العنوان السلطة الفلسطينية وسورية تنسيق أم صراع؟
الكاتب محمود الخطيب
تاريخ النشر الثلاثاء 28-ديسمبر-1999
مشاهدات 87
نشر في العدد 1382
نشر في الصفحة 22
الثلاثاء 28-ديسمبر-1999
بين سلطة الحكم الذاتي الفلسطيني وسورية تاريخ من المشاحنات والصدام يجعل مواقف أي منهما بالنسبة للآخر محاطة دومًا بسور من التشكيك والاتهام، ويرجع هذا التاريخ إلى سنوات الحرب الأهلية اللبنانية عندما تدخلت القوات السورية عام ١٩٧٦م لكبح جماح هيمنة القوات الفلسطينية- اللبنانية المشتركة على أكثر من ثلاثة أرباع لبنان. كما أثار توقيع منظمة التحرير لاتفاق أوسلو بطريقة التفافية حفيظة السوريين الذين كانوا يفضلون موقفًا عربيًا موحدًا في مفاوضات مدريد وما تلا ذلك في واشنطن، الأمر الذي زاد من عمق الهوة بين الطرفين.
ثم تلقت المنظمة ضربة قاصمة من جيش الاحتلال الصهيوني أخرجها من لبنان وقضى على قوتها العسكرية وكاد يلغي مبرر وجودها السياسي لولا الانتفاضة الشعبية التي استمرت أكثر من ست سنوات والتي ركبت قيادة منظمة التحرير أمواجها حتى أبحرت بها بعيدًا نحو أوسلو.
أما سورية فظلت قوية في لبنان ونفوذها مهيمنًا على حراك لبنان السياسي، وقد اختلطت الأوراق اللبنانية ومنها ورقة المقاومة في الجنوب بالأوراق السورية الكثيرة وضاعت بينها حتى أصبح الحل على المسار اللبناني تبعًا للإرادة السورية ومرتبطًا ارتباطًا وثيقًا بمطالب الحكومة السورية التي ترى بأنه لا حل لأزمة الاحتلال الصهيوني للبنان إلا بحل شامل لموضوع الجولان.
وكان من شأن ذلك الترابط أن زاد من قوة الموقف السوري التفاوضي، وهو ما سيجعل مسار المفاوضات السورية- الإسرائيلية التي بدأت في واشنطن منتصف الشهر الحالي مميزًا عن المسارات الأخرى التي سبقته.
لكن ذلك لا ينفي وجود علامات استفهام كثيرة تشخص أمام نهج التفاوض العربي- الإسرائيلي والتي تنتهي في العادة لمصلحة دولة الاحتلال الصهيوني على حساب القضية الرئيسة ألا وهي القضية الفلسطينية وقبلها مسألة القدس المحتلة.
وفيما عدا القضية الفلسطينية التي هي لب الصراع العربي- الإسرائيلي فإن النزاعات العربية الأخرى مع دولة الاحتلال الصهيوني تبدو أقل أهمية ويمكن للمفاوض الإسرائيلي تقديم تنازلات أساسية فيها مقابل تسليم عربي بوجود الدولة العبرية على الأرض الفلسطينية ومقابل انفتاح عربي سياسي واقتصادي وثقافي عليها.
ويعني هذا أن حقوق الدول العربية المجاورة لفلسطين والتي أقامت- أو هي في طور إقامة- معاهدات تسوية وعلاقات تطبيعية مع الدولة العبرية يمكن أن تعود لأصحابها، لكن ذلك لن يتم إلا على حساب حقوق الفلسطينيين المشروعة ومقدساتهم التي هي مقدسات كل العرب والمسلمين.
ولا يمكن لوم الفلسطينيين بكل قواهم الشريفة وفصائلهم على جريمة ارتكبتها منظمة التحرير الفلسطينية حين غردت خارج السرب العربي وسمحت لنفسها بأن يستفرد بها العدو الصهيوني في أوسلو، فالمنظمة هي قبل كل شيء صنيعة النظام العربي، وربما يكشف المستقبل القريب حقيقة «مزاعم» الكاتب المصري محمد حسنين هيكل الذي اتهم دولًا عربية بعينها بأنها كانت وراء دفع منظمة التحرير الفلسطينية إلى واجهة تمثيل الشعب الفلسطيني في مؤتمر القمة العربية في الرباط عام ١٩٧٤ حيث كان يجري إعدادها منذ ذلك التاريخ لتقوم بالدور الذي تقوم به حاليًا في ترسيخ قدم الاحتلال الصهيوني في الأرض الفلسطينية المحتلة.
اليوم تشعر السلطة الفلسطينية بالغصة من ظهور السوريين على مسرح التسوية بعد حوالي أربع سنوات من الجمود السياسي، وحتى توقيع اتفاق على المسار السوري خلال الشهور القادمة سيتحتم على المفاوضين الفلسطينيين لعب دور الكومبارس على مسرح التسوية تنهي خلالها الحكومة الإسرائيلية مشاريعها الاستيطانية ومصادرة المساحات التي تريدها من الأرض الفلسطينية على مرأى ومسمع من سلطة الحكم الذاتي، وتعتقد السلطة أن أي تقدم يجري على مسار التفاوض السوري- الإسرائيلي سيعني العودة خطوة إلى الوراء على المسار الفلسطيني أو تجميد المفاوضات بين السلطة وإسرائيل في أحسن الحالات.
والحقيقة التي لا يستطيع أي مراقب أن يتجاهلها هي أن الجنرال باراك ومنذ بداية حملته الانتخابية كان شديد التركيز والحرص على استئناف المفاوضات مع سورية وأعطى لذلك إشارات واضحة على إمكان الانسحاب الكامل من الجولان مقابل تحقيق التسوية الشاملة مع سورية كما وعد بانسحاب قواته من جنوب لبنان خلال عام واحد أي بحلول الصيف القادم. لكنه مقابل ذلك ظل غامضًا فيما يتعلق بسياساته على المسار الفلسطيني ومواقفه من تنفيذ الاتفاقات المرحلية ومفاوضات الوضع النهائي.
ولا يجد باراك ما يضطره إلى تبديل أولوياته وهو ما يجعل الحل مع السلطة الفلسطينية في ذيل جدول أعماله لا تجاهلاً لها فقط باعتبارها لا تشكل في ميزان القوى أكثر من صفر مربع بعد أن وقعت على اعتراف تاريخي بإسرائيل وألقت سلاحها قبل أن تحصل على شيء، وإنما أيضًا لأن النجاح الإسرائيلي على المسارات العربية الأخرى سيضعف من القوة التفاوضية للسلطة الفلسطينية وهي الضعيفة أصلًا وهو ما تخشاه السلطة الآن عندما يسوي السوريون واللبنانيون مشكلاتهم مع الدولة العبرية وتبقى قضايا الحل النهائي بين السلطة وحكومة العدو الصهيوني بدون حل.
على أن الذي أضعف موقف منظمة التحرير ووريثها الحالي سلطة الحكم الذاتي جملة من الأسباب قادتها في نهاية الأمر إلى اتفاقات أقل ما توصف به بأنها بعيدة جدًا عن تحقيق طموحات الشعب الفلسطيني في الحرية والاستقلال الحقيقي، ويمكن إجمال تلك الأسباب بما يلي:
- خروج القوات الفلسطينية من لبنان عام ۱۹۸۲ والقضاء على قوة منظمة التحرير العسكرية حيث تحولت المنظمة إلى لاهثة وراء حل سياسي.
- اندلاع الانتفاضة الشعبية التي قادتها حركة المقاومة الإسلامية «حماس» حيث برزت حماس كقوة سياسية وعسكرية في الأراضي المحتلة على حساب شعبية فصائل منظمة التحرير الفلسطينية وهو ما عجل باندلاق المنظمة في حضن التسوية بأي ثمن.
- حرب الخليج التي انتهت بإعادة ترتيب المنطقة وجلب الوفود العربية إلى مؤتمر مدريد ومن ضمنها وفد منظمة التحرير الفلسطينية.
- العزلة العربية والدولية التي عاشتها وما زالت منظمة التحرير بسبب موقفها غير المفهوم من غزو الجيش العراقي للكويت، ولم يكن أمامها من مخرج من تلك العزلة سوى بالقفز في الحضن الإسرائيلي «!» وهو ما تم في أوسلو.
- تحول المنظمة إلى نظام دكتاتوري على شكل سلطة حكم ذاتي مهمتها الرئيسة وربما الوحيدة قمع الصوت الفلسطيني المقاوم للاحتلال وذلك منذ اليوم الأول لدخولها الأراضي الفلسطينية، الأمر الذي أفقدها شعبيتها وبالتالي قوتها التفاوضية على استرداد حقوق شعبها المغتصبة.
سلوك القيادة الفلسطينية هو الذي قادها وشعبها إلى مصيبة أوسلو، وإذا كانت هذه القيادة هي التي خرجت عن الإجماع العربي في مفاوضات ما قبل أوسلو ۱۹۹۳م فإنه أمر مثير للسخرية أن يدعو أحد مسؤوليها إلى ضرورة عودة التنسيق بين الأطراف العربية في عملية التسوية، أي تنسيق هذا بعد أن أصبحت الدولة العبرية أقرب إلى هذه الأطراف منها إلى بعضها البعض؟!