; «جمعية الشمس» تعاود نشاطها.. وتعيد الدفء لتونس وتشع خارج الوطن | مجلة المجتمع

العنوان «جمعية الشمس» تعاود نشاطها.. وتعيد الدفء لتونس وتشع خارج الوطن

الكاتب عبد الباقي خليفة

تاريخ النشر الجمعة 23-مارس-2012

مشاهدات 62

نشر في العدد 1994

نشر في الصفحة 52

الجمعة 23-مارس-2012

عندما انبثق فجر الحرية فاجأت الجمعية الجميع بإبداعها... فأقامت العديد من العروض بعد أن كانت ممنوعة من المشاركة في برامج وزارة الثقافة

جمعية الشمس، فرقة للفن الهادف تأسست عام ۱۹۸۸م، تحمل قضية

المجتمع سواء في تونس أو البلاد العربية، وقد تعرضت إلى عدة مضايقات في العهد البائد، وسجن بعض عناصرها، وعاشت مرارة الحرمان من الحرية مثلما هي حال الكثير من أبناء الشعب التونسي.

وما تختلف فيه شمس، عن عديد الفرق المماثلة هو أنها لم تتوقف نهائيا عن النشاط في سنوات الجمر، كما يسميها المناضلون في تونس، بل واصلوا العمل غير المعلن، بمعنى استمرت في تجربتها ولكن داخل الاستديو الصغير الخاص بها، تضيف وتعدل في الكلمة واللحن والإنتاج. واستطاعت الفرقة أن تثري تجربتها بأشكال مختلفة، وبمستويات متعددة حتى إذا انبثق فجر الحرية، فاجأت الجميع بعنفوانها وقوة مستواها، ولم تغفل في برنامجها ما يعرف بأغنية الطفل، فأقامت العديد من العروض، بعد أن كانت ممنوعة من المشاركة في برامج وزارة الثقافة التونسية سابقا، والتي لم تكن توفر فرصة لهذا النوع من الأداء الفني.

وقال المشرف الفني على جمعية شمس عبد اللطيف النجار لـ المجتمع  كان عملنا على مستوى الطلبة، والحاجة هي التي ولدت فرقة »الشمس» للغناء الملتزم لأن السائد أنذاك كان الغناء المبتذل ولم تكن هناك فسيفساء فنية تعبر عن التعددية الحقيقية التي كانت موجودة في الجامعة والمجتمع التونسي، وكان هناك رؤى الشعراء وموسيقيين ملتزمين تلح على تقديم هذا اللون من الفن الملتزم وكان اجتماعنا الأول بعد بلورة رؤيتنا وبدأت انطلاقة الشمس... لم تكن جمعية الشمس فرقة من الهواة بل بين صفوفها أساتذة للموسيقى، ولدينا عناصر لا تملك شهادات في الموسيقى، ولكنها مدربة ومارست طويلا هذا الفن. 

وحول الإشكال الفقهي، والاختلاف حول استخدام الآلات الموسيقية في الإنشاد والغناء الملتزم، قال: هذه مسألة شرعية خلافية، ونحن كرجال ثقافة وفن، نقدم ما لدينا بكل صدق.. فأغانينا إنسانية تؤمن بقضية واضحة المعالم، ولسنا في حاجة للتفرقة، وإنما للجمع بين أكبر عدد ممكن من الروافد لدعم هذه القضية، وزيادة الإيمان بها والدفاع عنها.

وقبل ذلك نحن حصلنا على دعم فقهي كبير من قبل علماء وفقهاء ومفكرين ودعاة على رأسهم الشيخ يوسف القرضاوي الذي حضر عرضنا الأخير في الدوحة وأعجب به.

التخصص والاحتراف

كانت جمعية الشمس، مجموعة من الشباب التقوا على رؤية فنية موحدة ومن ثم كونوا فرقة الشمس في ثمانينيات القرن الماضي.

