; جنون الدولار الأمريكي | مجلة المجتمع

العنوان جنون الدولار الأمريكي

الكاتب عبيد الامين الفكي

تاريخ النشر الثلاثاء 18-سبتمبر-1984

مشاهدات 73

نشر في العدد684

نشر في الصفحة 38

الثلاثاء 18-سبتمبر-1984

• ارتفاع سعر الصرف وسيلة في الضغط السياسي من أجل مصالح الولايات المتحدة.

  شهدت أسواق النقد الدولية خلال الأسابيع القليلة الماضية ارتفاعًا قياسيًا في أسعار صرف الدولار الأمريكي، وفي المقابل سجلت العملات الرئيسية انخفاضًا واضحًا في معدل أسعار صرفها، ولعل مرد ذلك في المقام الأول يعود إلى تبني الإدارة الأمريكية لسياسة نقدية انكماشية، تعتمد على رفع أسعار الفائدة على الدولار، وعزز من فعالية هذا الاتجاه نشاط الحركة الاقتصادية في الولايات المتحدة، وتصاعد معدل النمو من (7.5 إلى 7.6%) على الرغم من أن اتباع مثل هذه السياسة النقدية له عدة مخاطر تنعكس مثالبها بصورة مباشرة على الخزينة العامة والتجارة الخارجية، كما وأنها تؤثر تأثيرًا مباشرًا على ميزان المدفوعات، هذا على مستوى النطاق المحلي للولايات المتحدة، أما على المستوى الخارجي فإن ارتفاع سعر صرف الدولار يعني تجديد موجة الكساد العالمي للتجارة، ومزيدًا من تدني النمو في الدول الصناعية، ومضاعفة المعاناة للدول النامية؛ حيث تتصاعد مشكلة الديون، وهنا يتبادر للأذهان سؤال: لماذا تتبنى الإدارة الأمريكية مثل هذه السياسة؟ أو بمعنى آخر ما هي الأحداث وراء رفع أسعار الدولار؟ وقبل أن نجيب على هذا يجدر بنا أن نلقي بعض الضوء على طبيعة العلاقة بين النظام النقدي العالمي والدولار.

• النظام النقدي الدولي والدولار

  تاريخيًا استطاعت الولايات المتحدة أن تحتفظ بنصيب الأسد في النظام النقدي العالمي؛ حيث برزت عقب الحرب العالمية الثانية كأكبر قوة اقتصادية وسياسية في العالم، في حين أن أوروبا بشطريها الشرقي والغربي خرجت محطمة منهكة، وكانت الولايات المتحدة قد حققت نجاحًا ملموسًا في جر الدول الغربية لتوقيع اتفاقية (بريتون وودز) في عام 1944، والتي أعادت تشكيل النظام النقدي الدولي، ونتج عنها قيام صندوق النقد الدولي، ولقد كانت أهم المبادئ لهذه الاتفاقية هو الحفاظ على ثبات أسعار الصرف للعملات، وهي في هذا الوجه تتفق مع قاعدة الذهب التي كانت سائدة قبل الحرب العالمية الأولى، وهنا نشأت الحاجة إلى توفير وسيلة للمدفوعات تفي بالسيولة الدولية، خاصة وأن الذهب لم يعد يملك مؤهل المرونة للقيام بمثل هذا الدور، ولذا كان لا بد من اختيار إحدى العملات الوطنية لتصبح وسيلة دفع دولية، وكان الدولار الأوفر حظًا بين العملات الوطنية بناء على ما تتمتع به الولايات المتحدة من اقتصاد قوي، ولقد ساعد في اكتساب الدولار الأمريكي لصفة الدولية زيادة الطلب العالمي على الإنتاج الأمريكي؛ حيث كانت دول أوروبا -الخارجة لتوها من الحرب العالمية الثانية- في أشد الحاجة للسلع الإنتاجية والاستهلاكية لإعادة التعمير، وبذلك أخذ الدولار وضعه كعملة دولية، ومع استمرار زيادة الحاجة للسيولة الدولية، ومن ثم للدولار، وثبات نمو معدل الذهب؛ فقد وضعت الولايات المتحدة في مواجهة مع المضاربة على الذهب، ولذا اتخذت عدة إجراءات نقدية، وأصدرت قرارها في (1971) بمنع تحويل الدولار إلى ذهب، وبذلك بدأت مرحلة جديدة في النظام النقدي الدولي، وظهرت عمليات المضاربة على العملات، وخفضت الولايات الدولار في (1973م) وبدأت مرحلة تعويم العملات؛ مما تسبب في انعدام الاستقرار النقدي، وعمت الفوضى الاقتصادية في نطاق المدفوعات الدولية، فكانت اتفاقية جامايكا في (1976م) حيث نصت على حرية اختيار نظام الصرف، وهو حل توفيقي بين رغبة فرنسا في الأخذ بنظام ثبات أسعار الصرف، والولايات المتحدة في الأخذ بنظام التعويم.

• أمريكا واحتكار إصدار النقود:

  لقد كرس النظام النقدي الدولي الطبيعة الاحتكارية للولايات المتحدة؛ حيث خول لها سلطة إصدار أحد الأركان الأساسية لوسائل الدفع الدولية، ويعد هذا مدخلًا واسعًا للظلم العالمي تمارسه الولايات المتحدة، فمثلًا حين تريد أي دولة الحصول على الدولار كوسيلة للمدفوعات الدولية تتنازل عن أصول من سلع وخدمات، في حين أن الولايات المتحدة لا تتكلف شيئًا في سبيل إصدار الدولار، وبذلك تحقق الولايات المتحدة كسبًا كبيرًا من جراء احتكارها لإصدار النقود الدولية، ولقد حاول صندوق النقد الدولي التصدي لمشكلة الاحتكار الأمريكي للعملة الدولية، وذلك بزيادة السيولة الدولية عن طريق توزيع (حقوق السحب الخاصة) بنسب حصة كل دولة في الصندوق، غير أن الولايات المتحدة قد أحدثت استثمارات خارجية جعلت من عملتها احتياطيًا دوليًا، وكانت الدول المختلفة تستخدم هذا الاحتياطي لسد العجز الناتج عن ميزان مدفوعاتها، ولعل هذا ما جعل فرنسا ديجول تثور في أواخر الستينات على دور الدولار، وتنادي بالعودة لنظام الذهب، وما زالت الولايات المتحدة تتمتع بمزايا الإصدار النقدي للعملة الدولية، وساعد على عظم مكاسبها في ذلك تدفق الفوائض النفطية إليها.

• أهداف الولايات المتحدة من رفع الدولار:

  توجب النظرية الاقتصادية التقليدية تحديد سياسة الإنفاق لدى الحكومة المركزية في فترات النمو والنشاط الاقتصادي، وتوسيعه في فترات الركود وتراجع الإنتاج، غير أن الملاحظ بالنسبة للولايات المتحدة في الفترة الأخيرة أن الإنفاق الحكومي ما زال مرتفعًا خاصة في ضوء التدخل الخارجي المستمر للإدارة الأمريكية في شئون الدول الأخرى، وتصديها للقضايا السياسية والعسكرية، والإنفاق غير المحدود عليها، وعلى ذلك يمكن الجزم بأن السياسة النقدية للولايات المتحدة ليست بدوافع من صميم الشئون والخطط الاقتصادية فحسب، وإنما تبدو من خلالها نوايا سياسية مبيتة، ومما يدعم هذا التحليل رفض الرئيس ريغان مؤخرًا التدخل لدى السلطات النقدية لوقف رفع سعر الفائدة على الدولار عندما طلبت منه ذلك دول التحالف الأوروبي، ولعل من أبرز الأهداف السياسية لرفع سعر الدولار -إذا استمر- إحكام السيطرة على أوروبا الغربية، ومن ثم تحجيم الاتجاه الاستقلالي، وسعيها نحو التقارب مع دول الكتلة الشرقية خاصة ذلك الاتجاه الذي تتزعمه ألمانيا الغربية في التقارب مع الاتحاد السوفيتي، والذي تجاوز مرحلة الغزل السياسي إلى مرحلة التخطيط المشترك لتنفيذه، وحتى تظل هيبة الحلف الأطلسي فوق مستوى الأخذ والرد.

  هذا من جانب، ومن الجانب الآخر فإن الولايات المتحدة على ما يبدو أنها تنوي حسم التحدي الاقتصادي القادم من اليابان، وهنا يلعب الدولار دوره الحاسم في إضعاف القوة الشرائية لليابان، ومن ثم الزيادة وارتفاع أسعار إنتاجها؛ حيث حاجة اليابان للدولار تزداد لحصولها على النفط المقوم بالدولار.

  وبجانب هذه الأهداف السياسية الاقتصادية تحقق الولايات المتحدة الأهداف المعلن عنها في تحقيق الحلول لمشكلة التضخم النقدي في الداخل، وتوزع مديونيتها القصيرة الأجل في الخارج، وعلى الرغم من تصريحات الرئيس الأمريكي ريغان مؤخرًا بأن الدولار لن يستمر طويلًا في حالة الارتفاع هذه، إلا أن مصادر الرصد العالم توحي بأن ارتفاع سعر الدولار سيستمر لوقت قد يطول، وهذا مما يهدد ببروز أزمة عالمية نقدية تضاف للأزمة الاقتصادية الدولية؛ مما يصدق القول: «بأن الولايات المتحدة تحل أزمتها بإحداث أزمة عالمية».

الرابط المختصر :