العنوان بلد وتاريخ
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 27-فبراير-1990
مشاهدات 73
نشر في العدد 956
نشر في الصفحة 51
الثلاثاء 27-فبراير-1990
بلد لها في
التاريخ السحيق جذور عميقة وفي أعمال القتال والجهاد بأس ونخوة ورجولة.
استعصت على
الآشوريين واقتحموها عدة مرات ولم يدخلوها حتى جهز لهم ملكهم -آشور بانيبال- جيشًا
عظيمًا وافتتحها وفعل بأهلها الأعاجيب حتى إنه كان يسلخ الجلد عن العظم، وما بقي
من أهلها تجمعوا في خارجها واستعدوا وكانوا سببًا في زوال الدولة الآشورية فيما
بعد.
فتحت أبوابها
للمد الإسلامي دون قتال يذكر من أهلها. امتزج في أهلها نخوة البادية ورجولتها
وبأسها لصلتهم القوية بأهلها مع حضارة المدينة. هذا مع ما انضم إليها من مبادئ
الإسلام وإشراقات الإيمان وعزة الدين بعد الفتح الإسلامي.
لم يدخلها
الصليبيون ولما حاولوا اقتحامها وأرادوا دخولها عام 973 هجري مستغلين مرض صاحبها
شهاب الدين محمود خال السلطان صلاح الدين وانشغال نائب دمشق ومن معه من الأمراء في
شؤون بلادهم، وكادوا أن يدخلوها ويأخذوا البلد، تكاتف أهلها وقاتلوهم قتالًا
شديدًا وهزموهم بعون الله بعد 4 أيام وعادوا خاسئين.
وكانت البلد
الساعد الأيمن لنور الدين ومن بعده صلاح الدين وقطز من دولة المماليك، حيث كانت لا
تتخلى جيوشها مع ملكها عن معركة من معارك هؤلاء وكان لها الميمنة دائمًا في جيش
صلاح الدين.
وفي معركة -مرج
العيون- التي ظفر فيها صلاح الدين على الفرنج سنة 575 هجري كان جيش البلد مع ملكها
المظفر تقي الدين عمر قد تغيبوا عنها، حيث أرسلهم صلاح الدين لملاقاة ملك الروم
-قلج أرسلان- الذي جاء بطلب حصن رعنان، وزعم أن نور الدين اغتصبه منه فبعث ملك
الروم 20 ألف مقاتل يحاصرونه فأرسل إليهم صلاح الدين الملك المظفر تقي الدين عمر
في 800 فارس من أهالي هذه البلد، فالتقوا بهم واستقرت يد صلاح الدين على الحكم،
وكان تقي الدين عمر يفتخر بهذه الوقفة وحق له أن يفتخر.
ثم تتابع جهادهم
وقتالهم في حرب الاستقلال عام 1945 حيث انطلقت منها الشرارة في الجهاد التي امتدت
إلى سائر أنحاء البلاد وكان بسببها النصر من الله والاستقلال.
ثم كان الجهاد
في فلسطين عامي 1947-1948 وقبلها ضد الإنجليز، ثم توالى جهادها حيث روت دماء أرض
فلسطين عام 1970 مع الفدائيين وتحت قيادة المجاهد الكبير الشهيد عبد الله عزام،
بتوجيه الشيخ مروان حديد، وأخيرًا روت دماء أبناء بطاح أفغانستان مع المجاهدين ضد
الشيوعيين وكان القدر أن كانوا تحت لواء الشهيد عبد الله عزام.
بلد امتزج أهلها
بعد الفتح الإسلامي بقبائل قيس العربية الذين هم كما قال عنهم صلى الله عليه وسلم:
«إن قيسًا فرسان الله في الأرض» ودخلها وسكن فيها عدد كبير من بني هاشم من آل بيت
رسول الله صلى الله عليه وسلم، وناهيك عن شجاعتهم وإقدامهم إضافة إلى الأكراد والتركمان
وعدد كبير من أهل البادية الذي كان لهم صلة قوية مع المدينة وأبنائها.
بلد السماحة
الدينية تسود فيها حتى أصبحت مضرب مثل في تسامحها، ومراعاة نصارى البلد لمشاعر
جيرانهم المسلمين، وبالعكس يقابل المسلمون الأريحية بمثلها حتى إن نساء النصارى كن
يتحجبن كنساء المسلمين ولا تكاد تعرفهن، ثم بسماحة أهلها مع الطوائف الأخرى
المجاورة لها.
أما بالنسبة
للعلم فقد كانت معقلًا للعلماء العاملين ومصدر إشعاع لغيرها من بلدان المسلمين حتى
إنه وفد إليها في عهد المنصور ناصر الدين محمد بن تقي الدين ما يقرب من 200 عالم
من الفقهاء والنحاة وعلماء اللغة وأصبحت البلد جامعة إسلامية كلها.
وكان فيها من
العلماء على مر التاريخ يشار إليهم بالبنان أمثال: شيخ الشيوخ شرف الدين عبد
العزيز الأنصاري، وابن بكران وقاضي القضاة ابن جماعة وعبد الرحيم البادزي وأحفاده
وابن حجة الحموي والشيخ علوان وغيرهم كثير.
وأخيرًا في هذا
القرن وما قبله العلامة الشيخ سعيد النعسان مفتي البلد وباعث النهضة العلمية فيها،
والشيخ أحمد الشيخ سليم الداعية المتجول، والشيخ فارس الشفعة الفارس المقدام،
والشيخ توفيق الصباغ والشيخ سعيد الجابي محارب الضلالات والبدع، والشيخ عبد الله
الحلاق الداعية المجاهد، والشيخ بشير مراد والشيخ محمد علي المراد رئيس جمعية
العلماء، والشيخ خالد الشفعة ثم العلامة الكبير الشيخ محمد الحامد.
ولا بد في هذا
المضمار أن نشير إلى عالم التصوف والجهاد الشيخ أديب الكيلاني والشيخ سعيد حوى
الداعية المناضل صاحب التآليف والعلم الواسع.
كما أنجبت حماة
الشيخ مروان حديد باعث الجهاد في القرن 20 مع إخوانه من المجاهدين الذين لم يكن
لهم في التاريخ الحديث نظير حسب طبيعة جهادهم.
أمثال عبد
الستار الزعيم وفيصل عناق وبسام أرناؤوط وهشام جمباز وتميم الشققي وأخيه خليل وعمر
جواد ومصطفى خطاب وغيرهم كثير.
بلد تفتح قلبها
وصدرها لكل وافد إليها إلا إذا كان من أصحاب الفساد في الخلق وسوء المعاملة
للمسلمين وما أحسن قول الشيخ سليم بهجت الشهير بتقي الدين المتوفى عام 1317 هجري
عندما زارها وبعد مغادرتها.
حماة اللي ما
مثلها بلد ** لكل دان من الأهلين أو قاص
ترق قلبًا
لأحوال الغريب بها ** حتى نواعيرها
تبكي على العاصي
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل