العنوان المجتمع التربوي (1552)
الكاتب د.عبدالحميد البلالي
تاريخ النشر السبت 24-مايو-2003
مشاهدات 60
نشر في العدد 1552
نشر في الصفحة 52
السبت 24-مايو-2003
وقفة تربوية
مصنع الطابوق!
أثناء دراستي في المملكة المتحدة عام ١٩٧٥م حضر الأستاذ مصطفى مشهور - يرحمه الله - أحد المؤتمرات الإسلامية التي نظمها بعض الجمعيات الطلابية والتقيته بعد إحدى المحاضرات، وكان قد خرج حديثًا من غياهب السجون.. وسألته عن بعض أمور الدعوة فأجابني بما لم أسمع به من قبل، خاصة في وصفه لقضية الثبات والسقوط في حياة الدعوة والدعاة وأذكر أن مما قاله لي في وصفه للدعاة وأحوالهم أثناء المحن: الدعوة كأنها مصنع طابوق، حيث يمر الدعاة في مراحل عدة، يثبت بعدها من يثبت ويسقط من يسقط، ففي البداية يجمع الطين، وهي مرحلة التجميع الأولى في الدعوة، ثم يوضع في قوالب، وهي مرحلة أخص في الدعوة، ومن ثم لا يثبت في هذه القوالب الجميع، بل يتفتت البعض منها ولا يتحمل تلك القوالب وهذا نوع من السقوط المبكر، ثم تحمل القوالب إلى الحزام الذي يسير ببطء نحو النار لتجفيف الماء الذي فيه، ولتجعله أصلب، وكذلك أمر الدعوة والدعاة أثناء المحن، ولكن بعض هذا الطابوق يتصدع - بسبب عدم تحمله لحرارة النار - ويثبت البعض، ويذهب بدوره لدرجة حرارة أعلى فيتصدع البعض ويثبت البعض الآخر، ثم يخرج من النار ويترك ليبرد، ثم تأتي مرحلة التحميل والتي يتكسر أثناءها البعض أيضًا، وهذا مثال لمن يتساقطون وقت الرخاء بعد الشدة، ثم إذا نقل هذا الطابوق إلى حي البناء، يتكسر البعض أثناء التركيب ويثبت البعض في الجدار لا تضيره العواصف ولا التغيرات الجوية.
هكذا استرسل، أبوهاني وهو يصف لي بما أسعفتني الذاكرة مراحل الدعوة والدعاة في أثناء المحن، مما جعل هذا اللقاء عالقًا في ذهني حتى هذه اللحظة.
رحم الله أبا هاني فقد أعطى وأجزل العطاء.. وكان من الطابوق الذي ثبت في جدار الدعوة، ولم تضره الرياح العاتية حتى توفاه الله، وهو ثابت نسأل الله له الجنة، والثبات لمن بقي بعده من الدعاة إلى الله في جدار الدعوة.
أبو خلاد
النبي.. القيادة والقدوة
السيد الشامي
﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا ﴾ (الأحزاب: 21). ماذا يريد المسلمون اليوم من محمد ﷺ؟ أشياء كثيرة نريد أن يستلهموها من صاحب الذكرى، لكن البشرية اليوم على وجه العموم والمسلمين على وجه الخصوص تحتاج أن تتامل وتستلهم من نبيها أمرين أساسين؟
النبي القيادة بكل ما حملتها قيادة النبي من خير للبشرية والمسلمين، فقد كان في قيادته الرائد الذي لا يكذب أهله، والرائد هو ما يرتاد لقومه ويتحسس لهم مواقع الخير والماء ومواقع الخطر كذلك وما أحوج أمتنا إلى قائد كمحمد ﷺ يقف منذرًا قومه - وكل البشرية قومه - قائلًا لهم: أرايتم لو أخبرتكم أن خيلًا بالوادي تريد أن تغير عليكم أكنتم مصدقي؟ قالوا: ما جربنا عليك كذبًا قط فقال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد .. كم من الخيول بأودية كثيرة تريد أن تغير على أمة الإسلام، وخيول الأمس في اليوم قاذفات وطائرات وقنابل وأفكار وإلحاد وكفر، قيادة تجمع الناس عندما تشعر أن خطرًا يتهددهم، ولهذا قالوا له: ألهذا جمعتنا؟، فالقائد هو الذي يجمع الناس منذرًا ومحذرًا ومبينًا أماكن الخطر حتى يستعدوا لمواجهتها.
القيادة التي تتقدم الناس في مواقف الخطر كنا إذا حمي الوطيس اتقينا برسول الله، وكان إذا غار على المدينة مغير فزع الناس فوجدوا رسول الله ﷺ في الطليعة مطمئنًا لهم قائلًا لن تراعوا يربط على قلوبهم ويشد من عزيمتهم ويقوي من شوكتهم.
قيادة لا تتأخر ولا يكون نصيبها من القيادة أوامر وتعليمات وبيانات وتصريحات، إنما تكون بين الناس تتقدمهم تقاتل وتقتل وتقدم بدمائها قبل كلماتها المعنى الحقيقي للقيادة، قيادة لا تختفي في مواقف الخطر، ولا تستسلم ولا تترك قومها في الميدان وحدهم، فالقيادة شجاعة وتقدم وإقدام وجسارة وتضحية، والقائد لا يكون أبدًا في المؤخرة إنما في المقدمة والطليعة.
القائد الذي يثبت وإن كان وحده ونفر قليل معه في الميدان، كما حدث يوم أحد ويوم حنين مع النبي ﷺ القائد الذي لا يتخلى عن مبادئه في أوقات الشدة: «والله يا عم لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهره الله أو أهلك دونه» أين هذا من تلك القيادات التي تتخلى عن أوطانها ومبادئها بحجة الواقعية وبحجة الانحناء للعاصفة؟
إن قيادة محمد لم تعرف هذه المساومات ولا تلك التنازلات لسبب بسيط وهو أنها قيادة لديها عقيدة راسخة بما تؤمن وبما تقول ولأنها فقهت معنى القيادة، كما أنها لم تكن تدافع عن شخصها إنما كانت تدافع عن مبدأ وعقيدة ودين وفكرة وهي كذلك قيادة التفت حولها القلوب والأرواح.
قيادة تؤمن للجنود مواقعهم وتطمئن عليهم وتتحمل المسؤوليات الجسام، وتترك للجنود المهمات الأقل خطورة.
والقيادة كانت قدوة بهذا المعنى، فإذا دعاهم إلى الصلاة كان أولهم وإمامهم ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (الزمر:12). وإذا دعاهم إلى الجهاد كان طليعتهم، وإذا دعاهم إلى التضحية
سالت دماؤه قبل دمائهم، فالقيادة والقدوة صنوان القيادة قدوة والقدوة قيادة والقدوة هو من يقتدي به ويقلد، والتقليد يعني أنك تقلد وتحاكي شخصًا سبقك إلى فعل معين، ولهذا المعنى جسد الرسول ﷺ معنى القدوة والقيادة وهو الفارق بين قيادته وغيره من القيادات التي نراها، فنحن نرى قادة - مجازًا - غير قدوة لأن القائد إذا فقد القدوة، فقد معنى القيادة، فلم يكن يدعوهم إلى الزهد والتقشف وبطنه متخمة، بل كان ﷺ يمر عليه الهلال ثم الهلال ولا يوقد
في بيته نار، إنما هو التمر والماء.
ولذلك لم يكن النبي قائدًا في الميدان العسكري فحسب، فكل من يريد أن يرى صورة القدوة القائد سيجدها في محمد في حياته الخاصة والعامة في بيته ومسجده بين أصحابه ومع مخالفيه الطفل والصبي سيجد في طفولته وصباه معنى الطفولة الحقة والشباب سيجد فيه معنى الشباب والرجال والآباء ورجال الدولة والقضاة والدعاة والعلماء الكل سيجد فيه القدوة والأسوة الحسنة، ألم أقل لك إننا محتاجون إلى النبي القائد والقدوة؟
ذو القرنين يعلمنا فنون القيادة
علاء سعد حسن
مما ينبغي الإشارة إليه أن القرآن مليء بالكثير من المعاني الإدارية وفنون القيادة التي غفلنا عنها دهرًا من الزمان، ونحتاج في هذه الأيام إلى التدبر الواعي المتأني لكتاب الله وأحاديث رسولنا ﷺ في جميع شؤوننا قبل أن نتجه إلى الغرب نستجدي منه نقلًا وترجمة لما قد لا يناسب بيئة المسلمين، وهذا مثال حاضر لما قد تتعلمه من كتاب الله قصة ذي القرنين الواردة في سورة الكهف التي حبب الرسول ﷺ في قراءتها كل جمعة، ففيها من الفنون الإدارية ما يلي:
- إيقاف الظالم والمخالف عند حده بالعقاب الآتي وتذكيره بعذاب الآخرة﴿ قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا﴾ (الكهف:87). إن ربط العمل الدنيوي الوظيفي بالآخرة ما ينبغي أن يميز المؤسسة الإسلامية عن مثيلاتها في الغرب، فالمسلم -حتى إن ضعف التزامه بتعاليم الدين- يؤمن في نهاية المطاف بالآخرة والثواب والعقاب والحساب.
- وفي المقابل ينبغي معاملة المحسن والمجتهد بالحسنى وربط ذلك بالثواب الأخروي الجزيل حتى لا يرتبط ذهن المحسن بالمال والترقيات، بل ينبغي أن يكون عمله خالصًا لوجه الله حتى وإن ابتغى بعمله المال والرزق ﴿وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا ﴾ (الكهف: 88).
- فعل الخير ورفع الظلم ونصرة المستضعفين من صفات القائد المسلم، وهذا جلي عندما طلب قوم ما بين السدين من ذي القرنين نصرتهم على يأجوج ومأجوج.
- من صفات القائد كذلك العفة والتنزه عن أموال الشعب، فحين عرض عليه قوم ما بين السدين ﴿خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا ﴾ (الكهف:94)، قال:﴿مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ﴾ (الكهف : ٩٥)
- التواضع والاعتراف بنعمة الله من أهم الصفات المطلوبة في القائد المسلم: ﴿قَالَ مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ﴾ (الكهف: ٩٥)
- من أهم الصفات أيضًا: الاهتمام بمشاركة الآخرين خاصة إذا كان الأمر يعنيهم، فعندما طلب القوم من ذي القرنين المساعدة والنصرة قال لهم وهو غني عن جهدهم وأموالهم ﴿فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا ﴾ (الكهف: 95)، وهو من هو في ملكه وقوته، لكنه مع ذلك طلب منهم العمل معه حتى يزرع فيهم الإيجابية وليشاركوا في تدبير أمورهم ولا يكونوا سلبيين، ولأنهم كذلك أدرى بظروف وأحوال منطقتهم فيشيرون عليه في أثناء العمل بما يساعد في قوة البناء والتحصن.
- ولعل الصفة الأخيرة هنا هي تعاونه مع الآخرين وأخذ زمام المبادرة والتوجيه الدقيق في مراحل التنفيذ وعدم التفرد بالرأي ولا بالعمل، وقد كان يستطيع عمل ذلك لكنه استعان بالجماعة وذلك مصداقًا لقوله ﷺ: «وعليكم بالجماعة فإن يد الله مع الجماعة»، وقوله: «إنما يأكل الذئب من الغنم القاصية».
والله أسأل أن يجعلنا من المتدبرين لكتابه.
هل من وقفة صادقة مع النفس؟
عبد الله بن محمد القاضي
مطلوب من المسلم أن يقف وقفة مع نفسه، وأن يغوص في أعماقها ويسبر أغوارها، مستخدمًا العقل والفكر والتدبر، وأن يخضعها للمراقبة والمحاسبة فما أتي المسلم إلا من قبل نفسه، إذن لابد من تفهم أسباب إخفاقها في ردع الظلم والتسلط من قبل العدو أيًا كان، وهذه المحاكمة للنفس لابد أن تشمل الفرد والجماعة والأمة، والنصر قريب إذا كانت النفوس مؤهلة لذلك.
وما الانتكاسات ابتداء إلا من حديث النفس والهوى، وقد وعد الله تعالى رسوله ﷺ بألا يسلط على أمته عدوًا من غير أنفسهم، وما أصاب الأمة الإسلامية اليوم من نكسات وخطوب إلا مصداقًا لقول الله عز وجل ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾(الرعد: ۱۱)، وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ ﴾ (الشورى:30)، وذلك حينما يخالفون منهج الله ورسوله، ويتبعون الأهواء والقوانين التي ينتجها الغرب والشرق، فلا بد إذن من غربلة النفوس من جديد وإعادة تقويمها وتطويعها لتتأهل لكسب القضايا والنصر على الأعداء.
أما إذا بقي المسلمون يندبون حظهم ويلعنون الظلام، أو استمروا في الإخلاد إلى الكسل والرفاهية وإعطاء النفس والشهوات الأولوية، فما أرى ذلك إلا مؤشرًا قويًا لاستمرار الهزائم والانتكاسات إلى ما شاء الله.
وعندما يتجاهل المجتمع المسلم دوره البارز فيما يحدث للمسلمين وينسب ذلك إلى الطرف الآخر المعادي فذلك في رأيي إعانة للعدو المتربص بهم لزيادة التنكيل بهم والتمادي في البغي والبطش..
وقد أثبتت الأحداث بما لا يدع مجالًا للشك أن نصرة القضايا الإسلامية لا تكون فقط بالكلام والخطب والنشر والإعلام المسموع والمرئي والمظاهرات الصاخبة في الشوارع والمؤتمرات السياسية والمناورات التي يقصد بها تخدير الشارع العربي والأمة العربية والإسلامية!! بل أثبتت الأحداث أيضًا أن ما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة، وهذه هي اللغة الوحيدة التي يفهمها أعداء الأمة الإسلامية.
إن الذل والهوان اللذين يعيشهما الواقع العربي والإسلامي ما كانا ليكونا لولا أن المسلمين قد اختاروهما طوعًا من عند ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾(آل عمران:165)، وكان بإمكانهم اختيار الحق والهدى ليكونا سببًا لنصرتهم على هذا قل أعدائهم، كما هي سنة الله في خلقه.
إن حال المسلمين اليوم لا يشجع على مقارعة الأعداء لانهزام النفوس أولًا وعدم التكافؤ في السلاح المادي ثانيًا، وإن كان من السهل تعويض عدم التكافؤ، إذا تحقق الشرط الأول، وهو صلاح النفوس.
إن اتهام النفوس بالتقصير والإهمال ليس محصورًا في المواقف السياسية، بل يتعدى ذلك إلى ميادين الحياة العامة والخاصة في كل مجتمع إسلامي، وهذا قد يعتبر نصف الطريق إلى تحقيق أحلام الشعوب الإسلامية نحو غد أفضل بإذن الله..
مع الرسول .. المثل الأعلى
عبد القادر أحمد عبد القادر
المسلم الحق يحيي ذكرى النبي ﷺ كل يوم، بل كل ساعة من خلال اتباع سنته والسير على هديه، في نومه ويقظته، وظعنه وإقامته، وعباداته ومعاملاته، وفي كل ما يــأتي وكل ما يدع متخذًا من قول الله تعالى ﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ (الاحزاب:21).
فهل من وقفة صادقة مع النفس ليرى كل مسلم مدى قربه أو بعده من سنة النبي الخاتم ﷺ؟
إن بعض الناس يتخذون في حياتهم مثلًا عليًا من ذوي المكانة العالية أو الجاه والوجاهة والنفوذ والسلطان، وحري بالمسلم أن يحرص على اتخاذ الرسول ﷺ مثلًا أعلى من هذا المنطلق. فقد خاطبه ربه تعالى بقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾ (القلم:4).
ولقبه أهل الجاهلية بالصادق الأمين، وقال ﷺ عن نفسه: «إن الله خلق الخلق فجعلني في خيرهم فرقة، ثم جعلهم فرقتين، فجعلني في خيرهم فرقة، ثم جعلهم قبائل، فجعلني في خيرهم قبيلة، ثم جعلهم بيوتًا فجعلني في خيرهم بيتًا وخيرهم نسبًا». (رواه الترمذي وقال: حديث حسن).
وقال: «إني عند الله لخاتم النبيين ... دعوة أبي إبراهيم، وبشارة عيسى قومه ورؤيا أمي. التي رأت حين وضعتني نورًا، أضاءت منه قصور الشام، وكذلك ترى أمهات النبيين، وقال: أنا سيد ولد آدم يوم القيامة، ولا فخر، وبيدي لواء الحمد، ولا فخر، وما من نبي يومئذ إلا تحت لوائي، وأنا أول من تنشق عنه الأرض، ولا فخر». هو ﷺ صاحب الشفاعة العظمى، حين يحيلها كل نبي إلى من بعده، حتى ينهض بها ﷺ قائلًا: «أنا لها، أنا لها». وقد سئل صاحبه البراء: هل كان وجه سول الله ﷺ مثل السيف؟ قال: لا، بل مثل القمر».
وقال صاحبه وابن عمه علي رضي الله عنه، يصفه: من رآه بدهة هابه، ومن خالطه معرفة حبه يقول ناعته: «لم أر قبله ولا بعده مثله». وصفته زوجه خديجة - رضي الله عنها – بقولها: «فإنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على صوائب الحق.
هذا غيض من فيض، وقليل من كثير، يجعلني أعتقد جازمًا أن متخذي المثل العليا لا يمكن أن يتجاوزوا رسول الله إلى غيره من البشر العاديين، بل من النبيين عليهم الصلوات و التسليمات.
ولنواصل حياتنا مع الرسول ﷺ.
حسن الظن بأهل الدين: قال ﷺ: حسن الظن من حسن العبادة.
وقال عمر رضي الله عنه: لا يحل لامرئ مسلم يسمع من أخيه كلمة، يظن بها سوءًا، وهو يجد لها في شيء من الخير مخرجًا، معنى الكلمة العمرية أن يحمل كلام أهل الدين على حسن النية والمقصد، ومادام المسلم يحتاط فإنه لا يتوجس، ومدام يأخذ حذره، فإنه لا يتهم، وبالتالي فليتغلب على ظنون السوء تجاه أهل الدين، وليطردها من وجدانه ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ ﴾ (الحجرات: ۱۲).
ومع اجتناب سوء الظن وطرد الهواجس يتسلح المسلم بالحذر ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا ﴾ (النساء:71).
وليتفرس في الوجوه، وفي الانفعالات، وفي نظرات العيون قال ﷺ: «اتقوا فراسة المؤمن، فإنه ينظر بنور الله، ورغم ضعف هذا الحديث. فإن شواهد الواقع تؤيده.
لقد عملت المذاهب الملحدة، العلمانية والماركسية، وعمل أهل الأهواء والمعاصي، مستعينين بوسائل الإعلام التي في أيديهم لنشر سوء الظن تجاه أهل الدين وصحبة الأشرار أورثت سوء الظن بالأخيار، كما قال بشر الحافي.
هذا ويجب على أهل الدين أن يبتعدوا عن مواضع الشبهات روي أن أم المؤمنين صفية - رضي الله عنها - أتت النبي ﷺ تزوره وهو معتكف، وأن رجلين من الأنصار رأياهما بعد الخروج من المسجد، وكان الوقت ليلًا، فأسرعا، فقال ﷺ :«على رسلكما، إنها صفية بنت حيي»..
هل يتخذ المسلمون نبيهم ﷺ قدوة فيسعدوا في الدارين؟
فقالا: سبحان الله يا رسول الله «يتعجبان لإفصاح النبي عن زوجه»، قال: «إن الشيطان
يجري من الإنسان مجرى الدم، فخشيت أن يقذف في قلوبكما شيئًا أو قال: «شرًا»..
وما دامت السنة هي حسن الظن بالصالحين وأهل الدين، فالمعنى الضمني هو ألا نحسن الظن بالكفار على اختلاف فصائلهم، وألا نحسن الظن بأتباع المذاهب الباطلة، رغم تسميهم بأسمائنا وارتدائهم ملابسنا، وألا نحسن الظن بالعصاة المصرين على معاصيهم، وبالمبتدعين والزنادقة مهما تزينوا أو زينوا أقوالهم.
الاستمتاع بالمباحات الغناء واللعب... نموذج
ورد في البخاري عن أنس رضي الله عنه، قال: كان رسول الله ﷺ في سفر، وكان معه غلام له أسود يقال له أنجشة، يحدو «يغني»، فقال له رسول الله ﷺ ويحك يا أنجشة رويدك بالقوارير». وورد في صحيح مسلم، عن أنس أيضًا، أن النبي ﷺ أتى على أزواجه، وسواق يسوق بهن يقال له أنجشة، فقال ﷺ: «ويحك يا أنجشة رويدك سوقك بالقوارير». قال أبو قلابة: تكلم رسول الله ﷺ بكلمة، لو تكلم بها بعضكم لعبتموها عليه، يقصد إباحته ﷺ بالغناء الحلال.
وفي مسند أحمد، عن أنس أيضًا، يقول: بينما رسول الله ﷺ يسير، وحاد يحدو بنسائه، فضحك رسول الله ﷺ ، ثم قال: يا أنجشة، ويحك ارفق بالقوارير»
وفي المسند، عن أنس أيضًا، أن البراء بن مالك كان يحدو بالرجال، وأنجشة يحدو بالنساء، وكان حسن الصوت، فحدا، فأعنقت الإبل «جدت وأسرعت في السير، فقال رسول الله ﷺ يا أنجشة رويدًا سوقك بالقواير.
وورد في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها، قالت: دخل رسول الله ﷺ وعندي جاريتان تغنيان بغناء بعاث، فاضطجع على الفراش، وحول وجهه فدخل أبوبكر، فانتهرني، وقال: مزمار الشيطان عند رسول الله ﷺ؟ فأقبل عليه رسول الله ﷺ، فقال: «دعهما» قالت عائشة رضي الله عنها: فلما غفل غمزتهما، فخرجتا، وفي سنن ابن ماجه، فقال النبي الله: يا أبا بكر، إن لكل قوم عيدًا وهذا عيدنا..
وكان يوم عيد، يلعب السود بالدرق والحراب، قال ﷺ«تشتهين تنظرين؟، فقلت: نعم فأقامني وراءه، خدي على خده، وهو يقول: دونكم يا بني أرفدة «يخاطب الحبشة السودان حتى يستمروا في اللعب»، قالت عائشة رضي الله عنها: حتى إذا مللت، قال: «حسبك»، يعني: هل يكفيك ذلك؟ قلت: نعم، قال: «فاذهبي».
والسؤال: متى يتخذ المسلم، نبيه الله مثلًا أعلى فيسعد في الدارين؟.
مبشرات النبوة.. طريق إلى تربية الأمة وإحياء الأمل
المسلم لا يعرف اليأس لأنه كفر .. ويأبى القنوط لأنه يفقده الثقة بالله
من ثمرات المبشرات: زيادة الإيمان بالله والقناعة بالإسلام واليقين بوعد الله... وإبطال دعاوى المثبطين والمقعدين
إن واقع الأمة المرير الذي كشر الباطل فيه عن أنيابه، ومد إلى جسد الأمة مخالبه واجتمع على الأمة الذئاب، يكاد يصيبها بمرض اليأس، وأفة القنوط حتى نكاد نجزم أن بعض أفراد الأمة هزم نفسيًا وكاد أن يفقد أمله، وأن يقطع رجاءه، ووصل الحال بالبعض إلى الركون لبعض أحاديث الفتن التي تصيب الأمة بالسلبية، وانطلقت بعض الأقلام للكتابة في مثل هذا الموضوع، ويريد أصحابها أن تقف الأمة مكتوفة الأيدي أمام ضربات الأعداء، وكأنه يريدها أن تجلس تنتظر الساعة دون أن تحرك ساكنًا أو تقاوم اعوجاجًا، وهذا مرض خطير نهانا عنه ديننا، بل عده القرآن قريناً للكفر ﴿إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ ﴾ (يوسف:87)، وكل يأس في القرآن يعني القنوط وانقطاع الرجاء إلا في آية واحدة في سورة الرعد وهي قوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا﴾ (الرعد: ۳۱)، فقيل إن معنى اليأس فيها العلم.
فالمسلم لا يعرف اليأس لأنه كفر، ويرفض القنوط لأنه من مظاهر فقدان الثقة بالله، وإنما يستبشر بمستقبل دينه، ويثق بوعد ربه: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ﴾ (النور:55).
وقد ورد لفظ البشرى في القرآن الكريم في أكثر من آية، وقد يكون المبشر به موجودًا أو غير موجود، فوجود المخبر عنه ليس بلازم كقوله تعالى: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ ﴾: (الصافات:112).
مبشرات الميلاد
إن النبي محمدًا ﷺ هو خاتم الأنبياء، ودعوته قائمة على أساس التأكيد والتتميم الدعوات الأنبياء، وغاية دعوة الأنبياء جميعًا العودة بالفطرة إلى الاستقامة، وبالقلوب إلى السلامة، وإزالة العقبات التي تصدر عن ذلك.
ولقد عاش الناس قبل الميلاد عيشة الذل والهوان واستعبد الإنسان أخاه الإنسان، ووصل الأمر بالإنسان إلى عبادة الحجر والشجر والحيوان ففسدت الفطرة.
فكان ميلاده ﷺ إيذانًا بزوال هذا كله، وكان لذلك إرهاصات ودلالات فخرّ كثير من الأصنام ليلتئذ لوجوهها وسقطت عن أماكنها، وظهر النور معه حتى أضاءت له قصور الشام حين ولد ﷺ.
كذلك ارتجاس -أي ارتجاف- إيوان كسرى، وسقوط شرفاته، وخمود النيران التي عبدت من دون الله، ولم تنطفئ قبل ذلك منذ ألف عام.
مبشرات بعد البعثة
وردت نصوص كثيرة تبشر بالتمكين لهذا الدين، وأن المستقبل له منها قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا ﴾(الفتح:28)، وقال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ (النور : ٥٥).
قال ابن كثير هذا وعد الله تعالى لرسوله صلوات الله وسلامه عليه بأنه سيجعل أمته خلفاء الأرض أي أئمة الناس والولاة، عليهم وبهم تصلح البلاد، وتخضع لهم العباده، وقد حدث بالفعل وهذا الوعد الإلهي للمؤمنين دائم ومستمر، وما تحقق في عهد الخلفاء الراشدين من نصر وتمكين يمكن أن يتحقق من بعدهم، فإن وعد الله لا يتخلف قال تعالى: ﴿وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا﴾ (الكهف:98) لكنه وعد مشروط... مشروط بالإيمان وعمل الصالحات، وعدم الإشراك به ﴿يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ (النور: ٥٥).
مبشرات بالفتح والخلافة
أخبر النبي ﷺ عن أمور مستقبلية لا تعلم إلا بالوحي، وأثبت الواقع صدقه فيها منها على سبيل المثال لا الحصر:
- إخباره ﷺ بفتح قبرص:
فعن أم حرام بنت ملحان أنها قالت: «نام النبي الله يومًا قريبًا مني، ثم استيقظ يبتسم، فقلت: من أضحكك؟ قال: أناس من أمتي عرضوا علي يركبون البحر الأخضر - أي البحر الأبيض المتوسط كالملوك على الأسرة، قالت: فادع الله أن يجعلني منهم، فدعا لها، ثم نام الثانية، ففعل مثلها، فقالت مثل قولها، فأجابها مثلها، فقالت: ادع الله أن يجعلني منهم، فقال: أنت من الأولين، فخرجت مع زوجها عبادة بن الصامت غازيًا، أول ما ركب المسلمون البحر مع معاوية، فلما انصرفوا من غزوتهم قافلين - أي عائدين - فنزلوا الشام، قربت إليها دابة لتركبها فصرعتها فماتت»( أخرج البخاري)، ولقد تحقق كل ما أخبر به النبي ﷺ من فتح قبرص في عهد أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه، وفي فتحها استشهدت أم حراء رضي الله عنها .
- إخباره بالفتوحات الإسلامية
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «تفتح اليمن فيأتي قوه يبسون أي يزينون لأهلهم الخروج من المدينة إلى البلاد المفتوحة، فيتحملون بأهلهم ومن أطاعهم والمدينة خير لهم لو كانوا يعملون» (رواه البخاري ومسلم) كما أخبر كله بفتح الشام وفتح العراق وغيرهما.
- إخباره ﷺ بمدة الخلافة:
وعن سفينة قال: «سمعت رسول الله يقول الخلافة ثلاثون عامًا ثم يكون بعد ذلك الملك» (أخرجه أبو داود).
مبشرات بالتمكين
- كثرة المال:
ومنها حديث عدي بن حاتم قال: «بينما أنا عند النبي عليه الصلاة والسلام، إذ أتاه رجل فشكا إليه الفاقة، ثم أتاه آخر فشكا إليه قطع السبيل، فقال: يا عدي، هل رأيت الحيرة؟ قلت: لم أرها، وقد أنبئت عنها. قال: فإن طالت بك حياة لترين الظعينة أي المرأة في الهودج ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة لا تخاف أحدًا إلا الله، قلت فيما بيني وبين نفسي: فأين وعار طيء اسم قبيلة، الذين قد سعروا البلاد؟ أي ملأوا الأرض شرًا، ولئن طالت بك حياة لتفتحن كنوز كسرى، قلت: کسری بن هرمز؟ قال: کسری بن هرمز ولئن طالت بك حياة لترين الرجل يخرج ملء كفه من ذهب أو فضة يطلب من يقبله منه فلا يجد أحدًا يقبله منه، قال عدي: «فرأيت الظعينة ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة لا تخاف إلا الله، وكنت فيمن افتتح كنوز كسری بن هرمز، ولئن طالت بكم حياة لترون ما قال النبي أبو القاسم ﷺ: يخرج ملء كفه» (أخرجه البخاري).
- قتال اليهود:
منها حديث ابن عمر رضي الله عنهما: «تقاتلكم اليهود فتسلطون عليهم، حتى يقول الحجر: يا مسلم هذا يهودي ورائي فاقتله» (أخرجه البخاري).
- كثرة الزراعة بجزيرة العرب:
وعن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله ﷺ قال: «لا تقوم الساعة حتى يكثر المال ويفيض حتى يخرج الرجل بزكاة ماله فلا يجد أحدًا يقبلها منه، وحتى تعود أرض العرب مروجًا – المزارع والمراعي - وأنهارًا» (أخرجه مسلم).
- عودة الإسلام إلى أوروبا وفتح رومية:
وعمدتنا في ذلك ما رواه الإمام أحمد في مسنده عن أبي قبيل قال: «كنا عند عبدالله بن عمرو بن العاص وسئل أي المدينتين تفتح أولًا القسطنطينية أو رومية؟ فدعا عبدالله بصندوق له حلق، قال: فأخرج منه كتابًا فقال: بينما نحن حول رسول الله ﷺ نكتب، إذ سئل رسول الله: أي المدينتين تفتح أولًا: قسطنطينية أو رومية؟ فقال: «مدينة هرقل تفتح أولًا»..
- عودة الخلافة على منهاج النبوة:
وفيها ما رواه حذيفة بن اليمان رضي الله عنه عن رسول الله ﷺ قال: «تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكًا عاضًا، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكًا جبريًا، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، ثم سكت» (رواه أحمد وغيره ورجاله ثقات).
ووجه الدلالة من هذه الأحاديث:
أنها تبشر بانقشاع عهود الظلام، والضعف والهوان وعودة الخلافة الراشدة على منهج النبوة.
ثمرات المبشرات
- أنها تزيد الإيمان بأن علم الله محيط وأن محمدًا ﷺ اصطفاه الله تعالى وأوحى إليه ما يصلح الأمة في كل عصر ومصر.
- تزيدنا إيمانًا بأن الإسلام هو الدين الكفيل بإسعاد البشرية، وأنه دين لا يزيده الزمن إلا جدة... وقوة مهما حدث له من مكر وكيد.
- أنها تقوي اليقين بوعد الله ورسوله ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ ﴾ (الصافات:171-172-173).
- الثقة بالله تعالى وبمنهجه: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ (يونس:58).
- الرد على أصحاب الدعوات السلبية والكتب المثبطة التي تبغي الرضا بالممكن، وأنه ليس في الإمكان أفضل مما كان، وما أسعد اليهود بمثل هذه الكتب والمقالات ككتاب هرمجدون وأحاديث الفتن والركون إليها، والنظر إلى الواقع بنظارة سوداء، ورحم الله الرافعي حينما قال: «بدلا من أن تلعن الظلام أضئ شمعة» ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ (يوسف: 21) .
كيف تُوَفَّق؟
على قدر الاجتهاد.. والصدق في طلب العون يوفق الله ويسدد
﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ ﴾ (هود:88). كثيرًا ما يبذل الإنسان مجهودات عظيمة في سبيل إنجاز مهمة ما لكنه يبوء بالفشل، فهل يعني ذلك أنه يستوي -حينئذ- من بذل واجتهد، ومن تواكل وخمل لا يختلف اثنان على أن لكل مجتهد نصيبًا، والله تعالى يقول: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ (الطلاق: 3).
فرق بين النجاح والتوفيق
فربما يصيب الإنسان هدفه الذي يرمي إليه. لكنه - أحياناً . لا يشعر بأنه موفق فيه.
وهنا نجد القرآن يخط لنا طريقًا لا لبس فيه حين يعالج هذه الأمور ففي سورة الفاتحة يقول الله تعالى على لسان الداعي ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ (الفاتحة:5).
يقول المفسرون: إن الهداية إلى الصراط المستقيم تتحقق عندما تتم المعرفة بما يريده الله منك، ثم يوفقك الله تعالى إلى العمل بما عرفته. فإذا عرفت ولم تعمل، فإن الهداية غير كائنة حينئذ.
ولذلك فأنت ترى كثيرًا من الناس يعلمون الكثير عن الحلال والحرام، لكنهم غير موفقين إلى العمل وهنا تزول دهشتك ويبطل عجبك، فليس كل عالم موفقًا إنما الموفق من هداه الله بحق.
وهذا لا يعني أن يتراجع الإنسان عن كسب المزيد والمزيد من المعرفة، بحجة أنه لا يوفق للعمل، فهذا فهم مغاير لروح الشريعة، بل إن المسلم يظل يبذل ما بوسعه من جهد في سبيل تحصيل العلم، تعبدًا لله تعالى بمجرد تحصيل هذا العلم، مع سؤال دائم ولحوح ومتواصل لله تعالى أن يوفقه إلى العمل بهذا العلم، وأن يهديه إلى الصراط المستقيم.
ولا يصح أن ييأس المسلم من حالته بالنظر إلى الظروف الصعبة التي تحيط بحياته، وبحجة أنه لا يستطيع أن يفعل أكثر من ذلك. فالحق أنه لا يستطيع أن يفعل شيئًا إلا بعون الله تعالى له ويجب أن تعلم أنه على قدر اجتهادنا وصدقنا في طلب العون من الله تعالى، فالله تعالى لا يخذلنا ولا يتخلى عنا أبدًا.
مكافآت
هل جربت مرة أن تقطع شوطًا أو مسافة -ولو قصيرة- في إصلاح أمر من أمورك الخاصة أو العامة، في عباداتك أو معاملاتك، أو تربية أولادك، أو تقديم المزيد من الجهد والوقت في الدعوة إلى الله تعالى ...؟
هل علمت أن مجرد إقدامك وبذل الجزء اليسير من جهدك الذي لا تملك سواه.. هو فقط المطلوب منك؟
قال الله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (البقرة: ٢٨٦)
﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا﴾ (الأنفال : ٦٦)
﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ (المزمل:20)
المهم أن يظل المسلم على حال المجاهدة لنفسه لا يستسلم لها، ولا يستنيم، ولا يستكين، فهي جهاده ومجاهدته، فإن قدر عليها فهو على غيرها أقدر.
لا أستطيع.. والله غفور رحيم
لا أستطيع أن أصلي الفجر في جماعة، فظروفي صعبة وعملي شاق والسهر مفروض علي وليس بإمكاني الاستيقاظ والله غفور رحيم.
- أعانك الله يا أخي الحبيب، ويسر لك أمرك ووفقك في عملك لكن ألا ترى -أيها الحبيب- أن الفريضة لا مجال فيها لمناقشة، ولا يصح تطويع حياتنا لتتناقض مع أوقات العبادات ثم نقنع أنفسنا بأننا لا يمكننا فعل شيء أكثر مما نفعله، وأن ظروفنا لا يمكن تغييرها، والله غفور رحيم؟
- نعم، قال الله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (البقرة ٢٨٦). لكن الله تعالى ما دام قد كلف فالنفس تطيق أليس كذلك؟
فحاش لله أن يكلف البشر ما لا يطيقون فليس في الإسلام تجاهل لظروف البشر، ولا تغافل لآلامهم، بل إن المريض معذور، والمسافر مرخص له في القصر والفطر، والمقاتل له أحكام خاصة، وكل ذي حاجة تصل إلى درجة العنت والحرج لا يجد إلا قواعد التيسير تحيط به من كل جانب.
﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ (البقرة: ١٨٥)
﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ﴾ (المائدة: 1).
﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾ (البقرة:268)
﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (المائدة: 3).
- إن عادوا فعد.
- لا ضرر ولا ضرار
- المشقة تجلب التيسير
- الضرورات تبيح المحظورات والضرورة تقدر بقدرها
وغيرها كثير....
فإذا استقر في وجدانك أن الفريضة لا مجال للاعتذار عنها، فإن ذلك يجب أن يشغلك بالتفكير في حل للمأزق الذي أنت فيه، ويشاركك في ظروفك معظم المسلمين اليوم.
فكيف توفق إلى حل مشكلتك هذه؟
- أحاول النوم مبكرًا حتى وإن عدت متأخرًا لسبب خارج عن إرادتي.
- أنام على وضوء، وبعد صلاة ركعتين خفيفتين، وقراءة أذكار النوم.
- أتألم ويضيق صدري إذا فاتتني صلاة الفجر في جماعة، وألح على الله تعالى أن يجعلني مقيم الصلاة.
- أغض من بصري وأتحرى أكل الحلال وأكثر من ذكر الله والاستغفار طوال اليوم.
- أسارع إلى صلوات النهار بمجرد سماع الأذان، وأجتهد في صلاة السنن أو النوافل.
- أوصي أحد المصلين أن يوقظني بطريقة نتفق عليها.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل