; المجتمع الثقافي (1471) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع الثقافي (1471)

الكاتب مبارك عبد الله

تاريخ النشر السبت 06-أكتوبر-2001

مشاهدات 68

نشر في العدد 1471

نشر في الصفحة 50

السبت 06-أكتوبر-2001

من أجل مؤسسة للسينما الإسلامية
رسالة مفتوحة إلى الشيخ يوسف القرضاوي


فضيلة الشيخ حفظكم الله:
سمعت منكم خلال مقابلة تلفازية أنكم تسعون إلى إنشاء مؤسستين: الأولى تهتم بدعم الطلبة الفائقين في العالم الإسلامي وقد أنشئت هذه المؤسسة بالفعل في دبي عند زيارتكم لها قبل أشهر، والثانية تهدف إلى توحيد علماء المسلمين تحت اتحاد العلماء، ليكون مرجعًا علميًا للمسلمين كافة. ومن الأمور التي نرى أن الأمة تحتاجها كذلك أشد الاحتياج ونامل أن تدخل في دائرة اهتمامكم وسعيكم إنشاء مؤسسة للسينما الإسلامية، ونعني بذلك أن تتكفل هذه المؤسسة بإنتاج كل ما يتعلق بالإعلام المرئي من أفلام ومسلسلات وبرامج وأفلام الرسوم المتحركة إضافة إلى الأناشيد المصورة وأفلام الفيديو بأنواعها.
وتعود أهمية إنشاء هذه المؤسسة إلى كونها تعتمد الصورة الحية بما لها من تأثير فعال على المشاهد، فالصحف والمجلات قد تراجع تأثيرها بعد اختراع السينما والتلفاز، وصولًا إلى القنوات الفضائية بأقمارها الصناعية، وهنا يبرز رأي ذكره يومًا الدكتور إسماعيل الشطي حيث يقول: « الإعلام ليس إصدار صحيفة ولا مجلة الإعلام إصدار رواية سينمائية، مسلسل تلفزيوني، برنامج فكري، برنامج ثقافي مسرحية إسلامية، أمور تقدم المتعة والبهجة للناس وتضع فيها الفكرة والقيم».
وتأكيدًا لأهمية السينما الإسلامية نجد المخرج العالمي مصطفى العقاد يخاطب الشعوب الإسلامية بدوره فيقول: أعطوني ثمن طائرة حربية واحدة أغير لكم رأي العالم عن الإسلام والعقاد يقصد بذلك السينما، حيث جاء إلى بعض المسؤولين في الدول العربية عارضًا مساعدته على إنشاء هوليوود إسلامية، لكنه لم يجد من يصغ إليه. 
وقد دفع إدراك البعض لخطورة الدور الذي تقوم به السينما في تشكيل العقل الإنساني إلى أن يسمي هذا العصر بعصر السينما، فالتأثير السينمائي يمتد إلى شتى الجوانب الثقافية والأخلاقية والاجتماعية والنفسية في المجتمع، بل إن الرئيس السوفييتي الأسبق خروشوف كان يخشى هوليوود أكثر مما يخشى الصواريخ الأمريكية العابرة للقارات.
غير أن إنشاء مؤسسة للسينما الإسلامية يحتاج - في خطوة أولى - إلى وجود شخصية إسلامية معروفة تقف على رأسها لتجلب ثقة الأمة بها، ولعل وجودكم أنتم - فضيلة الشيخ - في هذا الموقع يشجع أصحاب الأموال على الإسهام في تأسيسها. 
وقد يبدو للوهلة الأولى - أن إنشاء مثل هذه المؤسسة يحتاج إلى تأسيس بنية تحتية ضخمة ومكلفة من وسائل عرض ووجود كادر كبير من ممثلين ومخرجين ومصورين وكتاب سيناريو وغيرهم، ويحق للبعض أن يتساءل هنا: أين الممثل الملتزم والمخرج الملتزم والكوادر الفنية الملتزمة؟ وأي بلد يمكنه احتضان مقر المؤسسة؟ غير أننا نرى أن الإجابة لن تكون بالصعوبة نفسها التي طرحنا بها الأسئلة، ولعل مفتاحها الأول هو العزيمة والهمة الصادقة.
ومن نافلة القول إن العالم العربي والإسلامي يمتلك بنية تحتية مقبولة من قاعات العرض وبعضها يملك تجربة عريضة في مجال الإنتاج السينمائي والصناعة السينمائية، وبالإمكان الاستفادة من وجود هذه القاعدة للانطلاق في بناء المشروع المقترح.
ويمكن على صعيد الممثلين مثلًا الاستفادة من الشباب الملتزم الذين برزوا في مسرحيات ناجحة قاموا بها في إطار النشاط الثقافي في الجامعات، بالإضافة إلى الاستفادة العالية التي من الممكن تحقيقها لو قبل الكثير من الفنانين المحترفين التائبين أمثال حسن يوسف ومحمد العربي العمل جنبًا إلى جنب مع هؤلاء الشباب الموهوبين. ولعل بوادر هذا الاستعداد واضحة لدى بعض الفنانين التائبين.
وبتوافر التمويلات اللازمة لنشاط مؤسسة السينما الإسلامية بعد إنشائها لن يكون من الصعب جلب الكوادر الفنية المؤهلة في العمل السينمائي من مخرجين ومصورين ومهندسي ديكور وغيرهم، في حين يتيح الإنتاج الأدبي الرابطة الأدب الإسلامي العالمية لكتاب السيناريو المحترفين تحويل الروايات الإسلامية المعاصرة والتاريخية إلى سيناريوهات سينمائية، مع الاستفادة - بالطبع - من الإنتاج المتوافر في الأسواق خارج إطار رابطة الأدب والذي لا يتعارض مع التصور الإسلامي.
ونعترف بأن صعوبات عديدة قد تعترض تسويق الأفلام والمسرحيات المنتجة، لكنها لن تلبث أن تزول بمجرد النجاح الجماهيري لما تعرضه المؤسسة من إنتاج، ولعل ظهور القنوات الفضائية وتنوعها يخفف من حدة مشكلة التسويق، حيث نجد تراكمًا لا بأس به في القنوات الحريصة على عرض المضمون الجاد والممتع في الآن نفسه. 
ونحن متفائلون كثيرًا بأنه سيكون للسينما الإسلامية جمهورها العريض الذي قد يكون هو نفسه جمهور السينما الحالية في العالم الإسلامي، خصوصًا حين يدرك هذا الجمهور أن الممثلين التائبين هم ضمن أبطال العمل المعروض، فيتوافر لديه شعور عام بالجدية وإحساس بمتعة التمثيل المتقن.
بمعنى أنه سيكون للسينما المقترحة جمهور عريض لا يقل عن جمهور السينما الحالية وأذكر أني حضرت - مرة - عرض مسرحية «الهجرة» على قاعة كلية الشريعة في الجامعة الأردنية، والتي قام ببطولتها بعض الشباب الملتزم وكان منهم المنشد أبو راتب، فكان الازدحام شديدًا على باب القاعة - علمًا بأن الدخول لم يكن مجانًا - وقد استمر العرض أسبوعًا تقريبًا. 
