لهذا الاختلال
للدعوة إلى المسيحية، ووجدت يومًا مجموعة بجانب محطة مترو ينشدون في شكل حلقة
أناشيد عن الأخوة الإنسانية. فهمت أنهم مسيحيون يدعون لدينهم بطريقتهم الخاصة.
دفعني حب الاطلاع على أسلوب تحركهم إلى الاقتراب منهم والتظاهر بالجهل التام،
سألني أحدهم:
- ما
رأيك في هذه الأناشيد؟
- إنها
رائعة.
- العالم
مليء بالحروب والدمار والإله الرب هو المنقذ الوحيد.. هل تريد حضور شهادات
حية لشباب مثلك أحبوا السلام واختاروا منهج الرب؟
وافقت عن وعي وسار الجميع في اتجاه واحد،
وصلنا إلى كنيسة وفي قاعة صغيرة مكتظة تناوب على المنصة المبشرون ليقدموا الداخلين
الجدد في الديانة المسيحية وسط تصفيق الحاضرين.
في نهاية الحفل، عرفني المسيحي الذي صحبني إلى
هذا اللقاء بشاب عربي من مصر ليعرفني بالمسيحية، لكن سرعان ما خاب ظنه عندما قلت
له: إني مسلم وإني معتز بديني! وعرف أني طالب في الدراسات العليا بإحدى جامعات
باريس.
الكفاح من أجل العلم
وعلى ذكر طلب العلم، فإني كنت أطمح قبل سفري
أو بالأحرى قبل الهجرة المفروضة على أن أواصل مسيرتي العلمية إلى آخر مطاف، لكن
الوضع الجامعي في بلادي كان قاسيًا ماديًا ومعنويًا. وما زلت أتذكر حالة الرعب
التي كانت عزاءنا اليومي في الجامعة وفي الحي الطلابي.. رعب مضاعف من طرف قوى
القمع النظامية التي كانت ترابط بشكل شبه مستمر أمام المركب الجامعي، بل تقتحمه
بوحشية لقمع كل تحرك طلابي، ومن طرف القوى العلمانية اليسارية بوجه الخصوص التي
كانت ترفع شعار «استعمال العنف الثوري ضد الرجعية»، والمقصود بذلك «الإسلاميون»،
ولا تتورع عن انتهاك حرمات أماكن العبادة النادرة في الأحياء الطلابية إلى حد
التبول فيها والعبث بالمصاحف وما ينتج عنه من صدامات عنيفة.
في هذا الجو المتوتر لم أجد حلاوة العلم
والمعرفة، أضف إلى ذلك المنحة المتواضعة التي يذهب جزء منها إلى مساعدة والدي
وأسرتي عمومًا على ظروف المعيشة الصعبة. لكل هذه العوامل، كنت أنظر إلى فرنسا
بمثابة شعاع الأمل للتزود بالمعرفة والعلم. وساعد على تركيز هذه الصورة في أذهان
الجيل المتعلم في بلادنا التغريب الرسمي للعقليات والسلوك وتصوير الغرب وفرنسا
بالخصوص على أساس أنها أم الحضارة.
وبعد إقامتي مدة طويلة في هذا البلد، تبينت أن
آفاق العلوم والمعارف واسعة ومراكز البحوث والدراسات منتشرة والثقافة في متناول
الجميع. على سبيل المثال، فإن مركز جورج بومبيدو يفتح أبوابه لكل الناس كل يوم
-عدا الثلاثاء- حتى الساعة العاشرة مساء، وتتوفر فيه كل وسائل المعرفة من الكتب
والمتاحف مرورًا بمخابر اللغات، وعلى مستوى الأحياء توجد مكتبات تابعة لبلدية
باريس واستعارة الكتب والمجلات فيها مجانية.
في المقابل تصب هذه الثقافة في معظمها في
اتجاه علماني بناء على فلسفة تقوم على أساس أن الإنسان مسؤول أمام القوانين
الوضعية فحسب. فهناك كم هائل من المحاضرات والندوات ولكنها تحوم حول دائرة تفكير
من زاوية غربية. حضرت بعض الدروس في قسم الإسلاميات بجامعة السوربون وجامعات أخرى
لأساتذة متخصصين في الشؤون الإسلامية مثل أركون وأوليفين كاري واستمعت إلى العديد
من الحصص التلفازية التي تناقش قضايا فكرية واجتماعية، فقد كانت وجهات النظر
متعددة والنقاش في بعض الأحيان ساخنًا بما يفيد تبلور ملكة النقد، لكن الضغوط
المادية والمعنوية قائمة من أجل توجيه النخبة المثقفة في اتجاه معين.
على المستوى الجامعي، لاحظت أن الأساتذة
يحاولون احتواء الطلبة الأجانب في الاختصاصات العلمية ومحاصرة من لديهم نفَس وطني
إسلامي عند تقديم أطروحاتهم، خاصة إذا كانت هذه الأخيرة مرتبطة بمجالات حساسة..
صديق لي طلبوا منه إعادة صياغة فصول كبيرة من أطروحته حول التعريب في المغرب
العربي بعد أن تعين يوم تقديمها وقام بدعوة مجموعة من أصدقائه بهذه المناسبة،
وأضاع جهودًا وأموالاً طائلة في إعدادها وطبعها.
بلد الجن والملائكة!
ولا يقتصر هذا الحصار على المستوى التعليمي،
بل أصبح الطالب الأجنبي يشعر بمطاردة دائمة تحت شعار قانوني، فليس له الحق في
بطاقة الإقامة الطويلة المدى حتى بعد عشر سنوات من الإقامة، وليس له الحق أيضًا في
حياة مستقرة وفي الإتيان بزوجته من بلده باسم منع التجمع العائلي بالنسبة للطلبة.
في حين أن كل الأجواء المحيطة بالإنسان في البلاد الغربية تدعو علنًا إلى الفتنة
والسقوط أينما ذهبت تجد الصور العارية والمناظر الخليعة على قارعة الطريق وفي
وسائل النقل معلقات إشهارية من الحجم الكبير وشياطين من الإنس يدعون إلى جهنم. والأدهى
والأمر أنه صراع يومي تعيشه لحظة لحظة حتى في بيتك، عندما تريد الاستراحة وتفتح
التلفزيون فإن الفتنة تتبعك.
والحمد لله أن وجدت في صحبة بعض رفاق الخير
وفي قراءة القرآن ولقاء المصلين في بيوت العبادة خير معين على مصارعة هذه الفتن
وغيرها من المحن، والحمد لله أن بدأ يدب شعاع الأمل في تصالح الجالية الإسلامية في
بلاد الغرب مع هويتها بعد أن كانت تسير على غير هدى، حيث كان العديد من أبناء هذه
الجالية تائهين في الخمارات ودور القمار والفساد. لكن مع الأسف الشديد تزامنت هذه
الصحوة الإسلامية مع موجة من العنصرية ضد كل مظاهر التدين الإسلامي
"الحجاب" في حين أن اللوبي اليهودي يحتكر كل الفضاءات السياسية
والاقتصادية والثقافية متحديًا كل القوانين.
صباح أحد الأيام اعترضتني مجموعة من الشباب
اليهودي في يد أحدهم علم كبير لإسرائيل، وينشدون في الشارع وبصوت مرتفع أناشيد
باللغة العبرية أمام لامبالاة المارة. قلت في نفسي: ماذا كان رد فعل الفرنسيين لو
كانت هذه المجموعة إسلامية؟ إلى جانب ذلك فإن عبارات مثل "أخرجوا أيها
العرب" أو "الإسلام يساوي نازية" أصبحت تكتب في الكثير من المواقع
وتغطي جدران محطات النقل والأماكن العمومية.
وأشعر بالضيم والغبن عندما أتأكد بأن حكومات
البلدان المغاربية لم تضغط بالشكل الكافي من أجل إيقاف موجة العنصرية هذه، لكن
سرعان ما استدركت فالشيء من مأتاه لا يستغرب؛ نعم لا استغراب لهذا الموقف والحال
أن المواطن داخل هذه البلدان كرامته مداسة وحقوقه مهضومة بمجرد كونه يطالب بحقه في
التعبير. فالمفارقة كبيرة بين الواقع والمطلوب، ولكن في النهاية المواطن العادي هو
الضحية داخل بلاده أو في أرض المهجر.
طلبت من بلادي منحة لمواصلة دراستي العليا كان
الرد: الإمكانيات ضعيفة ولا تسمح بتقديم منح لكل الطلبة. وتساءلت: أين الأموال
المبذرة في التسلح ليس بغاية الدفاع عن البلاد وإنما لمواجهة التحركات الشعبية؟
أين المبالغ الطائلة التي تصرف في الحفلات الماجنة والإثراء الفاحش لكبار القوم
على حساب مصالح الشعب؟ وإلا كيف يفسر أن أغلب الطلبة الأجانب من أصل مغاربي يضطرون
إلى العمل في حراسة الشركات وفي الفنادق ليلاً كمورد رزق وحيد في بلاد الغربة حيث
لا يرحم الغنيُّ الفقيرَ ولا القويُّ الضعيفَ..
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل