العنوان بنغلاديش في مهب الريح.. وضع مروّع ينتج عن الانفصالْ
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 08-أكتوبر-1974
مشاهدات 71
نشر في العدد 221
نشر في الصفحة 46
الثلاثاء 08-أكتوبر-1974
إن «بنغلاديش» اسم جديد لباكستان الشرقية بعد انفصالها من جمهورية باكستان الإسلامية. إنه لمن أعظم المآسي في تاريخ الإسلام أن يحكم المسلمون الذين اضطلعوا بدور بارز جدًا في خلق جمهورية باكستان الإسلامية بحكام علمانيين قد جهروا بعلمانيتهم و اشتراكيين موالين للهند ولروسيا.
ومنذ احتلال الجيش الهندي لباكستان الشرقية في شهر ديسمبر عام ۱۹۷۱م, حدث ما يلي:
1- أطلق العنان لجميع القوى العلمانية والاشتراكية والقوى ذات النعرة القومية الإقليمية لتعيث في الأرض فسادًا وليقتلوا أو يزجوا في أعماق السجون بالقادة والعاملين في سبيل الإسلام ومن أجل الحفاظ على وحدة باكستان بشطريها من رجال الأحزاب المحبة للإسلام والمخلصة لوحدة باكستان.
٤- قد أعلن أن دستور بنغلاديش هو دستور دولة علمانية اشتراكية، ويمنع إنشاء أي كيان سياسي أو حزب على أساس الإسلام.
5- واعتبر المبشرون الهنادكة والمسيحيون أن الوقت موات؛ لمضاعفة ضروب النشاط التي كانوا يقومون بها
٦- وأبيح للحزب الشيوعي «الفرع الموالي لموسكو» أن يقوم بنشاطه علنًا وبكل جرأة وانطلاق لأول مرة في تلك الأرض.
7- أن المؤسسات العلمية الإسلامية قد أخذ عددها يتناقص ويتدهور مستواه العلمي نسبة لموقف الحكومة العلماني وانعدام الدعم المالي لها.
8- وقد أضير العمل على نشر الكتب الدينية الإسلامية نتيجــة للحظر الذي منيت به «الجماعة الإسلامية» أو جماعة إسلامي «باللهجة المحلية».
إن هذا الحزب قد عمل على نشر نيف ومائة كتاب ديني من تأليف أجلة العلماء من كل أنحاء العالم الإسلامي ومن أبرزهم مولانا السيد أبو الأعلى المودودي مترجمة إلى اللغة البنغالية.
9- وبسبب حظر الأحزاب التي على شاكلة «الجماعة الإسلامية»، ونظام الإسلام توقفت الدعوة إلى الإسلام بوصفه نظامًا شاملًا للحياة وأنزل الإسلام إلى منزلة الديـن الذي ليس له أي قدرة على توجيه الحياة الاجتماعية لمسلمي البنغال أو الإشراف عليها.
۱۰- أما نشر الأفكار المعادية للإسلام وبثها وتلقين النشء إياها فيسير بطريقة منظمة في داخل وخارج معاهد التعليم تهدف إلى محو القيم الإسلامية والقضاء عليها.
11 - كما فرضت ثقافة الهندوس خاصة والهنود عامة فرضًا علـــى المسلمين بشتى الطرق تحت شعار القومية البنغالية.
هل لم يعد هناك من أمل في إنعاش حياة الإسلام في البنغال؟
إن الصورة المرعبة التي رسمناها لبنغلاديش في حديثنا هذا قد توحي بألا مستقبل للإسلام في تلك البلادة ولكن في الواقع أن الحالة ليست قاتمة كما قد يتبدى لأول وهلة من ما قلناه آنفًا. وإن خيوط الأمل المضيئة قد تلوح فيما يلي من جوانب الموقف هناك:
۱- أولًا: إن خمسة وثمانين بالمائة من السكان مسلمون ومنهم على التقدير المتحفظ ما لا يقل عن أربعة أخماسهم مسلمون ملتزمون بدينهم متمسكون بأهدابه وهم على إيمان راسخ بالإسلام وبرسول الله- صلى الله عليه وسلم- وأن هذه الحقيقة قد ظهرت ظهورًا جليًا في يناير١٩٧٤عندما نشرت قصيدة في جريدة يومية بنغالية اللغة في دكا وكانت القصيدة لشاب شيوعي. فكان رد الفعل العفوي احتجاجًا مغيظًا محنقًا فـي شكل مواكب واضطرابات في كل أجزاء بنغلاديش وقد اضطرت الحكومة إلى القبض على الشاب حماية له من الجماهير الساخطة وأرغمت الجريدة على نشر اعتذار علني في صفحاتها وأن يكون هذا الاحتجاج برغم تعطيل الأحزاب الإسلامية المنزع أمر لافت للنظر.
