; أبخازيا جرح المسلمين الدامي في القوقاز «1 من 2» | مجلة المجتمع

العنوان أبخازيا جرح المسلمين الدامي في القوقاز «1 من 2»

الكاتب مراسلو المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 25-يناير-1994

مشاهدات 83

نشر في العدد 1085

نشر في الصفحة 30

الثلاثاء 25-يناير-1994

دراسة أعدها «للمجتمع»: عماد سليم (1)

بالرغم من تأجج الصراع في مناطق مختلفة من العالم، ولكن تبقى جمهوريات الاتحاد السوفيتي السابق هي الأكثر خطورة وأهمية، خاصة الإسلامية منها، تفوق خطورتها خطورة بقية المناطق، خصوصًا مع سيطرة الغرب على بؤر التوتر الأخرى سواء في المناطق العربية أو الشرق الأوسط بصورة عامة، أما جمهوريات الاتحاد السوفيتي المستقلة حديثًا فالصراع فيها وحولها له بعد آخر ويتسم بالكثير من المخاطر التي تجعل القرار فيها أمرًا صعبًا وغير مؤكد نظرًا للتركيبة المعقدة لشعوب تلك المناطق والتناقضات والمؤهلات التي تحملها، مما يجعل الاحتمالات حول مستقبل القضية متعددة وشائكة، وهذه ميزة تجعل المعركة ذات جولات متعددة والصراع فيها طويلاً، مما يعطي فرصة للخاسر بأن يعيد حساباته ويفكر جليًا ومليًا في القضية.

قراءة في تاريخ مظلوم

منطقة القفقاس واحدة من المناطق الاستراتيجية المهمة التي تضم شعوبًا مختلفة دخلت إلى الإسلام في عهد الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه وما بعده، حيث أرسل عمر بن الخطاب رضي الله عنه القائد عياض بن غنم سنة 19 هـ لفتح بلاد الأرمن والكرج «جورجيا»، وتم فتح مناطق القفقاس على يد قادة المسلمين الآخرين أمثال الصحابي الجليل حذيفة بن اليمان، وعتبة بن فرقد السلمي ففتحت أذربيجان الإيرانية والسوفيتية وإقليم آران، وقد خضعت مناطق كبيرة من القوقاس للحكم الإسلامي حيث وصل الإسلام إلى الحدود الشمالية للقوقاز في سنة 24 هـ.

واستمر الحكم الإسلامي في تلك المناطق فدخل أهلها في الإسلام طواعية أفواجًا، وبقي الحال على ما هو عليه في العهد الأموي والعباسي، وكانت هناك عدة دويلات نصرانية تدفع الجزية للخلافة الأموية، وأشهرها حكومة الأسرة البكراطية الكرجية «من جمهورية جورجيا الحالية». والأبخاز الذين يسكنون شمال غرب القوقاز، أبدوا خضوعهم للدولة الأموية، وكانوا يدفعون الجزية حالهم حال الأسرة البكراطية التي كانت تحكمهم، ونتيجة لاختلاطهم بالمسلمين الذين كانوا يتحلون بالخلق الإسلامي الرفيع من تسامح وحسن معاملة، تحول سكان أبخازيا إلى الإسلام ببطء، ثم ظهر هذا التحول بصورة أكبر وأشمل أيام الخلافة العثمانية.

الروس يحتلون القوقاز

وفي القرن الثامن الميلادي أسس الأبخاز دولة قوية، استمرت حتى القرن الثالث عشر حيث احتل بلادهم «جلال الدين خوارزمشاه»، ثم احتل بلادهم بعد ذلك المغول، واستمرت سيطرة الغزاة على بلاد الأباظة إلى أن فتحها السلطان العثماني محمد الفاتح، فأصبحت أباظيا جزءًا من الدولة العثمانية وذلك عام 1455م، فأحب الأباظة الدولة العثمانية ودانوا لها بالولاء، وبقي الحال على ما هو عليه حتى القرن التاسع عشر الميلادي حيث تحركت روسيا القيصرية نحو المياه الدافئة، فكان من الضروري أن يتم الاستيلاء على بلاد القوقاز كلها، فاحتل الروسي «صوخوم» عاصمة بلاد الأبخاز، حيث كانت تسمى بهذا الاسم، أما اليوم فيطلق عليها «سوخومي».

في هذه الفترة قدم الأبخاز صورًا رائعة في البطولة والتضحية وكان معهم الشركس، فقاوموا الروس بكل رجولة وإقدام وقاومت شعوب القوقاز المسلمة كلها الاحتلال الروسي القيصري، فالداغستان والشيشان وغيرهما من الشعوب قاوموا مقاومة بطولية يشهدها تاريخهم الحافل، لكن من كل هذا احتل الروس بلاد القوقاز.

جرائم الروس ضد الأبخاز

جيوش الروس المتوحشة فعلت الأفاعيل بشعب الأبخاز بين قتل جماعي بصورة وحشية، وتشريد، واضطهاد، وخصوصًا بعد أن قاوم شعب القوقاز مقاومة إسلامية قوية، يذكرها الكاتب التركي «مصطفى نجاتي أوزفاطورا» حيث يقول: «إن الشعوب المسلمة في القوقاز صنعت أعظم حرب عصابات في تاريخ البشر ضد القوات الروسية» (1877م- 1878م)، هي تحرير العاصمة سوخومي من الاحتلال الروسي، حيث قام 1200 مجاهد أبخازي بتحرير مدينتهم وإبداء المقاومة الباسلة لمدة أربعة أشهر، ولكن لانعدام المؤن والإمدادات تمكن الروس من إعادة احتلال المدينة.

ونستطيع أن نقول إن شعب الأباظة خسر نصف عدده من جراء الهجمات الروسية وهاجر منهم الآلاف إلى تركيا والبلدان العربية، بعدها عمل الروس على تطهير البلاد من الأبخازيين وتوطين الجورجيين مكانهم.

لقد هجّرت روسيا أعدادًا كبيرة من الروس إلى أبخازيا ووطنتهم فيها فبلغت نسبتهم 15%، وخسر شعب الأبخاز نصف عدده في الحروب العثمانية الروسية كما قلنا، والنصف الباقي هاجر منه 70% إلى أرجاء العالم الإسلامي، فأصبح الأبخاز يمثلون أقلية في بلادهم بعدما كانوا هم الأغلبية.

واستمرت سياسة القمع والتطهير القومي والعرقي على هذا المنوال حتى جاءت الثورة البلشفية في عام 1917م ففعل البلاشفة ما لم يفعله القياصرة في شعوب المنطقة، فعمل ستالين وأتباعه على تقسيم القوقاز وبقية البلدان بأسلوب غريب وظالم من أجل تفتيت المسلمين وضمان عدم تكرار الثورات السابقة التي قام بها أهل القوقاز ضد روسيا القيصرية وروسيا البلشفية، فالقوقاز مقسمة إلى أربعة عشر قسمًا وهم إما من الكرج أو الأرمن أو الأتراك أو الشراكسة، وينتمي الأبخاز إلى طائفة الشراكسة الذين يتكونون من مجموعة من القبائل، وقد أطلق عليهم التتار هذا الاسم وتعني «الجندي البارع».

الموقع الجغرافي وأهميته الإستراتيجية

جغرافيًا تتبع أبخازيا جمهورية جورجيا الاتحادية، ويطلق على أبخازيا عدة مسميات أخرى مثل «أباظيا» أو «أبادغل» وتعني أرض الروح باللغة العربية، يبلغ عدد الأبخاز فيها 100 ألف نسمة، وتبلغ مساحة أبخازيا 7800 كيلومتر مربع، تشرف عليها جبال القوقاز من جهة، ويحتضنها البحر من جهة أخرى، ويطلق عليها أيضًا لؤلؤة البحر الأسود حيث تقع أبخازيا على الساحل الشرقي للبحر الأسود، لذا فإنها تتمتع بموقع جغرافي إستراتيجي مهم جدًا، وقد كانت سابقًا تقع ضمن طريق الحرير الشهير تاريخيًا والذي كان يمتد من حدود الصين حتى إيطاليا.