وقد يخيل للبعض بأنه ستكون هناك صعوبة في إيجاد المكان المناسب لهذه المؤسسة، فأقول إن ذلك لن يكون صعبًا، المهم أن نجد في البحث والطلب ولا نيأس ولعل المكان المناسب المرشح لذلك هو مصر لعوامل عديدة أهمها وجود الفنانين التائبين الذين سيكون لهم دور كبير في نجاح المؤسسة.
وتتناول موضوعات السينما الإسلامية المقترحة مشكلات المسلمين المختلفة وفق التصور الإسلامي، فتجمع بين الفائدة والمتعة والتشويق مع كونها موجهة إسلاميًا، فكما أن السينما العالمية الحالية تحركها - في الأغلب- أصابع يهودية، فكذلك ينبغي للسينما الإسلامية أن تكون موجهة إسلاميًا، ولكن لا يعني هذا أن تكون السينما موجهة بطريقة تعليمية مباشرة لأن المشاهد سيرفضها ويمل منها.
ولا يجب أن تثير الموضوعات كذلك خلافًا بين المسلمين، ولا أن تصطدم مع الحكومات، بل تبتعد كل البعد عن السياسة، لكي تحافظ المؤسسة على بقائها واستمراريتها.
وفيما يخص المال الذي هو العنصر الأهم في إنشاء المؤسسة فيمكن أن يجمع عن طريق الأسهم كأية شركة تجارية، فكما أن فكرة البنوك الإسلامية قد نجحت وانتشرت في معظم بلدان العالم، فكذلك يمكن للسينما الإسلامية أن تنجح، ونظن أن المسلمين أصبحوا واعين لأهمية السينما أكثر من ذي قبل.
ولكي نضع الفشل جانبًا في هذا المشروع أقول إن السينما الإيرانية الحالية استطاعت أن توجد لها مكانًا مرموقًا بين السينما العالمية فحصدت العديد من الجوائز في المهرجانات السينمائية العالمية، علماً أنها ابتعدت بقضاياها عن الجنس والعنف اللذين هما سمتان أساسيتان في السينما الأمريكية. ويحدونا أمل كبير في أن تنجح - كذلك . السينما المقترحة، فتأخذ مكانًا لائقًا بها إلى جانب السينما العالمية.
إن من الأسباب التي جعلتنا نوجه . أيضًا - هذه الرسالة إليكم - فضيلة الشيخ . هو أن هذه المؤسسة - في حال إنشائها - سوف تحتاج إلى فقيه ترجع إليه كلما استشكل عليها أمر شرعي. 
فضيلة الشيخ أرجو أن ينال هذا الموضوع منكم اهتمامًا كبيرًا، فالفن السينمائي أداة خطيرة في تشكيل وتوجيه عقل المشاهد كما سبق توضيحه، وإن هوليوود لا تختلف في شيء عن البيت الأبيض في محاولة تأثيرهما العالمي فهذا يوجه العالم سياسيًا وعسكريًا، وتلك توجه العالم أخلاقيًا واجتماعيًا وثقافيًا بل وسياسيًا أيضًا.
وكلمة أخيرة، أليس من العيب علينا . نحن المسلمين الذين صنعنا أعظم حضارات الدنيا - الا نوجد البديل الإسلامي لهذا الكم الهائل من الأفلام والمسلسلات التي تغزو عقول المسلمين وهم في داخل بيوتهم؟!
ونحن نعتقد أن نجاح مؤسسة السينما الإسلامية المقترحة سوف يدفع بآخرين إلى إنشاء مثيلات منافسة لها تدعم خيارات التنوع الجاد في العمل السينمائي الإسلامي من جهة ومن جهة أخرى سيدفع نجاحها كذلك مؤسسات الإنتاج السينمائية التجارية الأخرى إلى التوجه نحو تحسين إنتاجها على مستوى المضمون والنوعية..
نجدت كاظم لاطة 

المفكر د. أحمد صدقي الدجاني لـ المجتمع: الانتفاضة .. تعني أن الأمة أمسكت بالقضية من جديد
حاوره: إدريس الكنبوري


الدكتور أحمد صدقي الدجاني مفكر فلسطيني، له عدة مؤلفات ودراسات حول قضية فلسطين والأقصى والمشروع الأمريكي الصهيوني في المنطقة، كما أن له حضورًا واسعًا في القضايا الثقافية بوجه عام. التقيناه في الرباط مؤخرًا أثناء انعقاد مؤتمر المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة وأجرينا معه الحوار التالي:
•    في رأيكم... ما العوائق التي تحول دون حوار مثمر بين الحضارات في عالم متغير كعالمنا اليوم؟
o    لا أستطيع أن أستهل الحديث عن حوار الحضارات دون الحديث عن العوائق، هناك الآن قرار أممي صدر كما نعلم إثر مبادرة من الأمة الإسلامية قام بها الرئيس الإيراني خاتمي، وتبنت الأمم المتحدة هذا القرار وجعلت عام ٢٠٠١م عامًا الحوار الحضارات، فالباب إذن مفتوح، وما هذه الندوة إلا واحدة من الندوات التي تقام من أجل تنفيذ هذا القرار الطموح كبير في هذه القضية. والعملية بدأت، وإذا كان هناك تفكير في العراقيل فهي تتعلق بتفاصيل التنفيذ
•    إذا كان لا بد لكل حوار من نتائج، فما النتائج المتوخاة من الحوار، وهل هناك عوائق في الذهنية الغربية تحول دون هذه النتائج بسبب الرواسب التاريخية أو إرادة الهيمنة؟
o    روح فكرة حوار الحضارات تجعلنا نصمم على خوض هذا الغمار، واضعين نصب أعيننا أن نزيل أي عوائق نفسية، ونحن بخوضنا له لا تبدأ من الصفر، فالحق أن القرن الماضي شهد أشكالًا من الحوار يمكن توظيفها إلى جانبنا لإنجاح حوار الحضارات اليوم. تعلم أنه منذ منتصف القرن العشرين بدأت ظاهرة حوار الأديان، وأنا كتبت كتابًا تطرق إلى هذه التجربة بعنوان مسلمون ومسيحيون في الحضارة الإسلامية، كما شهد العالم، وبالذات في دائرتنا نحن وفي الدائرة الأوروبية في أوائل السبعينيات تجربة الحوار العربي - الأوروبي التي استمرت عدة سنوات. ويومها أسهمنا في التنظير لهذه التجربة وجعلنا من شرائط بدء الحوار ونجاحه توافر شرط الندية إذن. نحن نفترض أن مباشرة هذا الحوار سوف تزيل سوء الفهم المشترك. وسوف تتعود الأطراف المشاركة فيه على قبول سماع وجهة نظر الآخر وتفهمها والبحث عن نقاط اللقاء معه، وفيما يخص حضارتنا الإسلامية، نحن نقدم على الحوار وكلنا ثقة بأنفسنا وبمقاصدنا الطيبة منه.
•    على ذكر الحوار العربي - الأوروبي نلاحظ اليوم كثيرًا من التي تستهدف الوطن العربي والعالم الإسلامي من مثل المتوسطية والشراكة مع أوروبا والشرق أوسطية، هل تعتقدون أن هذه المشروعات هي لتطويق العالم الإسلامي أم هي فضاء الممارسة حوار الحضارات كما يقال؟
o    أميز بين حوار الحضارات، وبين ذلك النوع من الحوارات، سواء كان الحوار العربي - الأوروبي أو الشراكة المتوسطية على صعيد هذا النوع أنا أميز بين الاثنين، وقد كنت كبير التحمس للأول ولكن كانت لي ملاحظات وتحفظات على الثاني في هذا النوع من الحوارات كان نصب أعين أوروبا في بداية الأمر مصالح اقتصادية، كان ذلك هو دافعها في البداية، ولكن حين خضنا التجربة أقنعناها بجدوى النظرة الشاملة، ولذا أدخلوا البعد الثقافي الذي لم يكن موجودًا، وأذكر أني توليت مسؤولية الرئيس العربي المشارك للجنة الثقافة والعمل والشؤون الاجتماعية، وكانت أعمالها غنية مهدت لمفهوم حوار الحضارات.
الشراكة المتوسطية جاءت بعد أن استهدفت القوة المعادية الحوار العربي - الأوروبي، وكان على رأس هذه القوة المعادية الولايات المتحدة والصهيونية العالمية، وحين بدأ مسار مدريد ومحاولة فرض نظام الشرق أوسطية رأت أوروبا التي تحتاج إلى هذا الحوار السياسي معنا أن تؤسس مشروع الشراكة المتوسطية، وتدخل الكيان الصهيوني الاستعماري فيها، ولكنها كما رأينا تعثرت، وللأسف هجرت أوروبا الصيغة الأولى مع أنها كانت أكثر تلبية لمصالح المنطقتين.
حوار الحضارات كما أتصوره في عالمنا. ينطلق من الاعتراف بوجود حقيقة تعدد الحضارات، وهي ثماني حضارات، ولكل حضارة إسهامها في التاريخ الإنساني، وتميزها في مجال معين، وعلى صعيد القيم التي تدعو إليها الهدف الأول في حوار الحضارات توفير التعارف حتى لا تكون الأحكام قاصرة وغير علمية والهدف الثاني ومن خلال تحقيق التعارف بحث المشكلات المشتركة التي تواجه الإنسانية ككل، والتي لا بد من تعاون كل سكان كوكينا على حلها .. يبدو السؤال هنا: ما الصيغة المناسبة إذن لتحقيق حوار الحضارات فمثلًا الحوار الأوروبي - العربي والشراكة حوار رسمي بين دول، في حوار الحضارات يتجاوز الأمر ذلك إلى ضرورة بروز أهل الرأي في مختلف المجالات لكي يلتقوا ويقدموا رؤاهم الحضارية، ومن هنا أتوقع أن يبذل جهد في تهيئة أطر الحوار، وهنا يكون للمجتمع المدني حسب المصطلح الحديث والمنظمات الأهلية دورها إلى جانب دور الحكومات، بل لعلها تأخذ نصيبًا أوفى، دون أن نستثني جهد الحكومات، بل هو يحقق التكامل. أضرب مثلًا على ذلك بعض المحافل التي شاركت فيها، فقد نظم فرع اليونسكو في برشلونة حوارًا غنيًا تحت عنوان الدين وثقافة السلام في دورتين، وأذكر أن جمعية التربية الكوكبية، في نيويورك نظمت أيضا ندوة حول الدين والنظام العالمي، وبحثت كيف تكون هناك اخلاق كوكبية، وكيف تقارب موضوعات حقوق الإنسان والهوية والبيئة وغير ذلك. أعترف بأن البحث عن صيغ المباشرة حوار الحضارات موضوع ملح ويقتضي إمعان فكر لتكون الصيغة والإطار مناسبين لإنجاح هذه العملية.

•    كيف إذن تنظرون إلى إمكانية هذا الأمر: تشكيل نظام عالمي عادل تسوده القيم؟
o    هناك خطوة أولى هي بلورة هذه القيم، وذلك من خلال الحوار والحق أن الإمكانية قائمة، لأن مختلف الحضارات تلتقي على كثير من هذه القيم. والخطوة الثانية تكون بتعبئة القوى في مختلف الحضارات المواجهة الخلل الكبير في النظام العالمي القائم الناجم عن تحكم قطب واحد، وهذا القطب تحكمه نظرات عنصرية، والمثل الصارخ الذي نراه حاليًا في فلسطين المحتلة، وتفاصيله موجودة أمام كل الناس. وهذا الخلل يجعلنا نلاحظ وجود قانون دولي لا تتقيد به دولة كبرى، بل هي خارجة عنه وتريد أن تحكم قانونها الخاص، إذا عبانا الطاقات فسوف تتعالى أصوات مختلف الجهات التي تدين ذلك، وبعد هذا تسعى إلى إطار يجمعها، لتكون قوة مؤثرة، وأضرب مثلًا على ذلك بما حدث بعد الحرب العالمية الثانية وبروز خطر الفناء بالسلاح النووي حيث تداعى عدد من المفكرين الغربيين ليعلنوا صرختهم ضد الحرب، وضد الأسلحة النووية. حدث بعض النجاح ولم يحدث البعض الآخر في محاولة القضاء على أسلحة الدمار الشامل وفي استمرار انتهاك البيئة وفي غيرها من المشكلات. إذن الأمر يقتضي أن تلتقي كل الجهود وتشكل رأيًا عالميًا قويًا.
•    ظهرت مؤخرًا حركات عالمية للاحتجاج ضد العولمة وضد الهيمنة الأمريكية في أوروبا وآسيا، ومثال ذلك قضية نظام الدفاع الصاروخي الأمريكي، هل يبشر هذا في نظركم بإعادة تشكيل النظام العالمي القائم وفرز أقطاب جدد؟
o    الحق أن علينا أن نميز بين العولمة والعالمية فالعولمة وثيقة الصلة بثورة الاتصالات والمؤاخذة عليها كما عند الكثيرين أن فيها محاولة فرض وإكراه وإجبار، وإلا فالعالمية مرحب بها محاولة الإكراه والفرض والإجبار تأتي بردود أفعال، لقد بدأ الكثيرون يشعرون بخطر تطبيقات العولمة، ومن هنا أرادوا أن يرفعوا أصواتهم ويحتجوا، وواثق أنا من أن هذه الحركة سوف تتنامى، لأنه كلما زادت قوى الهيمنة في بغيها زاد توق الإنسانية إلى تحقيق التوازن والقضاء على أشكال الطغيان والبغي بقي أنه من المهم أن تدرس هذه الحركات وأن نعبر نحن في دائرتنا عن رفضنا لفرض العولمة التي يقف وراءها البغاة الطغاة، ولكني من المدرسة التي تقول إن في عصر العولمة ما ينبغي التعامل معه ولا ينبغي أن نقف موقفًا لا يميز بين ما هو إيجابي فيه وما هو سلبي.
•    كيف يمكن للعرب والمسلمين ربح رهان العولمة وتوقي سلبياتها؟
o    كما قلت في البداية يجب أن نفهم عصرنا ونتعرف بدقة على حقيقة هذه العولمة وعلى طبيعة ما أسميته بعصر العولمة، وثانيًا ترتيب بيتنا في الدائرتين العربية والإسلامية، لأن في بيتنا خللًا كبيرًا، بحيث ننجح على المستويين الرسمي والشعبي في تحقيق التماسك من خلال تقوية الأواصر، ليكون لنا مكان في عالمنا، عندها نفرض التعامل على مستوى الندية مع الآخرين، وعندها نكون قادرين على أن ندافع عن القيم العليا التي ننادي بها وأولها القضاء على العنصرية وإقامة السلام والحفاظ على حقوق الإنسان الذي كرمه الله، وهي كلها قضايا يشترك آخرون معنا فيها.
•    نعود إلى قضية المتوسطية، البعض يرى في هذين المشروعين محاولة لتسويق الكيان الصهيوني في المنطقة العربية والإسلامية، بدليل وجود هذا الكيان في المنظومتين، ما تحليلكم للأبعاد الخطيرة للمشروعين على هذا الصعيد؟
o    كما أشرت أراد الأوروبيون - تلبية لمصالحهم - أن يطرحوا صيغة ولكنها ملفقة فوجدوا مكانًا للكيان الصهيوني فيها، أما الشرق أوسطية فهذه هي الكفر بعينه، وهي مشروع متكامل قامت قوى الهيمنة الأمريكية مع الصهيونية العالمية برسمه الهدف منه هو التحكم تمامًا في دائرتنا الحضارية الإسلامية، وجعل الكيان الصهيوني هو القيادة للمنطقة ككل، وقد تعبوا في التنظير والتخطيط له، بحيث يصبح هذا النظام من خلال هذا الكيان العنصري متحكمًا في الأمور الخمسة الاقتصاد والسلاح وأنظمة الحكم والمال والمياه، وذلك من خلال التحكم في مناهج التربية والتعليم، والتحكم في الزراعة، وفي عمليات التمويل ككل، والحق أن تصدينا لهذا النظام يقدم مثالًا المنطق الفعل وإرادة الفعل والقدرة على الفعل وأقول دائمًا إن التحدي بدأ بنخبة قليلة من أهل الرأي والفكر، خاطبوا أمتهم، وكشفوا مخطط هذا النظام الخبيث الاستعماري الصهيوني، ثم كافحوا بقوة في المحافل العلمية حتى أمكن محاصرته وبعد أن كان رافعًا رأسه يريد التغلغل من خلال المؤتمرات الاقتصادية، إذا به بعد أربع سنوات لا يستطيع أن يعقد أي مؤتمر جديد، ثم كانت هناك التعبئة القوية من أجل إعادة الاعتبار لمفهوم التحرير، الذي كان قد جرت محاولة طمسه من خلال الاتفاقات التي تلت مسار مدريد وأوسلو ولكنك ترى الآن رأي العين كيف أن شعار التحرير ارتفع من جديد، وكيف حقق انتصاراً في جنوب لبنان له ما بعده، وكيف يتبناه الآن شعبنا بكامله ليصل بإذن الله إلى تحرير فلسطين وبيت المقدس.

الأمة أمسكت بالقضية من جديد
•    نلاحظ اليوم فشل المراهنات على عمليات السلام، ونرى تناميًا في خطاب المقاومة والتحرير، مع الانتفاضة، هل يمكن القول إن عهدًا جديدًا في القضية الفلسطينية قد بدأ لتبني خيار النضال والمقاومة؟
o    الحق أنني لم أقبل مصطلح السلام هذا، وأسميها عملية التسوية التي أطلقت عليها الولايات المتحدة اسم سلام الشرق الأوسط وما هي بسلام، ومنذ اليوم الأول لإطلاقها في مدريد استمر العنف والعدوان الصهيوني، هذه نقطة النقطة الثانية أن الشعوب بطبيعتها ويفعل مجموعة عوامل تتيح الفرصة لأي تجربة أن تأخذ مداها حتى تتحقق منها، ويكون عادة في مثل هذه التجارب التي يقوم بها الطغاة إعلان ترويج يساندها . أمتنا وشعبنا الفلسطيني جزء منها. تابعت الأمر، وأعطته فرصته المحدودة، ثم تأكد لها أن المسار لا يستقيم إلا بالاعتصام بالمقاومة ولذلك ارتفع هذا الشعار، وأثمر ما أثمر في جنوب لبنان وها هو يشق طريقه في فلسطين على الرغم من كل المعاناة، إن الأمة أمسكت بالقضية من جديد، صحيح أن تعبيرات الأمة لم تصل بعد في فعلها إلى ما نريد، ولكني واثق أن الأيام ستصل بها إلى ما تريد.
•    ما مسؤوليات الأمة، أنظمة وشعوبًا تجاه قضية فلسطين اليوم والانتفاضة بالذات؟
o    في كتاباتي التي تابعت فيها الانتفاضة وآخرها انتفاضة الأقصى وتفجر الحل العنصري. اخترت هذا العنوان رابطًا إياه بكتاب سبقه هو أزمة الحل العنصري، وبكتابي الأول ولا للحل العنصري وأنا أترقب يومًا ينتهي فيه هذا الحل العنصري. الواقع أنني أبرزت نوعين من المسؤولية النهوض بالمسؤولية الفردية والنهوض بالمسؤولية الجماعية وكذلك المسؤولية الشعبية والمسؤولية الرسمية، وأنا أركز كثيرًا على المسؤولية الفردية، فكل واحد منا في هذه الأمة مسؤول أن ينظر بنفسه كيف يمارس المقاومة ضد قوى الهيمنة والصهيونية، قد يكون قادرًا على أن يقاطع وأن يرفض التطبيع ويقاومه، وقد يكون قادرًا على أن يتكلم أحيانا، أو أن ينظر بعينيه شررًا ضد هذه الممارسات كل منا مسؤول أن يدرس وأن يكتشف كيف يعبر، لابد أن نصل عبر النهوض بهذه المسؤولية الفردية والجماعية بالولايات المتحدة إلى أن تراجع استراتيجيتها وأن تدرك أنها لا يمكن أن تنجح إذا استمرت في مواجهتنا بالعداء. ولا بد لها من أن تغيير استراتيجيتها بعد هذه المراجعة بحيث تصل بالاقتناع إلى أن الكيان الصهيوني عب استراتيجي عليها وليس ركيزة استراتيجية لها، هذا يقتضي النهوض بالمسؤولية الفردية، أما المسؤولية الجماعية فأشكالها كثيرة، ومن هنا ستصل إلى المسؤولية على مستوى الحكومات، وما انعقاد القمة العربية إلا الخطوة الأولى، وما فتح ملف العلاقات الصهيونية الأمريكية في قمة عمان إلا خطوة أخرى وما الإشارات التي ظهرت على المستوى الرسمي هنا وهناك إلا خطوة ثالثة، فإذن علينا أن تتابع حتى تصل بقوى الهيمنة إلى أن تراجع سياستها جذريًا.

الرابط المختصر :