وفي عام۱۹۷۲ كان على الحكومة أن تنصاع للضغط الجماهيري البالغ القوة فتعلن أن الثاني عشر من ربيع الأول عطلة عامة ثم تحتفل احتفالًا رسميًا بالمولد النبوي. وكذلك أجبر الضغط الجماهيري الحكومة أن تتيح لتلاوة القرآن في المذياع وفي التلفزيون أوقاتًا أوسع من تلك التي كانت تعطى للقراءة من كتب البوذيين والهندوس والمسيحيين على حد سواء.
ثانيًا: وبالرغم من كل المعوقات الموضوعة أمامهم ما زال المسلمون جاهدين في إنقاذ التعليم الديني عن طريق التبرعات العامة.
ثالثًا: وبالرغم من أنه قتل نحو عشرة آلاف من علماء المسلمين على أثر غزو الجيش الهندي لباكستان الشرقية فإن بقية منهم صالحة بذلت كل ما في وسعها من محاولة لإنقاذ الإسلام من محنته ولكن هؤلاء العلماء ليس لهم تنظيم عام تتركز فيه قوتهم الجماعية كما أن القوى المعادية للإسلام لا تفتأ تقاوم لتحول دون هؤلاء العلماء واستعادة مراكزهم الاجتماعية التي كانوا يتمتعون بها في الماضي ومنها يوجهون ومن ثم النفوذ والقيادة.
رابعًا: إن عدد المصلين في المساجد لم ينقص البتة بل هو بالعكس في حالة ازدياد مستمر وذلك بمثابة رد الفعل للنفوذ الهنديـ الروسي الجاثم على صدر البلاد، وهذه الزيادة قد امتدت حتى شملت القطاع المثقف من الناس.
خامسًا: إن المسلمين في البنغال قد أثرت فيهم عوامل تاريخية باقية الأثر فأورثتهم عداء تقليديًا وثقافيًا للهندوس وتلك البغضاء العميقة الجذور لابد أن تشمل بطريقة طبيعية العداوة لدولة الهند التي يهيمن عليها الهندوس.
ولذا بالرغم من كل الادعاء العريض القائل بأن الهند قد أسهمت في تحرير شعب البنغال فإن البنغاليين لم يقصروا في إبداء شعورهم العدائي للهند بصورة تلقائية وغير مدبرة.
سادسًا: إن البنغاليين ليسوا مهيئين لقبول الهندوك إخوانًا لهـم يشتركون معهم في نفس القومية أو الأمة وذلك لأن المسلم البنغالي على وجه العموم يعتبر نفسه مسلمًا قبل كل شيء ثم بنغاليًا بعد ذلك، وأنهم أي البنغاليين كشعب يختلفون عن الهندوس لا في الدين والتقاليد وكل شيء آخر فحسب، بل وإن كانوا كلهم يتحدثون بنفس اللسان البنغالي وأنه لمن قبيل المستحيل نفسيًا أن ينسى البنغاليون الرق الاقتصادي الذي كانوا يرزحون تحته خلال مائتي عام أثناء الحكم البريطاني إلى انتهائه في عام ١٩٤٧.
سابعًا: إن من الحقائق البارزة في البنغال أن مسلميها لا ينقسمون إلى شيع وطوائف إذ أنهم جميعًا ينتمون إلى أهل السنة والجماعة. فالجماعات الدينية الأخرى التي تكثر في الباكستان أمثال الشيعة والإسماعيلية والقاديانية والبهائية إلخ.. القائمة لا وجود لها في بنغلاديش، ولذلك فإنه من المقدر طبيعيًا أن يكون مسلمو البنغال قوة موحدة باعتبار الجانب الديني، وعليه لا يمكن أن تدبر هناك مؤامرة ضد الإسلام تقوم
على افتعال الخلافات الدينية أو إثارتها.
ثامنًا: ولقد دخل الإسلام إلى البنغال عن طريق التجار والدعاة المبلغين وصالحي المؤمنين ولم يدخل إليها عن طريق الفتوحات أو الحكام فإن البراهمة كانوا يسومون الشعب من الخسف وسوء العذاب ما رغب أبناء شعب البنغال فيما كان يدعو إليه دعاة الإسلام العرب من تجار وغيرهم من المساواة والإخاء بين بني الإنسان ويتعاملون به بلا تعمد فاجتذبهم الإسلام ودخلوا في حظيرته بخطوات سريعة آلية- وأنه لمن الواقع أن نشر الدعوة الإسلامية هو الذي أمكن من تأسيس حكومة إسلامية والعكس ليس بالصحيح.
كيف أمكن إذن انفصال باکستان الشرقية عن جمهورية باكستان الإسلامية؟
إن هذا حقًا لسؤال كبير بارز، فإذا كان مسلمو البنغال ذوي إحساس عميق كل هذا العمق بكينونتهم الإسلامية فكيف استطاعت القوى اللا إسلامية أن تسوقهم سوقًا إلى حالتهم الراهنة؟
وحقًا إن هذا الوجه من المسألة هو أكثر وجوهها تعبيرًا عن المأساة التي حلت بتلك البلاد وأكثرها استثارة للأسى.
لقد حاول أعداء الإسلام وباكستان وبصفة خاصة الهند وروسيا والصحافة الصهيونية أن يقنعوا الرأي العالمي بما يلي من غير الحق:
۱- إن أهل باكستان الشرقية آثروا الانفصال عن جمهورية باكستان الإسلامية بمحض اختيارهم!
۲- وإن الإسلام قد عجز أن يربط بين شطري باكستان المفصولين بمساحات هائلة من أرض الهند بعروة وثقى.
3- إن الدين لا يستطيع أن يكون أساسًا في تكوين أمة أو قومية!
٤- وإن انفصال باكستان الشرقية عن الدولة الموحدة معناه أن مسلمي البنغال قد رفضوا الإسلام فكرة شاملة «أيديولوجية» للدولة.
بينما الحقيقة هي أن جميع هذه الحجج ليست مسخًا للحقيقة فحسب بل هي قذف باطلي محض لمسلمي البنغال في ذات الوقت. والصفحات التالية ستبرز الصورة الحقيقية لخلفية الانفصال.
نبذة تاريخية موجزة عن تاريخ باكستان الشرقية
وقبل أن نتناول العوامل الحقيقية التي أدت إلى انفصال باكستان الشرقية بالبحث ينبغي فيما يبدو لي أن نقف وقفة تأمل قصيرة عند تاريخ تلك البلاد.
إن باكستان شرقيها وغربيها والهند كانت كلها تحت الحكم الاستعماري البريطاني خلال مدة تزيد عن القرن غير قليل وكانت كلها في إطار كيان سياسي موحد ولكن عندما حصلت شبه القارة العظيمة المساحة على استقلالها في عام ١٩٤٧م, انقسمت إلى دولتين هما باكستان والهند وإن تقسيم الهند كان فصلًا مجيدًا من فصول التاريخ الإسلامي. فالهند الهندوكية وعدد سكانها ثلاثمائة مليون بقيادة المستر غاندي و البانديت جواهر لال نهرو «أبو المسز أنديرا غاندي» كانت تعارض انقسام الهند بدعوى أن الهندوك والمسلمين أبناء أمة واحدة بحكم أن الفريقين يعيشان في منطقة جغرافية واحدة.
ولكن المائة مليون من المسلمين في شبه القارة بزعامة «القائد الأعظم» محمد علي جناح رفضوا أن يكونوا أمة واحدة مع الهندوك بل أعلنوا أنهم أمة لها كيانها الخاص وطالبوا بأرض وطن خاصة بهم تتكون من الجزئين الشمالي الغربي والشمالي الشرقي لشبه القارة التي يكون فيها المسلمون أغلبية السكان، وهذه هي حركة تكوين دولة باكستان التي بدأت في عام ١٩٤٠، ونجحت في عام ١٩٤٧ م
الرابط المختصر :