يقول عضو الجمعية د. خالد العزاوي اختصاصي مرض الكلى: أول لقاء كان عام ۱۹۸۹م. وفي ۱۹۹۰م قدمنا تسجيلات نادرة أثناء انعقاد مؤتمر الاتحاد العام التونسي للطلبة، وقدمنا فيها بعض قصائد أحمد مطر، ومن بينها قصيدته الثور فر وقد اشتهرت فرقة، الشمس في الجامعة إلى أن ضربت الحركة الطلابية، وضرب الاتحاد العام التونسي للطلبة.. ويتابع استشهد من الفرقة زميلنا الشهيد عامر الداشي وحاصرنا النظام السابق، وأذكر أنه في مهرجان «مقرين» تم تسجيلنا كإحدى الفرق الفنية التي ستغني أمام الجمهور، ولكن ما راعنا أن البوليس السياسي تدخل لمنعنا من الصعود إلى المسرح غير أننا بقينا على الجمهور في دوائر ضيقة، وكان

اتصال الحضور لا يتجاوز المائة فرد على خوف من النظام وزبانيته.

وبعد ذلك توقفنا عن غناء الثور فره ولكننا كنا نغني المراكب، وأنتجنا في هذه الظروف سي دي وكانت أشرطة السي دي من وسائط الاتصال مع الجمهور، وكان ذلك ينطوي على خطورة فائقة، فالذي يوجد لديه شريط «الشمس» يمكن أن يعاقب بـه سنوات سجنًا، وكنا نقوم بيروفات نسميها عروض الشتاء والصيف، نقيمها في منتدى الجاحظ والسليمانية والحمد لله لما قامت الثورة كنا موجودين أمام وزارة الداخلية، وفي قصر المؤتمرات.

الرهبة من الدكتاتورية والجمهور

 الأغنية الملتزمة كلمة صادقة تصل بسهولة إلى قلب كل إنسان صادق

وبخصوص عمل فرقة فنية ملتزمة في ظل نظام يعادي الثقافة ويلاحق الملتزمين أكد العزاوي أن الرهبة من النظام البائد كانت موجودة، ولكننا كنا نقاومها في داخلنا، وهي رهبة يعايشها أي إنسان يعرف أن الطريق فيه أشواك وتحديات وضرائب قد تصل إلى حد الجود بالحياة.

أما الرهبة من الجمهور بعد هذه السنوات الطويلة فيقول عنها: الرهبة من الجمهور حالة دائمة ومستمرة، ويبقى الخوف من الا تنال رضا الجمهور، ففي الدوحة التي أقمنا فيها مؤخرًا حفلًا كانت هناك رهبة، وهناك من بكى من أفراد الفرقة قبل تقديم العرض. مما أثر على المجموعة، وكان دافع تشجيع للتماسك وتقديم أقصى ما يمكن تقديمه من أداء احترافي.. وأضاف: الرهبة من الجمهور تولد الإبداع، وتعكس احترام الفنان للجمهور ونحن نسعى دائما للإتيان بالجديد في كل مناسبة، ومن ذلك أغنية قناص، التي أبكت الجمهور في الدوحة.. أما أماكن إجراء الفرقة لبروفاتها، وكيف كان أفرادها يدبرون شؤونهم الحياتية، فأوضح بأن الفرقة تجري بروفات بشكل أسبوعي، كما نقوم بالتسجيل في الاستديو، وهدفنا ليس ماديا، وكانت الأشرطة التي ننتجها وبعض العروض على غفلة من المخلوع توفر لنا بعض احتياجاتنا. 

وعن أسباب البكاء في الدوحة، قال عضو الجمعية أحمد التابعي البكاء في الدوحة: لأنه لأول مرة في تاريخ الشمس، نقدم عرضًا فنيًا خارج تونس وبشكل رسمي، وقد اختلط في تلك اللحظة الماضي بالحاضر، فهذا وزير الثقافة في قطر يحضر عروضك ويرعاها بعد أن كنت مطاردًا في بلدك، بينما المخلوع الفار المذعور يعيش كثيبًا حسيرًا.

الهوية والتميز

وحول هوية فرقة الشمس، وما إذا كانت فرقة فنية، أو فرقة إنشاد ديني، قال عضو الجمعية بدر الدين في العادة عندما تصنف مثل هذه الفرق تعطى لها صفة النخبوية وأن خطابها موجه للنخبة، وهذا غير صحيح لأن الفرقة الملتزمة منبثقة من الشعب، ومن عامة الشعب لم تكن الأغنية الملتزمة خاصة بنخبة أو طبقة أو عينة من الناس، بل هي موجهة لكل الناس وهم من يحكمون عليها. فهي تدخل في قلوب الناس وترتفع بمستوى الذوق العام.. وواصل حديثه قائلا: لأن الذي لا يؤمن بأن الناس تستهويها الكلمة الملتزمة فهو لا يزال أعمى لا يرى جيدًا، حتى كبار السن عندما يستمعون لأغنية عن فلسطين. تدمع أعينهم الأغنية الملتزمة كلمة صادقة تصل بسهولة إلى قلب كل إنسان صادق. 

وقال عضو الجمعية عمر بوثور، وهو موسيقي وملحن الآلات الموسيقية مثل السكين وغيرها من الأدوات مزدوجة الاستعمال، أي يمكن استخدامها في الخير ويمكن استخدامها في الشر، وقد اتصلنا بالعديد من المشايخ وقالوا لنا: ليس هناك حرج في استخدام الآلات الحديثة في أداء الأغاني الملتزمة، ويمكن أن نعرف الفن الملتزم بأنه أمر بالمعروف ونهي عن المنكر بطريقة ناعمة وكلمة طيبة وصوت شجي.. ونفى بشدة تصنيف فرقة «الشمس» (جمعية حاليا) كونها نسخة من السائد لأن لنا بصمتنا الخاصة، ويمكن القول: إننا لسنا هذا ولا ذاك.

وأردف لنا تجربتنا الخاصة ومقاماتنا الموسيقية، وهناك من تكون منطلقاته دينية ويقدم إنشادًا دينيًا روحيًا صرفًا، وهناك من تكون منطلقاته إسلامية، ولكنه يقدم محتوى فنيا اجتماعيًا سياسيًا جميعنا ينطلق من أرضية واحدة، ويهدف لخدمة الإسلام والمجتمع ولكن بثمار متنوعة.. وعن مستقل «شمس»، أوضح أن الفرقة تسعى لتطوير نفسها أكثر، وتكون متعددة الخدمات الثقافية، وستكون هناك مجموعات تعنى بالطفل والمرأة وتضم فرقة مسرحية. 

فلسطين.. القضية الأم

وعن واقع الفن الملتزم في تونس، وما إذا كانت هناك فرق أخرى وما تأثير الدكتاتورية على الفن الملتزم بين عمر أبو ثور: في فترة الدكتاتورية هناك فرق توقفت عن العمل ولكننا كما سلف استمررنا في عملنا، ومن بين الفرق التي توقفت وتعمل على مواصلة المشوار بعد هذه السنوات الطوال فرقة عشاق الوطن»، و«المرحلة»، وفرقة البحث الموسيقي و أولاد الجنوب، وهناك من يلملم نفسه وبدأ يعود.

وعن مستقبل الفن الملتزم ذكر أن هناك من يقول إن الفن الملتزم لا يظهر سوى في الحديث عن القضايا الكبرى وعن الهموم، نافيًا ذلك الانطباع الخاطئ، لا هذا كنا في السابق نتحدث عن غير صحيح.. الدكتاتور، واليوم نغني عن التأسيس وعن التنمية ووضع الجميع أيديهم في أيدي بعض على مختلف توجهاتهم، وهذه ليست مسؤولية السياسي فحسب، بل الفنان أيضًا.

وقد لاحظت «المجتمع» حضورًا مميزًا للقضية الفلسطينية في أغاني فرقة «الشمس»، وعن ذلك يقول عمر أبو ثور: بالتأكيد تبقى القضية الفلسطينية هي القضية الأم التي تسكن قلوبنا، ولا أخال أنه يوجد تونسي أو عربي أو مسلم قلبه غير مكلوم وينزف دما بسبب فلسطين، ويؤكد أن فلسطين هي القضية الأم، وستبقى كذلك... وعن عامل اللهجة ومدى عرقلته لانتشار فرقة الشمس عربيًا، عاد عبداللطيف النجار ليقول: الشريط الأول كان مناصفة ثلاث أغنيات بالعربية وثلاث باللهجة التونسية والشريط الثاني كذلك، وتابع: نحن أيضًا كنا نظن بأن اللهجة التونسية عائق أمام انتشار بعض أغانينا، ولكن عندما غنينا في الخليج وأمام العديد من أبناء الأقطار العربية فهموا اللهجة التونسية، والبعض يحاول المبالغة في اختلاف اللهجات

وعن المستقبل يختم بالقول: ما دمنا نخلص لله في عملنا ثم للفن وللناس، فالأمل كبير في إشعاع أكبر.

الرابط المختصر :