العنوان نحو قراءة أخرى لـ«النكبة الفلسطينية»
الكاتب إبراهيم أبو الهيجا
تاريخ النشر السبت 24-مايو-2003
مشاهدات 54
نشر في العدد 1552
نشر في الصفحة 24
السبت 24-مايو-2003
سيل الشهداء المتواصل وإصرار كل فلسطيني على حقه في بيته وأرضه يؤكد أن النكبة.. اسم لا يناسب هذا الشعب العظيم
لم يستسلم الشعب الفلسطيني رغم الطعنات التي تلقتها كل ثوراته من الخط الرسمي العربي
مسيرة الصراع مع العدو الصهيوني بحقائقها الواضحة تؤكد أن من السهل هزيمة العدو وكسر شوكته.. أحداث الانتفاضتين الأولى والثانية وانتصار حزب الله في الجنوب اللبناني تثبت ذلك
مشروع المقاومة يستنزف المشروع الصهيوني.. وانتفاضة الأقصى ستقرب الهدف أكثر.. وسندرك جميعًا أن استمرار الجهاد قادر على إزالة هذا الكيان الدخيل ولكن بالصبر وطول النفس
فيما احتفل الكيان الصهيوني بما يسمى بعيد استقلاله الخامس والخمسين خلال الأيام القليلة الماضية علينا أن نتذكر أن هذا الكيان قام على أشلاء الشعب الفلسطيني....
هذه الحقيقة تكاد تتلاشى من الذاكرة في الوقت الذي تبذل فيه جهود مدعومة بالأموال الأمريكية لتعديل المناهج العربية والإسلامية، لمحو هذه الحقيقة حتى من المناهج التاريخية، بل وربما تصوير الفلسطينيين كمعتدين على الحق الصهيوني الذي يحتفل باستقلاله، وكأن الشعب الفلسطيني كان يحتل الأرض الإسرائيلية التي تحررت على أيديهم.
الحال الفلسطيني قبل النكبة، وبعدها مازال واحدًا.. الشهداء تترى، ومظاهر الدمار والقتل والحصار قد تكون واحدة منذ بدء الصراع حتى الآن، حتى في أوج التسوية لم يتوقف العدوان وحتى التسوية كانت ومازالت وهمًا يخفي خلفه وجه القوي الذي يفرض الاستسلام ولا يعطي الحق، حتى وصلنا إلى نقطة كامب ديفيد التي أماطت اللثام عن أقصى ما يمكن أن يعطيه أقصى يساري صهيوني، فانفضح المستور وانكشف زيف التسوية، فتفجرت انتفاضة الأقصى الغاضبة وبدا أن الجميع موحد في بوتقة المقاومة، صحيح أن الأهداف نظريًا مازالت مختلفة لكن حجم الدماء النازفة يوميًا مع استمرار المقاومة يقلص الفجوة ويوضح الرؤية ويؤصل الصراع مع العدو الصهيوني.
واليوم نقف عند حدث مضى بشكل متجدد وحاضر، قد يحوي اسم «النكبة» المرتبط تشريد شعبنا واحتلال أرضنا، لكن هذه المذبحة نتي مازالت مستمرة لا يمكن قياسها فقط بوجه المأساة والحزن، رغم أنها حملت بالأمس واليوم وكل يوم ثقل العذاب الذي يلاحق كل فلسطيني في داخل الوطن أو خارجه، إلا أن تذكرة اليوم علينا أن نقرأها بشكل مغاير فديمومة الصراع واستمرار هذا الشعب بتقديم سيل الشهداء، مع استمرار كل لاجئ بالتأكيد ليل نهار على حقه في بيته وأرضه، كل هذه الحقائق المتأصلة طوال من الصراع تؤكد أن النكبة اسم لا يناسب هذا الشعب العظيم.
