العنوان القراء يناقشون.. قضية تجسير العلاقة بين الحركة الإسلامية والأنظمة
الكاتب أحد القراء
تاريخ النشر الثلاثاء 10-مايو-1988
مشاهدات 70
نشر في العدد 866
نشر في الصفحة 32
الثلاثاء 10-مايو-1988
▪
المعارضون لتجسير العلاقات يقولون:
• الحوار مع الأنظمة يمثل شرخًا في العقيدة
وعدم وضوح في الرؤية.
• لا بد من الالتصاق بالفقراء والمخلصين
أصحاب القلوب النظيفة.
• اعتداء الأنظمة على حق التشريع جريمة في حق
الله لا تغتفر.
نشرت مجلة
"المجتمع" في عدديها رقم 840، 841 الصادرين بتاريخ 27 أكتوبر، 3 نوفمبر
1987 منتدى فكريًا حول تجسير العلاقة بين الأنظمة والصحوة الإسلامية، شارك فيه عدد
من المفكرين والمهتمين بالقضايا السياسية من الكويت ومصر والسودان، ثم نشرت فيما
بعد مقالات أخرى تناولت الموضوع ذاته، وذلك في عدديها رقم 844، 847. وجاءت خلاصة
هذه المنتديات والمقالات متضاربة في الرأي ما بين مؤيد ومعارض ومُتريِّث.
• يقول الفريق الأول: إن تأسيس الاتصال مع
الحكومات لا بد أن يتم على أسس فضفاضة قابلة للزيادة والنقصان وفق حاجات المرحلة
وقضاياها وملابساتها الزمانية والمكانية، مع تحديد الأهداف الممكنة التحقيق
والعملية على أن تؤخذ بالاعتبار معطيات المرحلة التي يمر بها كل قطر من الأقطار،
على أن يتم أيضًا التحرك ضمن الجمهور بجدية عملية لاستثماره لصالح التحرك
الإسلامي، ويطالب هذا الفريق أيضًا الأنظمة بأن تعيد النظر في العلاقة مع الحركة
الإسلامية بروح منفتحة تنظر من خلالها إلى القوى الإسلامية باعتبارها تيارات وطنية
مخلصة ذات مقاصد إسلامية يمكن لها أن تساهم بجدية ووعي في مشروع بناء الأمة
ومسيرتها الحضارية.
• أما الفريق المعارض، فيطالب الدعاة
بالالتصاق بالفقراء والمخلصين أصحاب القلوب النظيفة، الذين خلت نفوسهم من علائق
الدنيا، وزخارف الحياة، والعمل على تربيتهم، والعيش في همومهم، وحل مشاكلهم، وعدم
مد الجسور مع أصحاب القصور والمترفين؛ لأنه لا فائدة ترجى منهم. ويؤكد هذا الفريق
على أنه من الضعفاء المخلصين برز الأبطال والفاتحون والعلماء والشهداء، وبهم ترسخت
دعوة الرسول الكريم. ويستدرك هذا الفريق، ويقول: إن مد الجسور لأهل القصور يمكن أن
يكون بتكليف الجماعة لا بهوى الأفراد.
• وما بين المعارضين والمؤيدين يبرز فريق آخر
يدعو إلى التريث والروية في الأمر، وبناء هذه العلاقة أو قطعها وفق الثوابت
والمتغيرات، فهو لا يدعو إلى مد هذه الجسور اعتباطًا، وبالمقابل لا يدعو إلى قطع
هذه الجسور، ويدعم هذا الفريق رأيه بمواقف من سيرة المصطفى - صلى الله عليه وسلم -
الذي هادن في مكة والمدينة، وابتُلي في مكة والمدينة، وكانت سياسة الصبر والصمود
أمام الابتلاء تحاذيها سياسة تجنب الابتلاء.
• ومنذ نُشرت هذه المقالات والمنتديات،
والرسائل تنهال علينا من شتى أرجاء العالم الإسلامي، بعضها يؤيد هذا الفريق،
وبعضها يؤيد ذاك، وبعضها يستفسر ويتساءل تساوره بذور الشك والريبة من مثل هذه
القضية. لهذا وإثراء للموضوع قررنا نشر بعض الرسائل على أن نكتفي في عددنا هذا
بنشر بعض رسائل الإخوة القراء، الذين كتبوا إلينا، وهم يقفون في الصف المعارض
لإقامة أي جسور بين الإسلاميين والأنظمة.
ماذا يقول
القراء المعارضون؟
• القارئ عثمان إبراهيم من الكويت كتب يقول:
نهجت مجلة "المجتمع" منذ مطلع السبعينيات نهجًا فكريًا تربويًا منبثقًا
من كتابات المرحوم أبي الأعلى المودودي والإمام الشهيد حسن البنا والشهيد سيد قطب،
وهذا المنهج يقوم على فكرة البراء من الطاغوت وأعوانه، والولاء لله وحزبه، ولو
تفحصنا مقالات "المجتمع" والحوارات والنقاشات، التي نُشرت على صفحات
المجلة في تلك الفترة لبدا لنا، وبكل وضوح أن الحركة الإسلامية كانت مطالبة بألا
تخضع للأنظمة الوضعية، وألا تلتقي معها؛ حفاظًا على فكرة البراء والولاء. وتساءل الأخ
عثمان في ختام رسالته: ألا ترون أن الدعوة لإقامة جسور وحوار مع الأنظمة السياسية،
التي لا تحكم بما أنزل الله، وتحتكم إلى قوانين وضعية مستوردة من الشرق والغرب هو
نوع من التخلي عن فكرة الولاء والبراء؟، والله - تعالى - يقول: ﴿أَفَحُكْمَ
الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ ۚ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ
يُوقِنُونَ﴾ (المائدة:50).
• كما وصلتنا رسالة مطولة من الأخ القارئ «م.
الحسيني» من المملكة العربية السعودية يشرح من خلالها معنى الألوهية والربوبية
والعبودية في الإسلام، ويبين أن من أحق حقوق الربوبية «التشريع»، ومن حقوق
الألوهية علينا نحن البشر الطاعة لهذا التشريع: ﴿شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا
وَصَّىٰ بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ
إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰ ۖ أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا
فِيهِ﴾ (الشورى:13). ويتابع الأخ م. الحسيني قائلًا: نحن اليوم لا نعايش الإسلام
الصحيح، وإنما نعايش إسلامًا تقليديًا عادة وعرفًا، إسلامًا مشوهًا في كل شيء في
العقيدة والنظام والسياسة والاجتماع، وشريعة معطلة بإصرار الأنظمة الحاكمة، فهي
بهذا «أي الأنظمة» تمارس الاعتداء على حقوق الألوهية والربوبية، وتأخذ حق التشريع
لنفسها، وتسن تشريعات وضعية، وتجبر الناس بقوتها وهيمنتها على البلاد باتباع هذه
التشريعات، وهذه بلا شك جريمة في حق الله لا تغتفر، جريمة تقتضي منا نحن أتباع
الحركة الإسلامية أن نعلن الحرب الدائمة على هذه الأنظمة، التي اعتدت على حقوق
الله، وأعطت لنفسها حقوقًا ليست لها، وأين نحن من قوله تعالى: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا
إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ
مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ﴾ (هود:113). ثم يختتم الأخ رسالته بالقول:
إن الحوار مع هذه الأنظمة يمثل شرخًا في العقيدة، وعدم وضوح في الرؤية لهذا الدين،
والله - تعالى - يقول: ﴿لَّا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ
الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ (المجادلة:22)، فكيف بربكم
تريدون أن توادوا قومًا حادوا الله ورسوله؟
• وتقدم رسالة أخرى من الأخ القارئ «ع. نور
الدين» من اليمن الشمالي شروحًا مطولة، ومن تفاسير كثيرة للآية الكريمة: ﴿أَلَمْ
تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا
أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ
أُمِرُوا أَن يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا
بَعِيدًا﴾ (النساء:60). هذه الآية فيها أمر رباني بالكفر بالطاغوت وعدم التحاكم
إليه، والدعاة إلى الله واجبهم هو توعية الناس، واستنهاض هممهم؛ لمقاومة هذا
التحاكم إلى الطاغوت. ويتساءل الأخ القارئ في رسالته فيقول: كيف يستطيع الدعاة أن
يقوموا بهذا الدور في إطار إقامة الجسور والعلاقات مع هذه الأنظمة؟ لا شك أن هذا
عبث لا مبرر له، وسيسألون عنه يوم القيامة، والمستفيد الوحيد منه هو الأنظمة التي
تريد فقط أن تأخذ إقرارًا أو تحصل على سكوت من الحركة الإسلامية بأحقية الأنظمة في
تحاكم الناس إليها، وطلب الحوار، وإقامة الجسور يستدعي الاعتراف بهذه الأنظمة
وإعطائها هذا الحق؟!