من أهم مدنها العاصمة سوخومي، والتي يطلق عليها العرب القدماء «صوخوم»، ومدينة جوداتار التي يبلغ عدد سكانها خمسة وثلاثين ألف نسمة، ومدينة جاجرا التي يبلغ عدد سكانها ثمانين ألف نسمة، ونظرًا للموقع الجغرافي الحيوي لأبخازيا فقد ظلت بلادهم عرضة للسلب والنهب والاستيلاء الاستعماري، فكان لابد من أن يضحي شعب الأبخاز ويدافع عن بلده، فنشأ شعب الأبخاز محبًا للبطولة والتضحية والفداء، حيث يتميز شعب الأبخاز بحبه للحرية وكراهية الظلم، كما يتميز الأبخازيون بقوة الشخصية والبنية الجسمية، وهم على مر العصور يتفاخرون بأمجادهم وبطولاتهم ويقيمون الاحتفالات السنوية اعتزازًا بأبطالهم القدامى.

أهمية القوقاز الاستراتيجية

إن أهمية منطقة القوقاز الجغرافية الاستراتيجية جعلت روسيا تضع نصب عينيها الاحتفاظ بوحدة تلك المنطقة وضمان بقائها تحت السيطرة الروسية وذلك لعدة أسباب:

1- إن شعوب منطقة القوقاز بمجموعها واختلاف قومياتها تمثل مجالاً خصبًا للاحتكاك المباشر مع شعوب أخرى مجاورة للاتحاد السوفيتي مثل الشعب الإيراني، والتركي وبالذات الشعوب الإسلامية في القوقاز والتي تشترك مع هذه الدول بروابط دينية وحضارية وثقافية مشتركة، كما أن شعوب القوقاز المسلمة تنظر إلى الدول العربية على أنها مثل أعلى بالنسبة للالتزام بالدين الإسلامي، لذلك فالعلاقة الجيدة التي تسعى روسيا لتوطيدها مع شعوب القوقاز والسيطرة المركزية عليها يهدف إلى ضمانين: أولهما ألا تقوم هذه الشعوب ضد روسيا بتحريض من الجيران، وثانيهما: أن تكون تلك الشعوب واسطة خير بين روسيا وتلك البلدان، حيث إن روسيا لا يسعها اليوم توسيع خلافاتها السياسية مع دول الجوار وبذلك تبني علاقات متميزة مع تركيا خصوصًا، ثم تسعى إلى بناء ميناء إستراتيجي وحيوي في سوخومي من شأنه تقديم خدمات كبيرة للتجارة والاقتصاد الروسي.

2- إن منطقة القوقاز والتي تتألف من أذربيجان وأرمينيا وجورجيا، تشكل بمجموعها سدًا طبيعيًا من الجبال الوعرة الممتدة ما بين البحر الأسود الذي تطل عليه جورجيا وأبخازيا وبحر قزوين الذي تطل عليه أذربيجان وعاصمتها «باكو»، لذلك فأهمية المنطقة ضاربة في عمق التاريخ حيث كانت منطقة القوقاز سدًا منيعًا يحمي روسيا من الغزاة القادمين من الشمال، وخير مثال على ذلك ما حدث للقوات الألمانية في الحرب العالمية الثانية، حيث قامت الشعوب الإسلامية الشيشان- الشركس- الأبخاز بصد الهجوم الألماني وكان لهم دور تاريخي وبطولات مشهودة، إضافة إلى ذلك تعد منطقة القوقاز بوابة الأمان لحماية روسيا من الجيوش القادمة من جهة الجنوب، وحدًا فاصلاً بين روسيا من جهة تركيا والشرق الأوسط من جهة أخرى.

وهكذا نرى أنه من الطبيعي أن تضع روسيا يدها على المنطقة وتشرد شعوبها التي تحاول الانفصال، وستبقى روسيا تعمل جاهدة من أجل الاحتفاظ بمنطقة القوقاز تابعة دائمًا لها، وكلنا يذكر كيف أرسلت روسيا بقواتها إلى جمهورية الشيشان التي كانت تحاول الانفصال والاستقلال، وبالرغم من إعلان يلستين لديمقراطيته المزعومة، وبالرغم من أن الجسد الروسي منهك تمامًا بعد خروجه من حرب باردة أودت بحياة الاتحاد السوفيتي السابق، مع هذا نرى الجيش الروسي يتحرك دائمًا من أجل الحفاظ على المصالح الروسية على الأقل، هذا إذا لم يكن من أجل الحفاظ على شكل الاتحاد السابق، أو عودة الإمبراطورية الروسية من جديد.

3- إن منطقة القوقاز تتحكم بطرق التجارة، فقرب تلك المناطق من موانئ الخليج العربي يجعل روسيا أكثر قربًا من المياه الدافئة، وهذا أفضل من زيادة البعد بين روسيا والخليج العربي بإضافة منطقة وعقبة أخرى تحول بينها وبين الخليج ألا وهي القوقاز.

4- الموارد الاقتصادية المهمة في منطقة القوقاز، كالبترول مثلاً، حيث إن حقول القوقاز البترولية تعد من أهم حقول العالم، حيث تشكل 15% من الاحتياطي العالمي.


أصل البلاء والعقدة الجورجية

«مسمار جحا» لم ينجُ منه شعب من الشعوب الإسلامية التي تقطن جمهورية الاتحاد السوفيتي السابق، فعملية تهجير المسلمين إلى مناطق مختلفة وتوطين نصارى في المناطق الإسلامية من أجل إضعاف الوجود والنفوذ الإسلامي في تلك المناطق، جزء من سياسة ستالين التي تهدف إلى خلخلة التوازن السكاني ودائمًا على حساب المسلمين. والأبخاز جزء من تلك الشعوب التي نالتها هذه السياسة الظالمة، حيث عمل «جوزيف ستالين» ورئيس مخابراته «بيريا» وهما من أصل جورجي إلى توطين آلاف الجورجيين في أبخازيا، وبالمقابل تم إلقاء القبض على آلاف الأبخاز المسلمين وزجهم في السجون، بينما لقي الآلاف حتفهم في مقاصل جماعية، أما التشريد والتهجير القسري فكان هو السلاح الأنجح لدى ستالين، حيث هُجِّر آلاف الأبخاز إلى مجاهل سيبيريا وتم إجبارهم على العمل لصالح الحكومة الروسية.

كل ذلك بحجة أن مسلمي القوقاز، ومن ضمنهم شعب الأبخاز، كانوا متحالفين مع أعدائه (الحلفاء) في الحرب العالمية الثانية، رغم أنهم بعد ذلك تمت تبرئة شعوب المنطقة، ولكن بعد فوات الأوان وتحقيق ما أراد ستالين! نتج عن هذه السياسة فراغ سكاني تم ملؤه بسكان جورجيا، وبذلك ترجحت كفة الجورجيين وأصبح الأغراب أهلاً للبلد، أصبح الأبخاز يمثلون 17% من سكان أبخازيا بعد أن كانوا يمثلون 67% من السكان.

لقد ظلت أبخازيا طوال الحكم الستاليني البائد تحت سيطرة حكومة جورجيا، وبالرغم من حصول أبخازيا على الحكم الذاتي التابع لجورجيا إلا أنه ومن الناحية العملية كان حكمًا مزيفًا، حاله حال بقية الأقاليم والمناطق الأخرى في الاتحاد السوفيتي. وظلت هذه السياسة سارية المفعول خوفًا من حدوث الانفصال ونشوب حروب في المنطقة تكون كفيلة بزعزعة الاستقرار في المناطق الأخرى، حيث اشتهرت منطقة القوقاز بأنها من المناطق الدائمة التوتر في العالم عبر التاريخ، وظلت جورجيا بالذات محط اهتمام الروس من عهد القياصرة وحتى اليوم، حيث كان بطرس الأكبر قيصر روسيا ومصلحها الأعظم يولي اهتمامًا كبيرًا بجورجيا ويقول عنها: «إنها الشوكة الأكثر إيلامًا في خاصرة الإمبراطورية العثمانية».

وجورجيا هي التي أنجبت ستالين الذي أدخل الشيوعية إلى كافة جمهوريات الاتحاد السوفيتي السابق، لكنه عجز عن إدخالها إلى جورجيا، وحتى البرنامج الإصلاحي «البريسترويكا والجلاسنوست» الذي طرحه جورباتشوف والذي أدى إلى تفكيك الاتحاد السوفيتي، كان أحد الذين وقفوا إلى جانب جورباتشوف هو ذلك الجورجي العنيد «شيفرنادزه» الذي كان وزيرًا لخارجية روسيا آنذاك، وهكذا نرى أن جورجيا وأهميتها الجغرافية وطبيعتها المتمردة والمنفتحة نحو الغرب تكاد تكون هي وتاريخها العنيد أيضًا جمهورية مناوئة تحاول ومنذ زمن أن تستقل بنفسها وتمارس دورها في السيطرة على منطقة القوقاز وخصوصًا موانئ البحر الأسود.

فالأبخاز إذن ابتلوا منذ زمن بعيد بالعقدة الجورجية، وظلت هذه العقدة وهذا الظلم والسيطرة الجورجية التي لا تنفك تقتل وتهجر الآلاف وتضيق على أهل أبخازيا الأصليين. وإذا كان الشيوعيون الذين قادوا ثورة 1917م عدوا أباظيا جمهورية سوفيتية حالها حال بقية الجمهوريات، لكن ستالين الجورجي ألحقها بموطنه جورجيا وذلك في عام 1921م فتحولت أبخازيا إلى جيب ملحق بجورجيا، وأصبحت منتجعًا يقضي فيه المسؤولون الشيوعيون عطلاتهم الصيفية، وخلال حكم ستالين منع الأبخاز من التكلم بلغتهم الأم لأكثر من عقد. وبعد موت ستالين تمرد الأبخاز عدة مرات فاستعادوا حقهم في التكلم بلغتهم الأصلية، كما أجبروا السلطات السوفيتية على الموافقة على إنشاء محطة تلفزيونية خاصة بهم، وأغلبية المقاعد في البرلمان الإقليمي، وتحرك الأبخاز بمظاهرات عارمة مطالبين بإنشاء جامعة في أبخازيا، إضافة إلى مطالبتهم بإصدار جريدة باللغة الأبخازية، فأرسلت موسكو زعيم الحزب الشيوعي الجورجي آنذاك «شيفرنادزه» وذلك من أجل إخماد المظاهرات وقمعها بأي شكل من الأشكال، وحينما عرفت موسكو أن مطالب الأبخاز تنحصر في المجالات الثقافية، حققت لهم مطالبهم، فبعد أسبوع واحد عاد لهم شيفرنادزه بقرار الموافقة على إنشاء محطة تلفزيونية في المنطقة تبث باللغة الأبخازية إضافة إلى إنشاء «جامعة» فهدأت المشاعر وعاد الناس إلى حياتهم الطبيعية.

إنك حين تتكلم عن السياسة أو تطالب بأراضٍ جغرافية استراتيجية مهمة، أو تحاول الانفصال عن موسكو لتتحد مع أقاليم أخرى، فهذا يعني الطامة الكبرى بالنسبة لك، هكذا كانت سياسة موسكو مع جمهورياتها الاتحادية، وسواء كانت الجمهورية إسلامية أو غير إسلامية، ستلقى نفس المصير، سيضيق عليك الخناق ولكن إذا كنت مسلمًا، فسيكون مصيرك الطرد أو الموت لا محالة، وليست تضييق الخناق فقط، هذه السياسة جعلت مناطق شعوب القوقاز في حالة غليان مستمر يتحينون الفرصة للقيام بأي عمل انتقامي للانفصال عن روسيا، والتمتع بالحرية التي حرموا منها عقودًا طوالاً.

إن الوضع الجيوسياسي للقوقاز جعل قادة الاتحاد السوفيتي الذين جاءوا بعد ستالين يعملون على التخفيف من حدة التوتر والمعاناة التي لاقتها الشعوب والجماعات الإسلامية بعد انهيار الحالة الاقتصادية والاجتماعية، فاستخدم الروس سياسة التهدئة وطمأنة الشعوب على ثقافتها ومعتقداتها، وبذلك استطاعوا أن يخففوا من حدة التوتر إلى حد ما.

