; من الحياة.. ورحل الطبيب الأديب الحبيب | مجلة المجتمع

العنوان من الحياة.. ورحل الطبيب الأديب الحبيب

الكاتب أ. د. سمير يونس

تاريخ النشر السبت 08-مارس-2008

مشاهدات 62

نشر في العدد 1792

نشر في الصفحة 58

السبت 08-مارس-2008

في يوم الخميس الموافق 21 من فبراير 2008م، ودعت الدعوة نجمًا ساطعًا في سمائها، وتألق في ميادينها، وثبت في محنها، ورغب عن مواطن شهرتها وشهواتها، كان حبيبًا لأبنائها، طبيبًا لسقيمها، أديبًا لمناسباتها، أفراحها وأتراحها. 

لقد رحل عنا بجسده الطبيب الأديب الحبيب اللبيب، لكنه ترك في نفوسنا ونفوس من خالطوه آثارًا عظيمة ومآثر جليلة.

أول لقاء

نشأت منذ صغري أهوى الأدب، وأعشق فنون اللغة؛ لذا فقد كانت هذه الموهبة التي تميز بها طبيبنا الراحل مصدر جذب لي تجاه شخصه الراقي، وأذكر أن أول لقاء رأيته فيه كان على منبر المسجد الذي كان يعتليه ليخطب في الناس، كنت أسكن في المنطقة التي يسكن بها، فشرفت بجواره، وأذكر أنني استمعت إليه أول مرة وهو يخطب بعد أن كدت أيأس من العثور على خطيب يسمع ويؤثر، بعد أن اشتدت بأذني الآلام وأنا أسمع الخطباء يلحنون في اللغة.

ذهبت إلى المسجد قبيل ارتقائه المنبر، وإذا برجل يشع النور من وجهه المشرق المتألق، يلبس ثوبًا أبيض، زاده وقارًا وصفاءً وإشراقًا، وإذا به ينطق بلسان عربي مبين، وبصوت نقي واضح وبنبرات تفيض إحساسًا وعاطفة، فأخذ بالقلوب والألباب من أول كلمة نطق بها، وقلت في نفسي: الآن فقط عثرت على بغيتي، ولقيت حظي وغذائي، وزادي، وحمدت ربي على أن هداني إلى ما كنت أبحث عنه.

عذرًا سيدي

ألتمس عذرًا سيدي المربي، وأستسمحك أن أبوح بما في خاطري، أعلم أنك أوصيت في وصيتك ألا يتحدث أحد عن كراماتك، وما كان لي أن أخالف رغبتك، وأنا الذي عايشتك جارًا وطبيبًا لي ولأولادي، ومستشارًا في حياتي وشؤوني الخاصة.. أنا لا أتحدث عن كرامات، بل أستسمحك أن آخذ بسنة حبيبك ﷺ الذي أعلم كم تحبه، فأحدث نفسي وقراء هذه الكلمات عن محاسنك بعد أن فارقت حياتنا المحدودة المكدودة إلى دار الحق، سائلًا المولى عز وجل أن يجمعني ومن أحبك في الفردوس الأعلى، كما جمعنا في الدنيا، فاسمح لي سيدي أن أحدث عنك من عرفك ومن لم يعرفك.

حبه لأحبابه رغم حزمه

كان جادًا حازمًا لدرجة أن البعض فهمه خطأ، وتصور أنه شديد حاد، لكنك عندما كنت تقترب منه تجد إنسانًا لطيفًا رقيقًا، لا يخلو حديثه من المداعبة واللطائف المهذبة والابتسامة الرقيقة، وأبيات الشعر الجميلة المؤثرة.

عفته

كثيرًا ما كان يعزف عن المال إذا ذهب إليه والد ذو حاجة بولده ليطببه، ويصر على أن يفحصه دون أدنى مقابل، وبنفس راضية شاكرة، وكان يشعر صاحب الحاجة بأنه هو صاحب الفضل عليه، وتلك سمة قلما تجدها في الناس الآن.

زهده

كان تقيًا ورعًا - لا أزكيه على الله - وكان زاهدًا في الدنيا.. أذكر ذات يوم أني قلت له بلطف: أراك تحب الاستقرار في السكن والناس يسعون إلى تحسين مستوى معيشتهم، وكان في منزله الحالي الذي يؤكد زهده في الدنيا وزخارفها، فقال لي: أنا في نعمة عظيمة، لقد كنت أسكن في مسكن لا تدخله الشمس طوال أربع وعشرين ساعة، ودائما كنا نضيء المصابيح الكهربائية، والآن قد منَّ الله علي بهذا السكن، والحمد لله رب العالمين.

صبره ووفاؤه

كان الدكتور سناء أبوزيد - رحمه الله - مبتلى في الدنيا، مر بمحطات ابتلاء كثيرة في حياته، أذكر منها وفاة زوجته الأولى، وكان إذا تحدث عنها بعد وفاتها علمك فقه الوفاء للزوجة، وأذكر ذات مرة وأنا في صحبته بسيارته مر على مكان كانت له فيه ذكرى مع زوجته «أم خلاد»، فإذا بدموعه تذرف منهمرة، وهو يلقي فيها أبياتًا من الشعر بناها، وكان إلقاؤه غاية في التأثير، حتى أجبر قلبي على الاضطراب، وعيني على البكاء.

تأثيره التربوي

  •  يُعلم أحبابه الطاعة: حكى لي أحد أحبابه أن د. سناء - رحمه الله - دعي ذات يوم ومعه اثنان من المتحدثين ليلقي كلمة عن الطاعة في ملتقى ثقافي، وبدأ من يقدم الضيوف بتقديم الضيف الأول قبل أن يتحدث د. سناء - رحمه الله - وقبل أن يعطي الكلمة للمتحدث الأول، قال المقدم لجمهور المستمعين - وكان المتحدثون الثلاثة على المنصة في مواجهة الجمهور: انظروا إلى وجه هذا الرجل «يشير إلى المتحدث الأول» تقرأوا فيه تاريخ الدعوة، يقول راوي هذا الموقف: فإذا بالدكتور سناء - رحمه الله - يأبى إلا أن يربي الحاضرين على حسن الطاعة، فينظر بسرعة فائقة ملبيًا أمر المقدم، وكأنه يؤثر ويربي بالفعل قبل أن يتكلم!! 

وكان د. سناء هو أول المسارعين المبادرين بتنفيذ هذا التوجيه، ليربي الناس بلسان الحال والعمل قبل أن يتحدث إليهم بالقول والكلم. 

مربٍ في مرضه: ولم ينقطع تأثيره التربوي في أثناء مرضه، فعندما زاره أحد أحبابه في مرضه، قال له: لقد قصر الناس في صلاة الفجر، فاكتب عني هذه الرسالة، وأخذ يملي عليه شعرًا، قال فيه:

قد أخذ الناس مواقعهم *** في صفوف صلاة الفجر

بعض الإخوان قد انقطعوا *** راضين بأوهى العذر

فنهوضًا فورًا أحبابي *** والرب عفو ذو ستر

ودوامًا إنكم القدوة *** ترمقكم أبصار الغير

أقسمت يمينًا لن تجدوا *** في غير الطاعة من خير

وفي أثناء دفنه كان مربيًا!! ذكر من شهد دفن جسده الطاهر أن المشيعين كانوا يتوقعون أن يتحدث أحد في أثناء دفنه، لكن د. سناء أبو زيد يصر على أن يكون خطيبًا في الناس ومربيًا مؤثرا فيهم حتى بعد وفاته، فإذا بابنه يتلو على الحاضرين وصية د. سناء التي كانت مؤثرة غاية التأثير، وكانت تفيض بالعبر والعظات، وحملت خصائص أسلوب الدكتور - رحمه الله.