• أما القارئ «س. الخالدي» من لبنان فيرى أن
موقف الأنظمة المحلية «الإقليمية» من الحركة الإسلامية ليس موقفًا محليًا صادرًا
عن هذه الأنظمة، وإنما هو موقف عالمي دولي تفرضه الدول العظمى ذات النفوذ، والتي
تتحكم بشكل أو بآخر في مجريات الأمور في دول العالم الثالث وأغلبها دول إسلامية،
ويدلل على رأيه بالقول: إن الحروب والمجاعات والاضطرابات والقلاقل في دول العالم
الثالث هي من صنع الدول العظمى، التي تمارس لعبة الأمم، وما يجري في بلدي لبنان
أكبر دليل على ذلك. ومن هذا المنطلق يرى الأخ الخالدي أن إقامة الحوار مع الأنظمة
المحلية إنما هو حوار يفتقد إلى التوازن؛ لأنه حوار مع طرف لا يملك سلطة اتخاذ
القرار أو تغيير الموقف أو حتى صلاحية تعديل الرأي. وقد تكون الأنظمة الإقليمية
المحلية لا ترغب في خوض غمار المواجهة مع الحركة الإسلامية لو كانت حرة الإرادة،
ولكن طالما أنها مقيدة الإرادة ومضطرة دومًا لأن تخضع وتستجيب للتحذيرات الصادرة
عن الدول العظمى ضد الحركة الإسلامية، فلذلك فإنني لا أرى أن هناك جدوى أو فائدة
من إقامة أي حوار مع هذه الأنظمة، والسبيل الوحيد أمام الحركة الإسلامية هو أن
تبني نفسها في إطار عالمي وليس إقليميًا، وتجعل خصمها هو القوى الدولية صاحبة
القرار في هذه الأيام، وأن تجعل حواراتها أيضًا مع هذه القوى وليس مع القوى
المحلية إن كان ولا بد من إقامة حوار كهذا.
• ويرى قارئ آخر هو الأخ عبد القادر حسين من
الكويت: إن الدعوة لإقامة حوار بين الإسلاميين والأنظمة القائمة ليس مجالها اليوم،
وإن كان لا يعارض من حيث المبدأ إقامة مثل هذا الحوار، فهو يرى أن التوقيت غير
مناسب، حوار اليوم إن حصل سيكون بلا شك حوارًا يتم بين طرفين: طرف ضعيف هو الحركة
الإسلامية، وطرف قوي هو الأنظمة صاحبة السلطة، وهذا الطرف لا بد أن يفرض شروطًا
مزرية وقاسية على الحركة الإسلامية. وإذا ما قال قائل بأن الرسول - صلى الله عليه
وسلم - قد هادن الكفار والمشركين، ووقع معهم اتفاقيات وأجرى حوارات، فأقول: لقد كان
الرسول الكريم في كل اتفاقياته طرفًا قويًا يفاوض من مركز قوة لا من مركز ضعف،
وحتى الأنصار عندما جاءوه؛ كي يبايعوه بايعهم وهو طرف قوي، وضمن لهم الجنة عند
الله إذا ما ضمنوا له الدفاع ونصرة دين الله. وختامًا أقول: إن دعوة تجسير
العلاقات مع الأنظمة دعوة ليس مجالها اليوم، ومن الأفضل للحركة الإسلامية أن تبني
نفسها بناء قويًا وتثبت نفسها على الساحة الإقليمية والدولية قبل أن تدخل في مثل
هذه الحوارات، التي لا مكان فيها للضعفاء.
وختامًا وبعد أن
أوردنا أبرز رسائل الإخوة القراء المعارضين لفكرة إقامة جسور من العلاقات بين
الأنظمة القائمة وأبناء الحركة الإسلامية، فإننا سنقدم في العدد القادم إن شاء
الله تعالى نماذج من رسائل الإخوة المؤيدين لإقامة جسور الحوار بين الطرفين؛
لنُبقي بعدها الباب مفتوحًا أمام أصحاب الفكر والرأي لإثراء الموضوع، وترشيد مسيرة
الدعوة المباركة، وهي تشق طريقها في بحر تكتنفه الأنواء والعواصف، وتحيط به
المؤامرات والمكائد من كل جانب.