نعم.. قد تكون أرقام ونسب اللاجئين الشهداء والمعتقلين والجرحى مفزعة، وحقائق القوة مخيفة، واستمرار الصمت العربي الإسلامي الرسمي محبطًا، واستمرار الصلف الصهيوني المدعوم أمريكيًا بكل سباب البقاء ماليًا وعسكريًا مثبطًا، ولكن هذا التماثل بين الأمس واليوم في صور العدوان وتبدل قوى الهيمنة الداعمة للكيان الصهيوني... مضللة كثيرًا لعدة أسباب مهمة:
أولها: أن الشعب الفلسطيني لم يستسلم وأبقى النار مفتوحة ضد الوجود الصهيوني برغم الطعنات التي تلقتها كل الثورات من الخط الرسمي العربي إلا أنها لم تستكن وكانت تعاود الكرة باستمرار وحتى اتفاقية أوسلو التي عبرت بالأمس عن واقع انهزامي، والتي تكاد تصلح لتكون نكبة ثانية إلا أنها في حقيقة الأمر وبالوجه الآخر هي مسارعة صهيونية نحو إيقاف مؤثرات الانتفاضة الأولى التي بدأت تهز الروح المعنوية الصهيونية في الداخل والمعنى الأخلاقي لوجوده في الخارج حتى لدى الرأي العام الغربي، لهذا كانت أوسلو من زاوية مقابلة تمامًا هي تعبير عن اعتراف صهيوني بالهزيمة.. ولولا تسرع نفر من منظمة التحرير الفلسطينية بالتجاوب مع متطلبات الصهاينة لاستطاعت الانتفاضة أن تحقق الانسحاب من الضفة وغزة دون أن يدفع شعبنا أثمانًا أمنية وسياسية أقساها أن يتحول فلسطيني سجانًا لفلسطيني آخر مقاوم، والأقسى من كل ذلك ما جرى من تسليم لثمانين بالمائة من أرض فلسطين المقدسة وكأنها حق لإسرائيل.
ثانيها: أن ما يقرب من قرن من مفاعيل الصراع أثبتت أن هذا العدو الصهيوني من السهل هزيمته وكسر شوكته، وقد استطاعت أحداث الانتفاضة الأولى وقبلها ملحمة الكرامة أن تثبت ذلك، وجاء الانتصار في الجنوب اللبناني تأكيدًا جليًا لهذه الحقيقة.
والسنوات الطوال التي قدم خلالها الشعب الفلسطيني عشرات الآلاف من الشهداء والجرحى على امتداد تاريخه - وهي بالمناسبة قليلة نسبة لعهود الاستعمار المشابهة - إلا أنها على قلتها استطاعت أن تجعل العدو يذوق مرارة الهزيمة، «فإسرائيل» اليوم دولة في ظاهرها موحدة قوية ولكن خلف صلفها تخفي حقيقة تهرب منها، فهم مشتتون بين علماني ومتدين ويساري ويميني بين شرقي وغربي بين روسي ومغربي، كان بالإمكان أن نقول إنها دولة تظهر فيها تباينات الديمقراطية حول برامج وتفاصيل، ولكن الخلافات أعمق وتزداد وتيرتها باستمرار الصراع، لذا لم يكن مقتل «رابين» حادثًا عابرًا بل هو دليل على صحة ما تذهب إليه، مما يدلل على أن الشعب الفلسطيني بعمقه العربي والإسلامي استطاع أن يستنزف المشروع الصهيوني، والخلاف بينهم يتعدى أثمان ما يمنون به لقاء التسوية مع العرب، بل هو يتناول الهوية والتاريخ والدين الذي بات حضوره في كل تفاصيل الخلاف إذن فمنطق المقاومة يستنزف المشروع الصهيوني ونحن عمليًا نسجل النقاط ضده، وانتفاضة الأقصى الحالية ستقرب الهدف أكثر وسيصرخ شارون ومن خلفه الرأي العام الإسرائيلي لينسحب من الضفة وغزة بأكملها، وبعدها سندرك جميعًا أن استمرار المقاومة قادر على إزالة هذا الكيان الدخيل على هذه المنطقة، ولكن ذلك رهن فقط بالصبر وطول النفس، خاصة أن مقاومتنا مقارنة بتاريخ الاستعمار وحملات الاحتلال ما زالت متواضعة.
ثالثها: كما كان هناك بالأمس قوة داعمة للكيان الصهيوني هي بريطانيا العظمى فاليوم هناك الولايات المتحدة الكبرى التي وصلت إلى أوج صلفها وغرورها، وهذه القوة الكبرى هي اليوم لم تخسر فقط مصداقيتها حتى في تأمين ما هو ظلم -في ذات التسوية- بل هي تفقد أيضًا شرعيتها الدولية مع تحفظنا الشديد على تلك الشرعية - وهي بغرورها وإصرارها على الانفراد والهيمنة تجلب كل يوم لنفسها أعداء جددًا، حتى شركاؤها الغربيون في حماية تلك الحريات المزعومة يتململون منها إذن هذه الدولة العظمى التي يتكئ عليها الكيان الصهيوني هي فاقدة لدورها، مكانتها تتناقص لا تتعاظم وإن كان منحنى قوتها المتألق يخفي ذلك، وقانون سقوط الحضارات يؤكد أنه ما من قوة وصلت إلى أوج قوتها وغرورها إلا بدأت بالانكسار رويدًا رويدًا، كل ذلك يحتاج لقليل من الوقت عندها ستفقد هذه الدولة مكانتها وبالتالي ستفقد «إسرائيل» أساس عمادها وشريان حياتها الوحيد.
رابعها: حقائق القوة والضعف هي أيضًا اليوم ليست واحدة صحيح، أن العدو الصهيوني مازال يملك القوة النووية الرادعة ولكنه ضعيف منها و معنويًا فاقد لأمنه الشخصي، يشعر أكثر من ٨٠% منه أنهم مهددون أو قد يكونون بين الأموات في عمليات استشهادية قادمة، وما فوز شارون إلا ترجمة لهذا الضعف الداخلي العميق معنويًا وأمنيًا.
خامسها: معادلة النظام الرسمي وعلاقته بالشعب العربي لم تعد هي الأخرى واحدة، فعهد الاستبداد والتخاذل الرسمي لم يعد مقبولًا من الشعوب العربية، فثمة جيل وأجيال قادمة أصبحت أكثر وعيًا وأكثر تحديًا، وعهد الحقيقة لم يعد حكرًا على وسائل الإعلام الرسمية التي تريد صوغها كما تشاء.
باختصار شرعية معظم الرسميين من العرب والمسلمين أصبحت مهزوزة ضعيفة لا تملك الصمود لعشر سنوات قادمة، لأن عصر المعلومات وضع كل الحقائق على الطاولة ولا مجال لإخفائها كل الوقت وهذا يرفع من وتيرة التغيير والصحوة لدى الشعوب.
سادسها: معادلة التسوية والوثوق بحلولها هي الأخرى أصبحت ضعيفة متضعضه انكشف زيف السلام المزعوم مع الصهاينة، ولم يعد وجود لمنطق التفاوض ولن يرضى الشعب الفلسطيني بالرجوع لمربع تجاوزته انتفاضة الأقصى مهما زين ذلك.... ومن يريد أن يتأكد فليراجع أحاديث الناس والمفكرين والمثقفين من قبل انتفاضة الأقصى، لقد كان منطق المقاومة وحيدًا ضعيفًا محصورًا في نداء جهة واحدة وكادت أشرعة التسوية أن تأخذ كثيرًا من الناس، ولكن أوهام التسوية تحطمت بعد سنوات من الماكياج الذي أخفى حقيقة اليسار واليمين الصهيوني، واليوم وصلت حلول التسوية عند أهم القضايا اللاجئين والقدس، ورأينا كيف أن ساحة الأقصى فقط كانت كفيلة بفشل ذريع لمفاوضات كامب ديفيد الثانية، أما قضية اللاجئين فهي قضية القضايا التي لا يستطيع أحد التلاعب بها لأن المكان من الممكن أن تتحايل عليه أما قضية الإنسان فهذه معضلة، مهما ابتدعت لها مراكز البحوث الأمريكية من حلول فإنهم عاجزون لأن ثمة قضايا مرتبطة بالإيمان والكرامة وليست بالربح والخسارة هذا ملعب أصحاب المبادئ وهو ما لا يتقنه الأمريكان الذين يتقنون فن التسويات والمساومات والتجارة في كل شيء.
هذه الأسباب الماثلة تؤكد حقائق ناصعة أن ما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة، وعندما تكون الأوطان محتلة فلا يتوقع أحد أن تمنح أو توهب لأهلها وهم نيام.... بل هي تؤخذ بكل ما قدم الشعب من دم وصلابة وصمود، ومن أراد فليقرأ تاريخ الشعب الفلسطيني ومنحنى علاقة التسوية بالمقاومة، بل إن تاريخ الأمم حاضرها وماضيها يؤكد أنه لا يمكن إنتاج وئام وتعايش أو مكان لتسويات مع محتل سلب الأرض وأهلك الحرث والنسل؟
إن النكبات والنكسات التي لا تصادر وعي الشعوب بحقوقها ولا تعني ألبتة أنها علامة هزيمة بتاريخها، بل إن مقاومة الشعب الفلسطيني ومن خلفه مساندة الشعوب العربية والإسلامية المتصدي لظواهر الهيمنة ومحاولات التطبيع أثبتت أن النكبات التي إلمت بنا كانت قادرة على تحفيزنا نحو مزيد من المقاومة وليس العكس، وبذا تكون مناسبة النكبة ورفع العلم الصهيوني في عيد الاستقلال المزعوم فرصة أخرى للتذكير بأن واجب المقاومة والإسناد مازال متواضعًا وقصيرًا، وأمامه مشوار صعب، وسنن التاريخ تؤكد أن التغيرات متبدلة والأيام متداولة، كما أن موازين القوة والضعف ليست على الدوام ثابتة وهذا ما يعطي الأمل..
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل