العنوان بدعوى الخوف على مستقبل البشرية!! تعقيم الرجال والنساء في بنغلاديش؟
الكاتب أشرف سلامة
تاريخ النشر الثلاثاء 07-نوفمبر-1989
مشاهدات 58
نشر في العدد 940
نشر في الصفحة 48
الثلاثاء 07-نوفمبر-1989
المشكلة ليست
بالنمو السكاني وإنما هي بسبب الاختلالات الاقتصادية بين الدول الغنية والدول
الفقيرة.
للتهويل
والإرعاب: النمو السكاني في مصطلحات الصحافة الغربية انفجار أو قنبلة سكانية!!
يقول خبر من دكا
إن مصادر مطلعة هناك ذكرت أن مراكز تنظيم الأسرة في بنغلاديش أجرت في السنوات
الثماني عشرة الأخيرة عمليات تعقيم لسبعة ملايين رجل وامرأة بهدف الحد من تصاعد
وتيرة النمو السكاني وتنظيم النسل.
وأضافت المصادر
ذاتها أن كلفة هذه العمليات بلغت 281 مليون دولار.
وهذا الخبر يثير
في أذهاننا من جديد قضية تحديد النسل التي لا تزال مطروحة وتدور حولها نقاشات
كثيرة تتراوح بين الرفض والقبول المشروط كما أنه يثير في نفس الوقت العديد من
الملاحظات نختصرها فيما يلي:
بنغلاديش
النموذج
1. بنغلاديش دولة إسلامية من أكثر الدول فقرًا
ومن أكثرها كثافة سكانية حيث يبلغ تعداد سكانها حوالي 110 ملايين نسمة ويبلغ معدل
النمو فيها 2.4% حسب تقدير الأمم المتحدة وقد أُصيبت في السنوات الأخيرة بكوارث
طبيعية مخيفة كان آخرها الفيضانات التي عمت البلاد وشردت الملايين.
ودولة في مثل
هذه الحالة من الفقر وفي مثل هذه الأوضاع المأساوية يُشك كثيرًا في أنها ترصد مبلغ
281 مليون دولار لتعقيم الرجال والنساء وأغلب الظن أن هذه الأموال أتتها عن طريق
القروض والمنح الغربية المشجعة على تحديد النسل. فالدول الغربية وأمريكا بالخصوص
سخية في الصرف على هذه القضية بل إنها تعتبرها من جملة قضاياها وقد خصصت لها إدارة
بأتم معنى الكلمة ورصدت لها أموالًا لتحقيق الهدف المنشود وهو القضاء على التزايد
السكاني في البلاد التي تشهد تزايدًا سكانيًا بوتيرة عالية.
لا نجد هذه
القضية مطروحة إلا في بلدان العالم الثالث في أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية وفي
البلاد العربية والإسلامية بالخصوص والحقيقة أن الكثير من هذه الدول المستهدفة
بسياسة تحديد النسل يُراد لها أن تُعلق كل بؤسها وفقرها وفشلها الاقتصادي على
شماعة زيادة النسل وأن تقتنع بذلك فتطبق هذه السياسة. ولذلك يقع التركيز على
الأكثر فقرًا والأقل وعيًا كبنغلاديش وبعض الدول الأفريقية حيث يمكن إغراء بعض
البسطاء بمعونات مادية ليست ذات بال من أجل الموافقة على التعقيم وإجرائه.
زيادة النسل
الشماعة
2. الصحافة الغربية مولعة بإطلاق لفظ الانفجار
أو القنبلة على تزايد السكان فكثيرًا ما قرأنا عناوين مثل «الانفجار الديمغرافي»
و«القنبلة السكانية» وهذه العبارات توحي بالحروب والكوارث وما نتج عنها من ضحايا
وخسائر وكأن هذه الزيادة السكانية ستنجر عنها خسائر لكن السؤال هو: هذه الخسائر في
أي جانب؟ الواضح أنها خسائر في جانب المتخوفين وما علينا إلا أن نقيس الوضع الدولي
على الوضع في فلسطين المحتلة. فالإسرائيليون خائفون من زيادة السكان الفلسطينيين
في الأراضي المحتلة، خائفون من أن يأتي يوم من الأيام يجدون فيه أنفسهم قلة فينقلب
الوضع لغير صالحهم ولذلك يحاولون جهدهم الزيادة في نسلهم واستجلاب اليهود من الشرق
والغرب لأرض «الميعاد» والحيلولة دون زيادة السكان الفلسطينيين ولو بطرق غير شرعية
ولا إنسانية من التعقيم الإجباري وخصي المواليد الذكور وهي عمليات افتضح أمرها
أكثر من مرة. إن الدول الغربية المشجعة على تحديد النسل تخشى فعلًا من القنبلة
البشرية رغم ما تملكه من وسائل الدمار ووسائل القوة المساعدة لها على التحكم في
مصائر الكثير من الشعوب الصغيرة أو الفقيرة.. وهذا الخوف ينبع من إدراكها لوجود
اختلالات اقتصادية وعلمية واجتماعية تستثمرها لصالحها.
دعاوى قلة
الغذاء
3. تنبني سياسة الحد من النسل والتي يلبسونها
أحيانًا ثوبًا مقبولًا فيُطلقون عليها «تنظيم الأسرة» تنبني هذه السياسة أساسًا
على ربط زيادة السكان بقلة الغذاء والمواد الأساسية وعدم كفاية الخدمات الأساسية
كالعلاج والسكن، فهم يقولون إن زيادة الأفواه لا تواكبها زيادة في الإنتاج
وبالتالي سيترتب عنها مجاعات ومشاكل اجتماعية ذات انعكاسات سيئة أي إننا إذا لم
نوقف تزايد النسل فإن مستقبلًا مظلمًا رهيبًا ينتظر البشرية. والبعض يذهب إلى بعيد
بالتحذير من أوبئة بسبب قلة الماء المادة الأساسية للنظافة والتطهير وهكذا تصل
المغالطات إلى ذروتها وكأن مياه البحار والأنهار والموائد الأرضية على أهبة أن
تنضب.
إن هؤلاء الذين
يُشجعون الفقراء على تحديد النسل سواء كانوا من الأوروبيين أو الأمريكيين يعرفون
أكثر من غيرهم أن الكثافة السكانية في كل كيلومتر في أوروبا تزيد عنها في كل
كيلومتر في آسيا مثلًا وإن بلادًا مثل هولندا التي تعتبر من الدول الغنية
والمتقدمة اكتسبت جزءًا كبيرًا من أراضيها عن طريق ردم البحر، وأن أمريكا بسكانها
الذين قارب عددهم الثلاثمائة مليون نسمة ما زالت تستقبل مئات الآلاف من المهاجرين
وكل ما تغير بالنسبة لسياستها بخصوص الهجرة هو عملية الغربلة والاختيار لا غير.
ويرد أحد المثقفين الغربيين على هذه الملاحظة بقوله: «... لكن الضغط السكاني في
أوروبا لا يمثل عقبة في طريق التقدم الاقتصادي والاستقرار السياسي» وهذا يعني أن
زيادة السكان في الدول النامية تهدد التقدم الاقتصادي والاستقرار السياسي أما في
العالم الغربي فلا.. وبالتالي على تلك الدول النامية أن تحد من تزايد النسل فيها.
إنه منطق غريب ألا تُطبق القاعدة العامة على الجميع بل إنه منطق التمييز العنصري
الذي لا يرى في سكان أفريقيا أو آسيا أجناسًا بشرية ترقى إلى مستوى الجنس
الأوروبي.
نقص في الغذاء
أم اختلال في التوزيع؟
4. لا يجب الاغترار بأقوال الغربيين الذين
يتصايحون خوفًا من نضوب الموارد وقلة الغذاء لمجموع سكان الأرض الذين يقترب عددهم
حسبما يقولون من ستة مليارات نسمة أولًا من مبدأ إيماني يستند إلى قوله تعالى:
﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا عِندَنَا خَزَائِنُهُۥ وَمَا نُنَزِّلُهُۥٓ إِلَّا
بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ﴾ (سورة الحجر آية 21).
فالله هو الخالق
وهو الرازق ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُۥ تَقْدِيرًا﴾ (سورة الفرقان آية
2).
ثم إننا نعلم
أنه يوجد اليوم الغذاء الكافي لأكثر من عدد سكان الأرض الحاليين ومع ذلك يموت
الناس في بعض البلدان جوعًا كما هو الحال في بنغلاديش. فماذا يعني ذلك إذن؟ إنه
يعني ببساطة أن الموت جوعًا ليس بسبب نقص الأغذية في هذه الأرض بل بسبب اختلال
الأنظمة الاقتصادية وغيرها لصالح دول على حساب أخرى ولصالح طبقات على حساب طبقات
أخرى. ففي الوقت الذي يتضور فيه أفارقة وآسيويون من الجوع وفي الوقت الذي يعيش حتى
بعض الأوروبيين والأمريكيين على حافة الفقر عيشة الكفاف تُحرق جبال من الزبدة
وتُلقى أطنان من القمح في البحر ناهيك عن الأموال الضخمة التي تُصرف على صناعة
الأسلحة ووسائل القتل والدمار والتي لو استثمر جزء صغير منها في الفلاحة أو
الصناعة لكفى الفقراء مؤونة التسول على الموائد.
ثم من قال إن
الأرض ضاقت بسكانها وإن مواردها على وشك النضوب وإن خزائنها على وشك أن تُفرغ؟ من
قال ذلك ونحن في عصر العلم الذي أتى بما يُشبه المعجزات؟ هل اكتشفنا كل ما يُخبئه
باطن الأرض؟ إن المشكلة لا تكمن في زيادة عدد سكان الأرض بقدر ما تكمن في نمط
التنمية والإنتاج الاستهلاكي الرأسمالي الذي لا يهتم بالإنسان وإنما يهتم بالدرجة
الأولى بالمردود المادي أي الربح هذا من ناحية ومن ناحية أخرى تكمن المشكلة أيضًا
في الفجوة القائمة بين الأغنياء والفقراء والتي هي في اتساع مستمر ومخيف بسبب
العديد من الاختلالات وفي مقدمتها اختلال النظام الاقتصادي العالمي الذي تشكو منه
الدول النامية ومن أبرز مظاهره وطأة الديون الخارجية. فكيف يمكن لشعوب فقيرة أن
تُزيح كابوس الفقر وتنهض لتلبية حاجاتها الأساسية وهي ترزح تحت كل الضغوطات ولا
تجد هامشًا من الحرية لتنفيذ اختياراتها وتطبيق سياسة اقتصادية مناسبة وملائمة
لمعطياتها؟
ثم إن هذه
الاختلالات موجودة أيضًا على مستوى الدولة الواحدة بين طبقاتها ولا يجب أن تُغرنا
المظاهر الخادعة، ففي أغنى الدول الغربية يوجد فقراء يجوبون الطرقات ومتسولون
ينامون في الأماكن العامة! وفي كثير من المدن الغربية المشهورة تتجاور ناطحات
السحاب والمباني الفخمة مع أحزمة الصفيح حيث تتواجد العائلات الفقيرة التي تُشكل
لقمة العيش كل همها وليس هؤلاء بالحالات الشاذة بل إنهم اليوم يُعدون بالملايين.
إنهم فقراء بأتم معنى الكلمة يبحثون عن أبسط مقومات الحياة: الغذاء والماء والسكن
وهؤلاء يسكنون نفس المدن التي يُصرف فيها بعض الأغنياء ثروات على رقصة أو جلسة لهو
أو حفلة خاصة فماذا نقول عن 12 مليار فرنك يُنفقها الفرنسيون وحدهم على تربية
الكلاب والقطط في الوقت الذي يبيت فيه فرنسيون آخرون في أنفاق المترو وتُعاني فيه
عائلات فرنسية من الفاقة والعوز.
وماذا نقول عن
ملايين الزنوج الأمريكيين وغيرهم الذين يُعانون من البطالة ويعيشون في «غيتوات»
تتفشى فيها الأمراض والأوبئة الاجتماعية من مخدرات وبيع للهوى وجريمة وعنف في حين
أن حفنة من الدولارات من بعض المؤسسات أو حتى من بعض العائلات الثرية يمكن أن تَفك
جزءًا كبيرًا من ضائقتهم.
إن عصرنا هو عصر
الاختلالات، شعوب وأفراد مُتخمون بالغنى وشعوب وأفراد يغرقون في الفقر المُدقع
والأرقام التي لا تكذب خير دليل على ذلك: 22% من سكان العالم يستأثرون بـ 85
بالمئة من ثرواته ويُشكلون أغنياءه و78% من سكانه لا يملكون سوى 15% من ثرواته ومن
المؤسف أيضًا أن تنطبق هذه النسب أو ما قاربها على الدولة الواحدة في هذا العالم
المليء بالاختلالات. فهل هي زيادة السكان التي تُشكل خطرًا على مستقبل البشرية أم
أنها هذه الاختلالات الصارخة؟
يقول مسؤول
منظمة الأغذية العالمية: «لن يكون هناك أمن غذائي حقيقي مهما ارتفعت وتيرة الإنتاج
ما دامت موارد التوسع الغذائي تحت سيطرة أقلية ضئيلة وتُستخدم فقط لإثرائها...»
وحسبنا هذا القول للرد على أكذوبة قلة الغذاء.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل