; في ذكرى نكسة ١٩٦٧م سنتان طوارئ للمصريين لتكتمل الثلاثون | مجلة المجتمع

العنوان في ذكرى نكسة ١٩٦٧م سنتان طوارئ للمصريين لتكتمل الثلاثون

الكاتب د. عصام العريان

تاريخ النشر السبت 07-يونيو-2008

مشاهدات 69

نشر في العدد 1805

نشر في الصفحة 29

السبت 07-يونيو-2008

رأي :

توافقت التواريخ هذه المرة ليأتي المد الجديد للطوارئ الخميس الماضي 5 يونيو المستمرة في مصر منذ ٢٧ سنة، مع ذكرى نكسة مصر عام ١٩٦٧م التي حلت يوم الثلاثاء.. لتؤكد أننا مازلنا لم نتعلم دروس الهزيمة، وأننا مازلنا ورغم نصر أكتوبر، رمضان نعيش في ظلال النكسة ولا نعيش أجواء الانتصار، فهذا الوضع الشاذ في مصر لا يعبر بحال من الأحوال عن شعب قاتل وانتصر وحقق آماله، بل هو التعبير الصادق عن أمة مأزومة مهزومة غير قادرة على الخروج من نفق الهزيمة المظلم إلى ساحات الحرية والنصر.

الحجة التي قدمتها الحكومة لتمديد العمل بحالة الطوارئ لسنتين كاملتين حجة تدينها فضلًا عن أنها غير مقنعة أبدًا.

والوعد الانتخابي لبرنامج الرئيس مبارك بإلغاء الطوارئ مضى عليه وقت كاف منذ ٢٠٠٥م لإعداد قانون جديد إذا كانوا جادين في إعداد القانون، وقد تم تسريب بعض مواده التي أثارت الخوف والرعب عند كل المصريين لأنها كانت تعني مصادرة الحريات الأساسية التي تحقق الأمن والأمان الشخصي لكل المواطنين والتي قدموا لها بتقييد المواد ٤١, ٤٤, ٤٥ من الدستور وهو ما عارضه كل شريف ومخلص لهذا الوطن؛ لأنه يعني تطبيع حالة الطوارئ وتحويلها إلى حالة دائمة مستمرة. والحقيقة فإن مصر قامت منذ أكثر من ١٥ عامًا (۱۹۹۲م) بتعديلات جوهرية على قانون العقوبات لمواجهة خطر الإرهاب، وهو ما تم تسميته وقتها بقانون ضد الإرهاب، وبذلك تسقط حجة إعداد قانون جديد للإرهاب فلدينا باعتراف كل القانونيين نصوص كافية المواجهة الإرهاب في قانون العقوبات وقانون الإجراءات الجنائية، وهي مغلظة ومشددة جدا تصل العقوبات فيها إلى الإعدام، وتمنح الإجراءات بها تسهيلات ضخمة جدًا للشرطة وللنيابة، فلماذا نحتاج إلى قانون جديد؟!

الذي لا يريد النظام الاعتراف به أنه لا يقدر على الاستغناء عن حالة الطوارئ أبدًا وأنه لا يستطيع الحكم بدون استمرار العمل بقانون الطوارئ: لماذا؟ الجواب جاء على فلتة لسان د. مفيد شهاب وإليك الحيثيات:

أولًا: لأن حالة الطوارئ تخلق حالة نفسية شاملة في كل الوطن وتخيم على كل الأنشطة ومجالات العمل، ويكفي لأي مخبر أو أمين شرطة أن يقول لأي مواطن: نحن في حالة طوارئ لكي يسكته ويمنعه عن المطالبة بتطبيق القانون الاعتيادي، ومهما قيل إنها ضد الإرهاب أو المخدرات أو الجريمة المنظمة، فكل مواطن يعرف أن ذلك كذب صريح.

ثانيًا: إن جهاز الأمن اعتاد لسنوات طوال أن يعمل دون ضابط أو قيد، وبيد مطلقة في كل المجالات، ودون رقابة قانونية حقيقية في ظل حالة الطوارئ ولا يوجد تطبيق حقيقي لقانون الطوارئ، لأنه في ظل المناخ النفسي والتطبيق الواقعي اختفت كل الضمانات التي أوجدتها تعديلات قانون الطوارئ، وإليك مثالين فقط:

- القانون يعطي المواطن الحق في التظلم أمام القضاء من قرار الاعتقال الإداري وعندما يحصل على إفراجين متتاليين يجب الإفراج عنه فورا ولكن الذي يحدث أن هناك من حصل على أكثر من ٤٠ إفراجًا ومازال رهن الاعتقال منذ أكثر من ١٥ سنة، لماذا؟

لأن وزير الداخلية يصدر قرارات اعتقال جديدة وهو ما زال في المعتقل، فلا يرى النور أبداً بل يخرج إلى قسم الشرطة ليعود بعد أيام إلى المعتقل من جديد، وقوائم المعتقلين بالآلاف حتى الآن!

- الطوارئ تعطي للداخلية الحق في تقييد حرية السفر، وفي المقابل من حق المواطن أن يتظلم أمام القضاء، ولكن الداخلية لا تنفذ أحكام القضاء أبدًا، بل تصدر قرارات منع من السفر جديدة في نفس يوم صدور كلمة القضاء، فيظل المواطن ممنوعا من ممارسة إحدى الحريات الأساسية وهي الانتقال والسفر وكثير حرموا من السفر لكسب الرزق أو أداء الحج والعمرة، أو المشاركة في مؤتمرات علمية، أو ندوات ثقافية بموجب قانون الطوارئ والقوائم بالآلاف في المطارات والموانئ والمنافذ البرية!

لقد توسعت وزارة الداخلية في خلق حالة نفسية عامة أتاحت لها التدخل في كل مجالات الحياة، حتى في التعيين بالوظائف الاعتيادية وقد زارني بالنقابة طبيب حديث التخرج من دمياط يشكو أن مديرية الصحة رفضت إعطاءه شهادة ليتقدم بها للتسجيل لدرجة الماجستير والسبب أن هناك اعتراضًا أمنيًا على تعيينه في وظيفة طبيب مقيم بالمستشفى العام، وهو ما أسمع به للمرة الأولى طوال هذه السنوات، وقد تكرر مرارا المنع من التعيين في وظيفة الإمامة بوزارة الأوقاف أو النقل من وظيفة التدريس إلى الجهاز الإداري بوزارة التعليم.

أما وزارة الصحة، فهذه هي المرة الأولى ناهيك عن المعوقات الرهيبة للتعيين في هيئات التدريس بالجامعات.

وأصبحت موافقة الأمن شرطًا ضروريًا لأي عمل دون اعتبار الحاجات البشر الأساسية، أو كفاءتهم أو حاجة العمل إليهم.

حالة الطوارئ التي أطلقت يد النظام بواسطة الأمن في كل شيء هي الحالة المثلى للتحكم في كل الأمور، وما تقييد حركة الأحزاب وتفجيرها من الداخل ومنعها من النشاط عنا ببعيد، وما خنق حرية الشعب في الاحتجاج والتظاهر بواسطة القمع المتواصل بغائب عن أنظارنا.

إذن التحكم وضبط حركة الحياة العامة بالقمع المستمر والتنفيس أحياناً حسب الضغوط والحاجة هو السبب الرئيس لحماية النظام بواسطة فرض حالة الطوارئ. وكذلك فرض سطوة الأمن في مواجهة بقية مؤسسات الدولة والادعاء بعدم القدرة على حماية النظام إذا تم رفع حالة الطوارئ ولو كان البديل هو العمل بقانون جديد للإرهاب، سبب آخر، إنه الإدمان للقمع والبطش!

ويتساءل البعض: لماذا سنتان إذا كانت الحجة هي إعداد قانون جديد للإرهاب؟

والجواب لا يخفى على أحد.

لأن البلاد تستعد لانتخابات برلمانية ورئاسية وهذا يقتضي ضبط الأمور حتى لا تخرج عن السيطرة، أو تحدث مفاجآت.

الأهم: أننا لم نتعلم من دروس النكسة والهزيمة، ولذلك نعيش أجواء الهزائم المتتالية ونحقق الأصفار تلو الأصفار في كل معاركنا، وربنا يستر.

الرابط المختصر :