واستمر وضع الأبخاز على ما هو عليه وظلت تبعيتهم لجورجيا، إلى حين إعلان غورباتشوف عن برنامجه الإصلاحي «البيروسترويكا» وذلك عام 1985م فبدأت الشعوب المستعبدة والمقيدة منذ زمن طويل بالتطلع نحو الاستقلال والمطالبة به، حيث بدت لكثير من الشعوب المضطهدة في الاتحاد السوفيتي السابق أن الفرصة مواتية، ونور الحرية بدأ يتسع، وكان أهل أبخازيا من بين هؤلاء المتطلعين نحو الاستقلال، فدعوا إلى استقلال بلادهم في نفس العام (أي 1985م)، وخرجوا في مظاهرات ضخمة تؤيد ذلك المطلب فتصدت القوات السوفيتية للمظاهرات وأردت منهم العديد من القتلى في الشوارع، وذلك في شهر نيسان من ذلك العام، ولم يهدأ الشعب الأبخازي وظل يطالب العودة إلى دستور سنة 1921م والذي كان يعد أبخازيا جمهورية مستقلة بنفسها، وظل شيفرنادزه يلغي هذه المطالب ويقاومها بشدة.

وقبل انهيار الاتحاد السوفيتي عقدت الجبهة القومية للأبخاز في 18 مارس 1989م اجتماعًا تم خلاله إصدار قرار بضرورة عودة أبخازيا إلى ما كانت عليه سنة 1921م وأن تكون العضو رقم 16 في الاتحاد السوفيتي، فكان رد الفعل الجورجي قاسيًا وسريعًا حيث تصدوا للمظاهرات في العاصمة «سوخومي» وذلك في 15- 16 يوليو عام 1989م فلقي 16 شخصًا مصرعهم، وجرح 400 شخص آخرون، ثم ظلت الأمور راكدة كما هي حتى انقلاب أغسطس لعام 1991م، فحصلت الجمهوريات السوفيتية على الاستقلال، فتفجر الصراع القديم من جديد حيث شعر الأبخاز بأن جورجيا استردت هويتها، فلماذا تبقى الهوية الأبخازية مطمورة ومندثرة؟

فجرى التصويت مجددًا في البرلمان الأبخازي على العودة إلى دستور عام 1921م، وإقامة علاقة بين أبخازيا وجورجيا على أساس فيدرالي، واختار الأبخاز الدكتور أردزينبا رئيسًا لهم، في 14/ 4/ 1991م جرى استفتاء شعبي في جورجيا أسفر عن فوز «غامساخورديا» بمنصب الرئاسة دون منافس، وفي يونيو من نفس العام ظهرت سياسته العدائية للمسلمين، فبدأت قراراته الرسمية تهوي على رؤوس الأبخاز بكل قوة، فعزل سائر المسلمين من المناصب الرسمية الحساسة، ووضع مكانهم نصارى، ثم بدأ بوضع برامجه ومشاريعه الرامية إلى إلغاء الحكم الذاتي في أبخازيا، ثم أسقطت المعارضة الرئيس غامساخورديا أواخر عام 1991م، ثم جاء شيفرنادزه إلى سدة الحكم في جورجيا بعد أن أبعد غامساخورديا الذي لجأ بدوره إلى جمهورية الشيشان.

لم يُخفِ شيفرنادزه كرهه وحنقه للأبخاز، وكخطوة أولى ألغى الاستقلال الذاتي للأبخاز سعيًا في المسير بسياسته التوسعية في المنطقة، فقام الأبخاز بإجراء انتخابات حرة تكون على أثرها البرلمان الأبخازي الذي يرأسه الدكتور «أردزينبا» الذي زار بدوره أنقرة «الأخت الكبرى» لتوثيق علاقته معها حيث تتطلع الكثير من الجمهوريات الإسلامية في القوقاز وآسيا الوسطى إلى تركيا وخاصة في هذه الفترة.

بداية الحرب

ما جاء منتصف أغسطس حتى شنت قوات الحكومة الجورجية هجومًا عسكريًا شاملاً بأمر من «داعية الإصلاح» شيفرنادزه، أدى الهجوم إلى احتلال سوخومي العاصمة، ثم توجيه ضربات مدمرة ووحشية لبقية المدن الأبخازية وخصوصًا مدينة جودواتا. ومن الادعاءات التي روج لها شيفرنادزه وبرر بها هجومه على سوخومي هي حماية خطوط المواصلات الحيوية من هجمات رجال غامساخورديا المخلوع، والذي أبدى رغبته باستعادة السلطة في تبليسي عاصمة جورجيا، فلم يبقَ لدى الأبخازيين أي خيار أو بديل إلا الدفاع عن أنفسهم بقوة السلاح، فكونوا جيشًا بسيطًا بأنفسهم واستعادوا زمام المبادرة وتم صد الهجوم.

فأرغموا جورجيا على التراجع والتوصل إلى حلول مقبولة عن طريق الاتفاق على عدم مهاجمة المدينة إلى أن يخرج منها كل المسلحين الأبخاز وألا يدخلها المسلحون الجورجيون، فخرج الأبخاز إلا أن الجورجيين نكثوا بالوعد واحتلوا المدينة، حينها انتهى كل شيء بالنسبة للأبخاز، عرفوا أن عدوهم ظالم وماكر، وأنه يمضي قدمًا لسحق الشعب الأبخازي، ولم يكن ذلك ظنًا أو تحليلاً من أحد، إنما جاء ذلك على لسان وزير الدفاع الجورجي الجنرال كراكاراشفيلي بأنه «على استعداد للتضحية بمائة ألف جندي جورجي من أجل القضاء على الشعب الأبخازي 79 ألفًا»، هذا الحديث عرض على مجلس النواب الروسي الذي أبدى تعاطفه مع الشعب الأبخازي، ليس من أجل أبخازيا بالذات ولكن لمصالح روسيا الخاصة، وسيأتي تفصيل ذلك لاحقًا، والغدر الجورجي هذا كان السبب الرئيسي في فشل الاتفاقيات التي عقدت لاحقًا ومرات عدة بين الطرفين، سواء كان خرق الاتفاق من أبخازيا أو من جورجيا.

الأبخاز وبطرس الأمم المتحدة

قام رئيس مجلس النواب الأبخازي بجهوده الدبلوماسية لعرض القضية الأبخازية على الأمم المتحدة، فأرسل أكثر من عشر برقيات إلى أمينها العام بطرس غالي، كان جواب البرقيات هو الصمت! ونحن نعرف أن السكوت عن شيء إما موافقة عليه أو عجز عنه، فإذا كانت الأمم المتحدة عاجزة عن ردع جورجيا فلماذا تكونت الأمم المتحدة؟ وهذا الأمر أصبح مكشوفًا ومعروفًا لدى العالم حيث أصبح من المؤكد أن هيئة الأمم المتحدة هذه شكلت من أجل تأييد المعتدي دائمًا خاصة إذا كان المعتدى عليه مسلمًا، والأمثلة واضحة وجلية في كثير من قضايا العالم الإسلامي بالذات حيث إن هذه القضايا كشفت عن زيف هذه الهيئة وعن كذب وادعاءات النظام العالمي الجديد، وهذه أمثلة من قضايا العالم الإسلامي المظلومة، البوسنة والهرسك، كشمير، الصومال، طاجيكستان... إلخ. شواهد حية وماثلة للعيان ولا تحتاج إلى شرح بليغ أو خطبة عالم، أما سكون الأمم المتحدة عن الرد فهذا حتمًا مباركة وموافقة للأفعال الجورجية ضد الأبخاز!


(1) قسم البحوث والدراسات «العون الإسلامي العالمي».

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 2

522

الثلاثاء 24-مارس-1970

حول العالم

نشر في العدد 8

580

الثلاثاء 05-مايو-1970

حول العالم - العدد 8