العنوان أشعَة في ظلمَات الانقلابات
الكاتب محمد المجذوب
تاريخ النشر الثلاثاء 22-ديسمبر-1987
مشاهدات 81
نشر في العدد 848
نشر في الصفحة 28
الثلاثاء 22-ديسمبر-1987
مصائب المسلمين أكثر عددًا من أن تحصى.. وقد بدأت بمصرع الفاروق ثاني الخلفاء
الراشدين فكان ذلك هو القفل الذي كسر من سد الفتن التي تدفقت عبر التاريخ فلم تتوقف
حتى هذه اللحظة، ولعلي لا أعدو الواقع إذا اعتبرت الانقلابات العسكرية في أيامنا من
قمم هذه المصائب، إذ كانت أشبه بعقد انقطع سلكه فتناثرت حباته واحدة تلو الأخرى، وبدلًا
من أن يتعظ المشاهدون أو المشاركون من رهط هؤلاء الانقلابين وهم يرون تساقطهم المتتابع،
فيوطنون العزم على أن يتجنبوا مصائرهم الأليمة، بالوقوف عند حدود المهمة التي انتدبوا
لها من حماية الوطن ضد العدوان والطغيان، بدلًا من ذلك راحوا يلقون بأنفسهم في الهاوية
نفسها التي سبقهم إليها المغامرون منهم كالفراش الذي يجتذبه اللهب فيتدافع إلى النار
ليستحيل رمادًا.
وفي ذاكرتي الآن عدد من حلقات هذه السلسلة يتراءون لمخيلتي في المنحدر، نحو السجن
أو المنفى أو الموت على أعواد المشانق، أو برصاص الجنود الذين كانوا حتى أمس القريب
مدفوعين بأوامرهم لتنفيذ أحكام الموت في زملائهم، الذين استنفذوا أدوارهم المقررة ليفسحوا
لهم الطريق إلى المصير الرهيب.
ويستوقفني من هؤلاء الغافلين منظر واحد من روادهم في ذلك المعبر، إذ كان أول
السالكين في هذه السبيل، فما هي إلا أن أخذت النشوة من رأس ذلك المفتون حتى أهاب بمرؤوسيه
فانطلقوا وراءه لتنفيذ المغامرة:
لا يسألون «الزعيم» وهو يندبهم
للنائبات على ما قال برهانا
ثم جولة قصيرة مع بعض رشات من السلاح الذي اشتري بعرق الكادحين لقتال الغادرين،
وإذا برئيس البلاد ورجال حكومته أسرى مكبلين بالأصفاد. ويطلع الصباح على رئيس جديد
وحكومة من نوعه استهوتهم المغامرة وزينت لهم المطامع.. فانطلقوا يعدون ويوعدون.. وتدافع
العاطلون لتأييد التشكيلة الجديدة والتصفيق لها، والهتاف بحياة المنقذين الذين سيقتلعون
الفساد ويحررون فلسطين!
وتتفاعل النشوة في صدر الرئيس الحديث فيكون من بواكير أعماله ترقية نفسه إلى
رتبة مشير- مارشال- واستحداث عصا المشيرية على الصورة التي لم يحلم بمثلها قط.. وعز
عليه أن يرتفع صوت ينشز عن سبيل المؤيدين والمصفقين، فقذف بالزبانية لاقتلاع صاحبه
من بيته في ليلة لا صباح لها، ثم ما زال به تعذيبًا وإذلالًا حتى وضع توقيعه على بيان
بتمجيد فخامته وتقديس إرادته، ويبلغ السكر ذروته برأسه، فإذا هو يعلن لصحفيين أميركيين
أنه لن يدخر وسعًا في سبيل تغيير بنية مجتمعه بأسرع وقت، ويعدهم ألا تنقضي الأشهر حتى
يروا بأعينهم نساء بلده يرقصن في شوارع العاصمة! ولكن القدر كان على موعد معه، فإذا
ثلة من ضباطه يزحفون إلى مقر المشيرية في مثل الليلة التي زحف هو بها إلى مقر الرئيس
الذي خلعه، وما هي إلا رشات من سلاح الحرس وتهاوى عدد من المدافعين عن القصر، حتى سقط
في أسر أولئك الضباط، وبدلًا من سوقه إلى المعتقل شكلت له محكمة عجلى لم تلبث أن حكمت
عليه بالموت مع بعض أعوانه، وقبل إطلالة النهار كانت أرواحهم قد أخذت سبيلها.. وطلع
الصباح على نهاية حلم لم يستغرق سوى القليل من عمر صاحبه، وإذا بالرئيس المخلوع يعود
إلى مقره المسلوب، ويعود معه وزراؤه لينهضوا من غمرة الكابوس الثقيل إلى تصريف أمور
البلاد تحت رئاسته كشأنهم قبل المحنة.. فما بكت السماء مصرع أولئك المغرورين وما كانوا
منظرين.
وتتوالى الحلقات فإذا أنا تلقاء رؤوس غير قليلة العدد تتداول كراسي الرئاسة البراقة،
وما هي إلا أن يحقق كل منها شهوته في استذلال الأحرار وتكريم الأشرار حتى يغادر الساحة
ناكس الهامة، ليلقى في الهاوية المعدة لأمثاله قصرت مدته أو طالت، ويتعذر على معاصر
لهذه الخطوب أن ينسى إحدى هذه التشكيلات وقد قامت على كاهل إحدى الجماعات النظيفة،
بعد أن بايعتها على الالتزام بالمخطط الرباني الذي يتطلع إليه الأطهار في كل مكان من
أرض الله، ولكنها ما أن أطبقت على أزمة القوة حتى نقضت غزلها أنكاثًا، وانطلقت في طريق
الإرهاب لتجهز على البلاد والعباد، ثم لم تدع رموزها لساحة إلا بعد أن أحالت الرياض
قفارًا والديار الآمنة سجونًا ملئت ظلامًا ودمارًا.. وبذلك شجعت هواة الدم على الضرب
وراءها، فإذا المدن تندك على رؤوس أهليها وتسيل الدماء وتنتهك الحرمات، وتضيق بآلاف
الضحايا المقابر والشوارع والأحياء.. ثم لم تقف الملحمة عند هذا الحد فإذا هنا وهناك
من هذه الرموز من يتجاوز نطاق المجازر في عباد الله إلى إعلان الحرب على شرائعه، ليثبت
ما يوافق هواه ويمحو ما لا يهواه.. ثم تسري العدوى إلى بعض المناطق فإذا الرفيق يغتال
رفيقه، والجمهور يلتهم أخاه، فتتكدس جثث الضحايا فلا تجد من يقمها لولا خشية تحللها
وإفساد الفضاء على قاتليها.
وماذا أعدد بعد من هذه المعاطب تجتاح جماهير المسلمين على أيدي الانقلابين حتى
يعجز عن ملاحقتها القلم، ويشغل الخيال عن إحصائها بأنواع الألم.
على أن من الإنصاف للحقيقة ألا تعرفنا كثافة الظلمات عن الإثارة إلى بعض الأشعة
التي تخترقها بين الحين والآخر على تباعد ما بين الشعاع والشعاع.
ففي غمار هذا الصراع الرهيب على كراسي السلطة، حيث يعم القتل كل شيء، وحتى ليقدم
المتسلط على إزهاق أرواح أشقائه حفاظًا على «مكاسبه» التي يعلم، لو أتيح له التفكير
أن لا بقاء لها، انتصبت في هذه الغمرات بعض القمم المضيئة لتقلب موازين الأهواء، وإذا
هي تنقض على ألاعيب الصبيان الكبار فتحطمها ولو إلى حين، ثم تعمد إلى أصحاب الحق فتسلم
إليهم الزمام لتنسحب إلى زاوية النسيان لا تسأل المسحوقين المظلومين جزاء ولا شكورًا!
وسأقصر الحديث من هؤلاء على اثنين عرفت أحدهما قبل ما يقارب نصف القرن، وعرف
الناس ثانيهما قبل عامين.
كان سامي الحناوي، وهو أقدمهما، ضابطًا حلبيًا في الجيش السوري وكثيرًا ما كنا
نتلاقى في الأمسيات من ليالي الربيع في مقهى «البيادر» من طرطوس.. وعلى الرغم من عبور
العشرات من السنين فوق تلك الهنيهات اللطيفة لا أزال أتصوره بهدوئه الرصين يشاركنا
الحديث في مختلف الشؤون، وغير قليل كان لقاؤنا في مسجد البلدية أيام الجمعات، فيروقني
منه ذلك الخشوع الذي كان يتخلل قيامه وقعوده، إذ يشعرك بأنك منه أمام إنسان يملأ الإيمان
جوارحه، فهو من الضباط القلائل الذين لم يتخصصوا بفن الحرب تطلعًا إلى رتبة أو نجمة،
بل لمجرد أنه الفن الذي يرسخ مقومات الرجولة، ويسمو بالنفس عن الميوعة التي توشك أن
تجتاح سواد الجيل.
ويفارقنا سامي إلى قيادة المجابهة في منطقة الجولان، فتنقطع عنا أخباره حتى اندلعت
شرارة الحرب مع العدو الصهيوني، فإذا أنباء بطولاته تملأ الأسماع.. وقد حدثني ببعضها
فتى من جيراننا أكبر فيه مزية الصدق والإيمان، وركز على ما شاهده من قائده ساعة الزحف
باتجاه جسر بنات يعقوب، إذ كان يتقدم جنوده منتصب القامة يتوكأ على عصاه، وقد أخذ الرصاص
يتطاير من حوله وهو مقدم لا يلوي على شيء، ويهتف بجنوده: إلى الأمام أيها المغاوير،
فلن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا.
وتنطوي الأيام ويقف الزحف باتجاه العدو، لينصرف إلى الجهة الأخرى، حيث فرض على
المقاتل العربي أن يشغل عن مجابهة العدو بالمواجهة مع أبناء وطنه، فكانت لعبة الانقلابات،
وبرز أول حكم عسكري في الشام يحاول تغيير كل شيء بأقصر وقت ممكن كما أسلفت تنفيذًا
للأوامر الصادرة من وراء البحار والتي كشف أسرارها مؤلف كتاب «لعبة الأمم».
هنا ينتفض ضمير الضابط سامي الحناوي، وقد ساوره أشد الخوف على شعبه من تلك الانتفاضة
الشرسة على مقومات بلده الأصيلة، فإذا هو يقلد إخوانه للأطباق على مقر «المشيرية» ثم
لا يطلع صباح ذلك الليل إلا بعد أن أصبحت التشكيلة الطارئة في خبر كان.
ويخلو الجو السامي.. وتأتيه الرئاسة المطلقة منقادة لا ينافسه على زمامها أحد،
ولكن نفسه الأبية سمت به عن ذلك المنحدر الغرور فإذا هو يعيد الحرية للحكومة الأسيرة
ليرد إليها قيادة البلاد، ومن ثم ينسحب من ساحة الضوء إلى المنعطف البعيد، ثم إلى بيروت
حيث اتخذ مقرًا متواضعًا يعتزم أن يقضي فيه بقية حياته في هدوء لا تعكر صفوه المزعجات..
بيد أن الله جلت حكمته لم يقدر له الاستمتاع طويلًا بتلك العزلة، إذ فوجئ ذات صباح
بفتي أخذته عزة العصبية القبلية فأقدم على اغتياله ثأرًا لأحد أقربائه من ضحايا انقلابه
الأبيض.
ذلك أول الاثنين سبقًا إلى مأثرة التصحيح الذي حاول به رد الأمر إلى نصابه دون
أن يعود عليه بأي منفعة شخصية، أما الثاني فهو المشير- بحق- عبدالرحمن سوار الذهب الذي
أدت انتفاضته وإخوانه إلى استنقاذ السودان من براثن الطغيان، فما إن أوصل السفينة إلى
شاطئ الأمان، حتى انسحب إلى زاوية النسيان.. لا بل إلى أعز مكان يتطلع إليه أهل الإيمان، وأي
مكان أشرف وأسمى من أن يتفرغ تقي مثله للدعوة إلى الله، في زمن أصبح أشد الناس بلاء
فيه هم هؤلاء الدعاة إلى الله.