  • أثره في عزائي: ذهبت لأعزي أولاده في البيت بعد ثلاثة أيام، وعندما دخلت من البوابة الرئيسة للبيت.. وجدت لافتة لمست فيها حزمه وحسمه وحبه لسنة رسول الله ﷺ.. إذ كتب فيها حديث رسول الله ﷺ: «لا عزاء بعد ثلاث»، وقد أتبعت بدعاء وشكر لمن جاء للعزاء، ولقد لمست في الدعاء والشكر ذوق د. سناء الذي عهدناه منه في حياته، وتعلمناه منه، وشربناه، وسعدنا به.. فلما رأيت اللافتة وجدت نفسي في صراع، بين أن أواسي أولاد أخي وحبيبي، وبين أن أرجع مطيعًا له منفذًا لمبادئه بعد وفاته، فوجدتني أرجع، وتتسلم قدماي الشارع قاصدًا سيارتي، ولكنني ترددت، فلما عانيت التردد جاءتني فكرة أن أستشير زوجتي وليست معي حينها، فاتصلت عليها واستشرتها، فأشارت بضرورة صعودي؛ لأنني لست من المعزين، بل أنا زائر لأولاد أخي، فانشرح صدري لرأي زوجتي، وصعدت البيت وشريط الذكريات يلاحقني مع الأخ الأديب والجار الحبيب منذ أن جاورته عام 1989م، وعرفته. 

رأيت شخصه وأنا أصعد سلم بيته أمامي كأني أحدثه ويحدثني، رأيت أخلاقه الراقية الرفيعة، سماحته، عفوه، كرمه، حسن عبادته، رفقه، حنوه، همته، عزمه، إخلاصه، وفاءه، ثباته، تضحياته، علمه، أدبه، صدقه، أمانته. 

وكان مما تذكرت أنني اشتد بي المرض مرتين لدرجة لم أستطع معها النزول في المصعد الكهربائي، ثلاثة أدوار ليعالجني أحد الأطباء الذي يسكن معي في العمارة نفسها، ساعتها كنت موقنًا أنني مودع للدنيا، وأوصيت زوجتي بي وبنفسها وأولادي خيرًا، ودعوت لهم، وعرضت علي أن تنزل معي للطبيب للاطمئنان على صحتي، فقلت: لا أقدر، فرأت أن تتصل بالدكتور سناء أبو زيد - رحمه الله - وبالفعل اتصلت به، وكان بمدينة السادس من أكتوبر على مسافة تستغرق نصف ساعة حتى يصل، فكانت إجابته: بأمر الله سأكون عندكم بعد ثلث ساعة، وبالفعل وصل - رحمه الله - وأشهد أن يده عندما كانت توضع على الألم شعرت براحة تلقائية، قد يكون ذلك لسبب نفسي؛ فقد كنت أحبه، وكنت عندما أرى يده تلمسني أقول: هذه يد طاهرة متوضئة، لا أزكي صاحبها على الله، أحسبه كذلك، والله حسيبه، ولا أزكي على الله أحدًا.

بعد هذا السيل من الذكريات وغيره مما لم يتسع المقام لذكره هنا، دخلت البيت على أولاده، وما أن رأيتهم إلا وأخذتني عبرات البكاء، وانهمرت الدموع من عيني، ونفسي تحدثني: في هذا المكان كان يستقبلني، ويحدثني، ويمازحني، ويقدم لي التحية.. ولا أخفي أنني كنت حريصًا ألا يحدث هذا أمام أولاده، وأن أتماسك أمامهم، بيد أنني وجدت بصماته التربوية وقسماته الشرعية قد ظهرت جلية على أبنائه وهم يبتسمون قائلين: عمي، لا تحزن، وادع الله لأبي، لقد تحملنا وصبرنا منذ الصدمة الأولى، حتى أخواتنا البنات منذ اللحظة الأولى صبرن واحتسبن، فقل يا عماه: إنا لله وإنا إليه راجعون، وادع له بصالح دعواتك.

رحمك الله! يا من علمت الصغار والكبار، ورفقت بالأقوياء والضعفاء، وشكرت في السراء وصبرت على الضراء.. رحمك الله يا نهرًا متدفقًا بالعطاء، في الحياة وبعد الممات.. آمين.. آمين.. آمين.

الرابط المختصر :