العنوان لبنان - التجارب الماضية غير مشجعة إطلاقا - هل ينجح الإصلاح الإداري في وقف الفساد؟
الكاتب هشام عليوان
تاريخ النشر الثلاثاء 16-فبراير-1999
مشاهدات 59
نشر في العدد 1338
نشر في الصفحة 30
الثلاثاء 16-فبراير-1999
أطلقت الحكومة اللبنانية برئاسة الدكتور سليم الحص حملة شديدة على الفساد الإداري في الإدارات والمؤسسات العامة، فيما انكبت على دراسة الموازنة المالية لعام ۱۹۹۹م، التي ستنطوي بالتأكيد على تحديد السياسات النقدية والاقتصادية والمالية المتوافقة مع الخطوط العريضة لخطاب رئيس الجمهورية يوم تسلمه القانوني لمنصبه وللبيان الحكومي في جلسة الثقة النيابية أي تقليص عجز الموازنة، وخفض الدين العام الإجمالي تدريجياً وسن ضرائب جديدة على أسس عادلة، والتخفيف من الضائقة المعيشية، وتحريك دورة الاقتصاد.
لكن إصلاح الإدارة وتنظيفها من الفاسدين أو المقصرين أو غير المؤهلين هو الأولوية الأولى الحكومة الحص، وهذا ما رفع من وتيرة التشنج السياسي بين رئيس الحكومة الحالي والرئيس السابق رفيق الحريري، باعتبار أن الأخير يرى نفسه مستهدفاً بالتطهير، من خلال استهداف رجاله في الإدارة، وكاد التراشق اليومي بالتصريحات والاتهامات أن يتحول حرياً ضروساً بكافة أنواع الأسلحة الهجومية والدفاعية، لولا التدخل السوري الذي يحافظ على أدوار الجميع طبقاً لموازين القوى المستجدة الآن. التغيير مفردة تقليدية في نظام ديمقراطي نيابي كما هو الحال في لبنان، فالوجوه تتبدل في الرئاسة الأولى كل ست سنوات، كما تتبدل في رئاسة الحكومة ورئاسة المجلس النيابي، وفق اليات أخرى ومواقيت أخرى. والديموقراطية في لبنان ناقصة، فهي ديمقراطية الطوائف لا الأفراد ومن المعتاد في الحياة السياسية أن ينعكس التغيير من فوق تغييراً من تحت إما للانسجام بين فوق وتحت أو حتى يأتي الرئيس الجديد بمحاسيبه وأزلامه، وهم ما قد يسمونه في النظم الديمقراطية الغربية بفريق عمل الرئيس، وبما أن السياسة تتدخل حتماً في عمل الإدارة فتفرض عليها معاييرها الخاصة، فمن الحتمي أن تتراجع معايير الكفاءة والنزاهة والأهلية إلى الخلف، وفي لبنان تتضاعف نسبة الفساد بسبب عامل الطائفية.
في عام ١٩٩٥م، لخص رفيق الحريري، وكان رئيسا للوزراء حالة الإدارة في ثلاث كلمات فائض، فساد، تخلف، وترجمها كالآتي: الإدارات والمؤسسات العامة طافحة بالموظفين الفائضين عن الحاجة، مع العلم أن هناك ١٥ ألف وظيفة شاغرة في الدولة، مما يعني أن في الأمر تناقضاً، لكن الواقع أن بعض القطاعات تشهد فيضانات بشرية ممن هم لا يعملون فعلاً، أو يعملون بأداء منخفض للغاية، طبقاً لظاهرة البطالة المقنعة، وفي مراكز حساسة ومفصلية هناك قحط بالإداريين العاملين أو المؤهلين أما الفساد فحدث عنه ولا حرج، وأسبابه متنوعة تنوعاً هائلاً، وعمره من عمر الاستقلال، من تفشي الرشوة، إلى ضعف أو غياب روح الخدمة المدنية لدى قسم من الموظفين، إضافة إلى الاستهتار الذي هو العدو الأكبر للإدارة وبالنسبة إلى تخلف الإدارة والإداريين، فحسب تقارير ودراسات الجزاء يعود تاريخ البنية الإدارية في الدولة اللبنانية إلى أواخر ١٩٦١م بمعظمها وينتمي بعضها إلى تواريخ لاحقة ۱۹۷۲م - ۱۹۸۱م، فهي إذن قديمة ولا تتلاءم مع التطور الحاصل والمتسارع.
وزاد في تعقيد المسائل أن الحكومات السابقة منذ الاستقلال، لم تقم بعملية إصلاحية تراكمية شاملة وعميقة، أو أنها حاولت ولم تنجح واكتفت بعمليات ترقيع وتجاوز القديم إلى هياكل مستحدثة تنافس الإدارات القديمة وتنال من صلاحياتها، ومع الوقت يتأكل الجديد وينضم إلى قسم المستعملات، ويستأنف البحث مجدداً عن هياكل إدارية جديدة.
والأعجب من ذلك أن ملاك الدولة من الموظفين وقد بات غير قادر على القيام بالمهمات المطلوبة، جرى تعويضه عن طريق جيش من الأجراء المداومين غير المثبتين في جداول الوظيفة الدائمة، ومن المتعاقدين الذين ينالون رواتب مرتفعة قياساً إلى الموظفين الثابتين، ومرت الإدارة اللبنانية بأسوأ حالاتها خلال الحرب الأهلية، فلم تكن الدولة حينذاك قادرة على الرقابة والمحاسبة، وكانت تكتفي بدفع رواتب الموظفين والأجراء، وتعتبر ذلك إنجازاً عظيماً نظراً للظروف القاسية.
وفي منتصف الحرب، ابتداًء من عام ١٩٨٣م. انخرط زعماء المليشيات في الحكم، وأضحى بعضهم عضوا في الحكومة، فبدأ مند ذلك الحين حشد الإدارات بالعناصر غير المؤهلة إدارياً. والفاسدة حكماً، علماً بأن المليشيات المسلحة كانت في تلك الحقبة تضع يدها بالقوة على كثير من مرافق الدولة، ولما وضعت الحرب أوزارها، تم الاتفاق على استيعاب عناصر المليشيات المختلفة في أجهزة الدولة العسكرية والمدنية، وهذا طبيعي في بلد كان همه الأكبر إزاحة شبح التنازع العسكري بين الأطراف السياسية المعروفة، لكن كانت تلك أكبر ضربة للإدارة، وتوجد مفارقة في هذا الإطار، وهي أن الحكومات التي تتابعت منذ عام ۱۹۹۰م، في فترة السلم الأهلي، تضمنت مقعداً دائماً. يشغله وزير دولة لشؤون الإصلاح الإداري.
حتى لما أتى رفيق الحريري إلى سدة الحكومة، بآمال عريضة، جرت محاولة شكلية لتطهير الإدارة، وكانت محاولة فاشلة بكل المقاييس، وارتدت على أصحابها بنتائج معاكسة وكان من آثارها أن اعتمد الحريري على طرائق ملتوية لتنشيط الإدارة عن طريق تعزيز مؤسسات عامة على حساب وزارات الوصاية؛ بحيث تنكمش صلاحيات الأخيرة وتتعرض للمنافسة الشديدة، وعلى سبيل المثال لا الحصر، أضحى مجلس الإنماء والإعمار الذي هو مؤسسة عامة أهم وأكبر من ووزارات عدة مجتمعة فالمجلس المذكور كان يتولى بمفرده التخطيط والدراسة المشاريع الإعمار، وعقد القروض مع الجهات المقرضة الدولية ومتابعة التنفيذ أيضاً مستقلة ومن المعلوم أن مجلس الإنماء والإعمار، قد أنشئ في السبعينيات على أنقاض وزارة التعمير، لأن الوزارة انقلبت في الستينيات إلى وزارة فوق الوزارات، مما أدى إلى تعطيل الإدارة وعرقلة أعمالها.
وتكشف الأرقام مدى الاختلال في الرواتب بين المتعاقدين والموظفين، وبين المتعاقدين الجدد والقدامى، فالمدير العام مثلاً، في أي إدارة عامة أو مؤسسة عامة، كان يتقاضى ۸۰۰ ألف ليرة أما المتعاقدون الجدد فيتقاضى أحدهم في الحد الأقصى مليوناً و۸۰۰ ألف ليرة، لكن بعض المؤسسات العامة المستقلة، وقد انكشف ذلك مؤخراً، تمنح بعض مستشاريها والمتعاقدين معها، مبالغ خيالية تتراوح بين 3 ملايين وه ملايين ليرة.
ولم يتمكن الحريري من تحقيق إنجازاته ومشروعاته، إلا عن طريق التسويات السياسية غالية الثمن، وهو الذي اعتاد حل المشكلات التي تعترضه بتوزيع المال من دون حساب، لذا فقد اعتمد في الدولة مبدأ المغانم والمكاسب المتوازية والأسوأ من ذلك، أن الحريري لم يهتم إطلاقاً بملاحقة الفساد الذي كان يجري تحت عينيه فالأولوية لديه هي الإنجاز مهما كان الثمن وهناك اعتراف خطير لوزير الشؤون المالية فؤاد السنيورة - وهو خازن أسرار الحريري، والممسك بحساباته الخاصة، إضافة إلى حسابات خزينة الدولة، طوال وجود الحريري، على رأس الحكومة - فقد قال السنيورة مرة أن الهدر في لـ: الدولة يصل إلى حدود الثلث.
أما الخلفية السياسية لهذا التساهل، فتتمثل في أن رفيق الحريري الذي لم يكن محاطاً بعصبية حزبية، تدافع عن توجهاته السياسية كان يسعى إلى تشكيل طبقة من المستفيدين لها. مصلحة مباشرة في بقائه في السلطة التنفيذية واهتم خلال السنوات الأخيرة بتوسيع تلك الطبقة خصوصاً بعد انخراطه في الانتخابات النيابية عن بيروت، ومن المعلوم الآن بوضوح أن أنصار الحريري الذين تولوا مناصب حساسة في الدولة أنشأوا شبكة معقدة من المصالح المتبادلة فيما بينهم لتبادل المنافع عن طريق التعهدات والالتزامات الإنشائية، وعن طريق وظائف في مؤسسات الدولة، ومن غير المستغرب حينئذ أن تكون أجهزة الرقابة الإدارية معطلة تماماً برغم أنها لم تتوقف عن كشف ما يجري، خلافاً للقانون.
وهكذا، اعترى الإدارة عموماً فساد مركب ومعقد واستشرى خطره خصوصاً بعد العجز المتزايد في خزينة الدولة، وعجز الموازنة عن مواجهة النفقات المتعاظمة، وغرق البلاد في مديونية ثقيلة لم تشهد لها مثيلاً.
معالجة الأخطاء
وعندما انتخب إميل لحود رئيساً للجمهورية بدا أن المهمة الأساسية للعهد الجديد هي معالجة أخطاء الحكومات الحريرية السابقة، في الاقتصاد كما في الإدارة.
وبدا في الأيام الأولى للعهد، أن تعايشاً سينشأ بين الرئيسين لحود والحريري، على أساس مكافحة الفساد الإداري وتنشيط الاقتصاد، لكن الاتفاق المنشود بين الرجلين لم يتم كما هو معلوم، وتم تشكيل حكومة من الإداريين المرموقين، والاقتصاديين المشهود لهم وعلى رأسهم الاقتصادي السياسي النظيف الكف سليم الحص.
وتبدلت المعادلة، وباتت عملية الإصلاح صعبة وسهلة في أن فهي أكثر صعوبة من جهة؛ لأن الحكومة تفتقر إلى دعم القوى السياسية المنظمة، فالمستهدفون بالتطهير، هم من هذه القوى ومن أنصارها، وباتت أكثر سهولة من جهة أخرى، لأن الوزراء المعنيين بالإصلاح متحررون من الانتماءات السياسية أي محايدون بعبارة أخرى، وباختصار بات الإصلاح سهلاً من حيث أتخاذ القرارات الصعبة، وبات صعباً لجهة حجم المقاومة والاعتراض من قبل السياسيين.
غضب السياسيين
وبالفعل قوبلت القرارات الحكومية الأولى بإعفاء بعض المسؤولين من مهامهم، وبوضع بعضهم بتصرف رئيس الحكومة بتصريحات غاضبة، مع ا أن الحكومة لم تخضع أحداً منهم المجلس التأديبي لمحاكمته على ارتكابات معينة مع إمكان عمل ذلك بسهولة مفرطة، نظراً لحجم الملفات المكونة عن الإداريين إياهم إما لانتهاك الأنظمة والقوانين، أو للتقصير وعدم الأهلية.
وقد اكتفت الحكومة في مرحلة أولى بإزاحة المسؤولين الإداريين كعقوبة مسلكية لا جزائية والغريب في الأمر أن رئيس الحكومة السابق رفيق الحريري، ركز اعتراضه على مسألة محددة، هي أن المديرين الجدد، يمتازون بالخلق والنزاهة، لكننا لا يمكننا عبور القرن الحادي والعشرين بهؤلاء وكأن النزاهة رديفة العجز وكأن الكفاءة ملاصقة للفساد.
والسؤال الأكبر في هذه المرحلة من الإصلاح الإداري الذي يجب أن يسبق الإصلاح الاقتصادي بنظر الحكومة، هو التالي: هل تنجح الحملة الحالية في إصلاح الإدارة وقد فشلت حملات أخرى لأسباب متنوعة؟
تجارب فاشلة
في سنة ١٩٦٥م. أي قبل ثلاثين عاماً من محاولة الحريري، قامت محاولة تطهير أخرى على عهد الرئيس شارل الحلو، وكان رشيد كرامي رئيساً للحكومة، وتم صرف. عدد من الموظفين بطريقة كيفية، ودون وثائق ولا ملفات وكان التطهير يراعي التوازن الطائفي، ففشل وفي ذلك الحين كانت قرارات الحكومة غير قابلة للنقاش أو الاستئناف، وفي عام ۱۹۷۳م، جرت دراسات لوضع الإدارة ولتصحيح الأوضاع فيها. لكن اندلاع الحرب الأهلية عام ١٩٧٥م قضى على العملية الإصلاحية في المهد.
لقد حاول الرئيس رفيق الحريري عام ١٩٩٥م تطهير الإدارة، فتم إجبار ٥٠٠ موظف على الخروج من الملاك، ولكن الإجراء كان ناقصاً ومشوهاً، وغير مستند إلى أدلة ثبوتية، ولما لجأ هؤلاء إلى مجلس شورى الدولة حكم لمعظمهم ضد الدولة، وعاد ٩٠% منهم إلى الوظيفة.
وبرغم هذه المسحة التشاؤمية للتجارب الإصلاحية، إلا أن الأرقام تؤكد أن فترة الستينيات والسبعينيات شهدت أعلى مستوى من الانضباط الإداري، بلغ ۷۰ إلى %۸۰.
ويعترف المسؤولون السياسيون أن الإصلاح الإداري يبقى خطوة ناقصة من دون إصلاح سياسي، يتركز على بنود اتفاق الطائف والتي منها قانون انتخابي عادل يصحح التمثيل الشعبي وتشكيل هيئة وطنية تدرس سبل إلغاء الطائفية السياسية، وإصدار قانون جديد للأحزاب.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل