; في الساحة العربية.. الحركة السياسية والحزبية في مصر.. إلى أين؟ | مجلة المجتمع

العنوان في الساحة العربية.. الحركة السياسية والحزبية في مصر.. إلى أين؟

الكاتب جمال الراشد

تاريخ النشر الثلاثاء 21-فبراير-1984

مشاهدات 91

نشر في العدد 659

نشر في الصفحة 26

الثلاثاء 21-فبراير-1984

  • ماذا لو حصل الشعب المصري على حريته؟
  • الصراع بين حزب الحكومة وأحزاب المعارضة يشتد في مصر.
  • هل يتحالف الإسلاميون مع الأحزاب غير الإسلامية في مصر؟
  • هل من حق رئيس الجمهورية أن ينزل إلى الشارع لدعم حزبه؟
  • كيف فاز «الحريري» على مرشح الحكومة في الإسكندرية؟!

تشهد مصر في آخر أسبوع من شهر مايو المقبل أول انتخابات برلمانية من نوعها في مصر منذ الإطاحة بحكم الملك فاروق في يوليو عام ١٩٥٢م.

ديمقراطية عبد الناصر

ومن المعروف أن عبد الناصر قد ألغي الأحزاب التي كانت قائمة في مصر أيام الملك مثل حزب الوفد والحزب السعدي والحزب الوطني وحزب مصر الفتاة باعتبار أن هذه الأحزاب أفسدت الحياة السياسية والاجتماعية في «العهد البائد». 

ثم لم يلبث عبد الناصر أن حل جماعة الإخوان المسلمين على إثر الإعلان عن مؤامرة مزعومة لاغتياله وزج بآلاف الإخوان في السجون وأعدم خمسة من قادتهم ثم أنشأ حزبًا وحيدًا أسماء «هيئة التحرير» ولما فشل هذا الحزب أنشأ بدلًا منه «الاتحاد القومي» الذي استبدله فيما بعد باسم «الاتحاد الاشتراكي العربي».

ومن المعروف أن هذه التنظيمات السياسية المفتعلة بأسمائها المذكورة كانت تتمشى مع متطلبات المرحلة السياسية التي كانت تعيشها مصر.

  • فهيئة التحرير: نشأت مع بداية الانقلاب العسكري الذي أطلق عليه فيما بعد اسم ثورة وكانت أهدافها مصرية محلية وقد رفعت شعار «الاتحاد والنظام والعمل».
  • والاتحاد القومي: نشأ بعدما لبس عبد الناصر ثوب القومية العربية، فكان لابد أن يتغير الاسم تبعًا للظروف ومقتضيات الحال.
  • والاتحاد الاشتراكي العربي: نشأ بعد أن قرر عبد الناصر التزام الاشتراكية العربية التي لخصها في كلمتين هما: الكفاية والعدل، والشعب المصري- المغلوب على أمره- كان ينظر إلى ما يجري في بلده نظرة اللامبالاة ويعبر عن استهزائه بواسطة «النكت السياسية» فحين سئل «المصري أفندي» ذات يوم عن تفسيره للكفاية والعدل قال: «يعني يكفونا نتكفي.. يعدلونا نتعدل..!!». 

ولقد كانت وسائل الإعلام المصرية تردد عبارة عبد الناصر المشهورة وبصوته: «إن حرية الكلمة هي المقدمة الأولى للديمقراطية» وحقيقة الأمر أن حرية الكلمة كانت معدومة، وأن ما يسمى بالديمقراطية لم يكن إلا شكلًا بلا مضمون وزيفًا مكشوفًا. وكمْ من إنسان لاحقته المخابرات لكلمة قالها، وكمْ من استفتاءات ذات تسعات خمس «۹۹۹,۹۹» زيفت إرادة الشعب المصري ولم تقم لمشاعره وزنا.

وجاء السادات

ولما جاء السادات خرج بأسلوب جديد، فأوحى بأن عهد الاستبداد قد انتهى وأن عهد الحرية قد بدأ فأعلن عن إنشاء منابر ثلاثة: أحدها لليمين عين عليه مصطفى كامل مراد مقررًا والآخر لليسار عين عليه خالد محيي الدين مقررًا والثالث للوسط عين عليه رئيس وزرائه ممدوح سالم مقررًا.

واندفعت المنابر الثلاثة لخوض انتخابات مجلس الأمة الذي غير السادات اسمه إلى مجلس الشعب وبمقارنة عدد الناخبين بعدد الأشخاص المسجلة أسماؤهم في جداول الانتخابات تبين أن عدد الناخبين كان «۳» ملايين من «۹» ملايين مسجلة أسماؤهم. 

وقد فهم السادات مغزى انصراف الجماهير التي فهمت اللعبة وبالرغم من أن هذه المنابر واجهات زائفة مصطنعة إلا أن التزييف وقع أيضًا على نتائج الانتخابات بحيث تكون هذه النتائج مطابقة لما أراده السادات بالضبط، فكان للوسط «۳۱۲» مقعدًا ولليمين «۱۳» مقعدًا ولليسار «۳» مقاعد وهكذا تكون هناك معارضة شكلية لا قيمة لها ولا وزن. 

وهنا اندفع السادات في اللعبة «الديمقراطية» خطوة إلى الأمام فحول المنابر إلى أحزاب، فقال في الجلسة الافتتاحية لمجلس الشعب في «۱۱» نوفمبر «1976»: «اتخذت قرارًا سيظل تاريخيًّا ليرتبط بكم وبيوم افتتاح مجلسكم الموقر، هو أن تتحول التنظيمات الثلاثة ابتداء من اليوم إلى أحزاب» فسمي منبر اليمين باسم حزب الأحرار الاشتراكيين. وسمي منبر اليسار باسم حزب التجمع الوطني التقدمي الوحدوي. وسمي منبر الوسط باسم حزب مصر العربي الاشتراكي. ثم صدر قانون الأحزاب الذي يحظر قيام أحزاب قومية أو دينية أو شيوعية وبناء عليه استطاع حزب الوفد أن يعود إلى الظهور باسم حزب الوفد الجديد فكان الحزب الرابع الذي لم ينشأ بقرار من السادات ولم يعين رئيسه فؤاد سراج الدين. وأصبح من حق كل حزب من الأحزاب الأربعة أن يصدر صحيفة تعبر عن رأيه. 

ويبدو أن السادات كان «يعيد ترتيب البيت المصري» تمهيدًا للصلح مع إسرائيل وإضفاء الشرعية على هذا الصلح بإقرار من ممثلي الشعب حتى وإن كان فيهم من يعارض هذا الصلح.

إلا أن السادات لم يطمئن إلى هذه المعارضة ولم يطبقها على ضآلتها فأوعز إلى مجلس الشعب بفصل عدد من أعضائه المعارضين كثيري النقد مثل كمال الدين حسين وأبو العز الحريري والشيخ عاشور وكمال أحمد ثم تبع ذلك إجراء استفتاء بحظر العمل السياسي على جميع الذين تولوا منصب الوزراء قبل انقلاب يوليو «١٩٥٢» وبتجميد نشاط فؤاد سراج الدين الذي شغل منصب وزير الداخلية في عهد فاروق وهكذا تجمد نشاط حزب الوفد الجديد. 

وهنا طور السادات من هجومه فأعلن عن إنشاء «الحزب الوطني الديمقراطي» برئاسته هو، فهرولت الغالبية العظمى من أعضاء «حزب مصر العربي الاشتراكي» للانضمام إلى حزب السادات الجديد، فكانوا بذلك مثلًا أعلى للانتهازية بأجلى معانيها.

ولكن السادات يريد أن تكون هناك معارضة لا تعارضه في الصلح مع إسرائيل، وحتى يشجع عددًا من النواب للانضمام إلى حزب العمل الاشتراكي المعارض برئاسة إبراهيم شكري قال السادات إنه سيوقع أول استمارة انضمام لحزب العمل، وهنا انضم إلى هذا الحزب عدد من النواب الذين سبق أن خرجوا من حزب مصر العربي الاشتراكي إلى الحزب الوطني الديمقراطي حسب رغبة السادات وكان هتافهم مات حزب مصر العربي الاشتراكي. عاش الحزب الوطني الديمقراطي.

ومن الجدير بالذكر أن إبراهيم شكري حضر حفل توقيع معاهدة الصلح مع إسرائيل وأن عددًا من النواب هتف لا فلسطين بعد اليوم.. بيغن، بيغن لا عرفات!!؟

وبالرغم من أن «١٦» عضوًا فقط من أعضاء مجلس الشعب من أصل «٤٥٨» عضوًا لم يوافقوا على اتفاقية الصلح مع إسرائيل، إلا أن السادات حل هذا المجلس ودعا إلى انتخابات لمجلس جديد سقط من عضويته جميع الذين عارضوا الاتفاقية باستثناء عضو واحد هو ممتاز نصار، واختفى من هذه الانتخابات حزب الوفد الجديد ورئيس حزب الأحرار الاشتراكيين إبراهيم شكري ورئيس حزب التجمع الوطني التقدمي الاشتراكي خالد محيي الدين.

وهنا غير إبراهيم شكري وحزب العمل الاشتراكي موقفه من اتفاقية الصلح مع إسرائيل فأصبح معارضًا لها بعد أن خرج من الحزب محمود أبووافية عديل السادات وبذلك نجا الحزب من القرار الذي صدر فيما بعد (أبريل ۱۹۷۹) بحظر قيام أحزاب لا توافق على الاتفاقية.

ولن نستطرد في سرد تفاصيل ما جرى بعد ذلك من زج كافة القوى السياسية المصرية في السجون وإغلاق كافة صحفهم التي اعتبرها السادات معارضة وطرح مقولته المشهورة لا دين في السياسة ولا سياسة في الدين هذه المقولة التي كانت من أسباب مقتله على أيدي الجماعات الإسلامية، ومن ثم خلو جنازته إلا من رئيس وزراء اليهود وبعض رؤساء أمريكا السابقين وبعض«!!!!!!».

وجاء حسني مبارك

وجاء حسني مبارك الذي ورث رئاسة الحزب الوطني الديمقراطي حزب الحكومة فحاول أن يغير بعض السمات ولكن بشيء من الهدوء فكف لسانه عن الشتائم في الخارج والداخل، وأفرج عن الكثير من المعتقلين السياسيين، وسمح لحزب الوفد بالعودة إلى ممارسة نشاطه السياسي وكذلك بعض أحزاب المعارضة وهي:

  • حزب التجمع الوطني التقدمي الوحدوي الذي يرأسه خالد محيي الدين. وهذا الحزب يساري تصدر عنه صحيفة الأهالي.
  • حزب الأحرار الاشتراكيين: ويرأسه مصطفى كامل مراد.
  • حزب العمل الاشتراكي: ويرأسه إبراهيم شكري وأمينه العام د. محمد حلمي مراد.
  • حزب الأمة: وهو حزب جديد.

ولكن ماذا عن الإسلاميين في مصر؟

الواقع أن الشارع المصري شارع إسلامي، بل إن الإسلاميين في مصر متغلغلون في كافة الهيئات والمؤسسات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية رغم كل محاولات القهر والاضطهاد والتشويه التي مارسها السادات ضدهم، فهم وجه مصر الحقيقي وضميرها النابض من وراء هذا الزيف الذي تمارسه أجهزة الإعلام الرسمية والمشبوهة، وإذا كانت صحف الإسلاميين في مصر «الدعوة، الاعتصام، المختار الإسلامي» قد أغلقت وما زالت مغلقة، وإذا كانت تنظيماتهم ممنوعة على المستوى الرسمي العلني، إلا أنهم يمارسون نشاطهم بين الجماهير ويحاولون الحصول على اعتراف رسمي بهم.

وكافة الأحزاب غير الإسلامية تحاول أن تعقد حلفًا مع الجماعات الإسلامية استعدادًا للانتخابات القادمة في شهر مايو المقبل وذلك بعد أن وضعت الحكومة قرارًا بضرورة الحصول على ٨ % من أصوات الناخبين على مستوى الجمهورية كشرط للحصول على مقاعد في البرلمان، وهنا وجد المستقلون والأحزاب الصغيرة أنه ليس في مقدورهم مواجهة حزب الحكومة إلا مجتمعين، فبدأت المشاورات بينهم لتدارك الأمر، ولكن المشاورات حتى الآن لم تصل إلى نتيجة حاسمة.

ولقد كانت التجربة الأولى هي ما جرى يوم ٤/١/٨٤م في انتخابات محرم بك التكميلية بالإسكندرية، حيث نجح مرشح المعارضة أبو العز الحريري ضد مرشح الحكومة، ومن المعروف أن الحريري من حزب التجمع وأن الوفد لم يصوت لصالحه وأن الناصريين انقسموا تجاهه وأن الأحرار صوتوا لصالح مرشحهم. وقيل في تفسير نجاح الحريري إن الإسلاميين وقفوا إلى جانبه. وقيل إن هذه الانتخابات جرت بنزاهة لأول مرة في مصر بعد انقلاب يوليو، فأصبحت هزيمة حزب الحكومة أمرًا واردًا. 

ولذلك فإن رئيس الوزراء المصري فؤاد محيي الدين الأمين العام للحزب الوطني الديمقراطي يحاول أن يقنع الرئيس مبارك بأن نجاح المعارضة في الوصول إلى مجلس الشعب يعني أن يفقد مبارك ثلثي الأصوات التي يحتاج إليها لإعادة انتخابه رئيسًا للجمهورية. 

ولذلك فقد حظر على المعارضة عقد مؤتمرها الجماهيري الذي كان من المقرر إقامته في ميدان الجمهورية «عابدين» في 9/2/84م باسم الدفاع عن حقوق الإنسان.

وقبل ذلك اجتمع مبارك مع قيادات الحزب الوطني وقال: «إن الحزب الوطني لا يميل إلى اليمين أو اليسار، بل هو حزب الوطنية المصرية». 

ثم قال: «سأنزل بنفسي معكم أيضًا لزيارة المحافظات. ثم قال: إننا نرحب بالرأي والرأي الآخر على أن يكون الرأي مصريًّا صميمًا ولا نقبل الرأي الآخر مستوردًا لصالح دولة أجنبية». 

وهذا الكلام أثار حفيظة المعارضة. فقال مصطفى كامل مراد رئيس حزب الأحرار إن نزول السيد الرئيس بشخصه إلى المحافظات للدعوة للحزب الوطني قد يخل بالتوازن الذي نصر عليه جميعًا بين صفته كرئيس للدولة وبين صفته كرئيس للحزب خاصة وأن سلطات رئيس الجمهورية في الدستور المصري هي سلطات واسعة، فهو يتولى السلطات التنفيذية أي يرأسها ويشارك في وضع سياستها ويشرف عليها ويعين رئيس الوزراء ويعفيهم من مناصبهم. كما أن من سلطاته أن يعين كبار العاملين في الحكومة والقطاع العام وهو في نفس الوقت رئيس المجلس الأعلى للهيئات القضائية والقائد الأعلى للقوات المسلحة والرئيس الأعلى لمجلس الشرطة والدستور يخوله الحق في إصدار القوانين في غيبة مجلس الشعب وفي وجوده؛ ولذا فإننا نرى أن نزول السيد الرئيس إلى المحافظات أي إلى الشارع السياسي المصري بكل ثقله سيضفي على الحزب الوطني كل سلطات الرئيس وإمكاناته مما قد يحدث أثرًا كبيرًا في نفوس المحافظين ورؤساء المدن والقرى أي الإدارة المحلية وهو أمر نخشى أن يؤثر تأثيرًا معنويًّا على نفوس واتجاهات المواطنين في الانتخابات القادمة.

هذا نموذج مما قالته المعارضة بهذا الصدد. وبناء عليه نتساءل:

  • هل تكون الانتخابات القادمة والحالة هذه انتخابات نزيهة؟
  • وإذا افترضنا فيها شيئًا من النزاهة فهل تتمكن المعارضة من الانتصار على الحكومة؟
  • وإذا انتصرت المعارضة فهل يكون للاتجاه الإسلامي وجوده الفاعل داخل مجلس الشعب المصري مثلما هو موجود بالفعل في الشارع السياسي؟
  • وإذا تحقق كل ذلك أو بعضه فهل ينعكس أثره على بقية الأمة العربية والإسلامية؟
  • هذا ما يمكن أن يتكشف خلال الأشهر الثلاثة القادمة.
الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل