; خلفيات الموقف الغربي من العدوان الروسي على جمهورية الشيشان | مجلة المجتمع

العنوان خلفيات الموقف الغربي من العدوان الروسي على جمهورية الشيشان

الكاتب إدريس الكنبوري

تاريخ النشر الثلاثاء 15-أغسطس-2000

مشاهدات 53

نشر في العدد 1413

نشر في الصفحة 37

الثلاثاء 15-أغسطس-2000

كشف العدوان الروسي على جمهورية الشيشان المسلمة منذ شهر أغسطس الماضي بوضوح التواطؤ الغربي والأمريكي في هذه الحرب اللاإنسانية التي تجاوزت حدود القوانين والمواثيق الدولية، كما عرى ازدواجية المعايير التي تعتمدها الدول الغربية ومنظمة الأمم المتحدة في تعاطيها مع بؤر التوتر في العالم. 

لكن السؤال: هل العدوان الروسي لم يصل بعد إلى الحد الذي يدخله ضمن السلوكيات الدولية القابلة للتجريم والداعية إلى ضرورة التدخل؟ أم أن هذه الحرب تستجيب في دوافعها أهدافها لمتطلبات الاستراتيجية الغربية نحو شمال القوقاز، وبالتالي لا تتجاوز روسيا كونها أداة في يد الغرب بالمنطقة؟

 تشير كل المعطيات بعد أشهر من الحرب الشنيعة إلى أن الدول الغربية تساند الموقف الروسي وتدعم أهداف الكرملين، سواء ظهرت هذه المساندة جلية في تصريحات المسؤولين الغربيين أم تم تغليفها بعبارات ديبلوماسية مهذبة تعتبر الحرب شأنًا داخليًا لروسيا، ولم تختلف هذه المواقف عن تلك التي ظهرت في الحرب الشيشانية الأولى (١٩٩٤م - ١٩٩٦م).

تحالف مقدس

الحسابات السياسية والاستراتيجية تجعل الموقفين الروسي والغربي من جمهورية الشيشان يلتقيان عند نقطة تقاطع أساسية هي محاربة الخطر الإسلامي وتحديد معالم خارطة أمنية جديدة لأوروبا بشكل يضمن استمرارية نفوذها وتوسيع دائرة تأثيرها عسكريًا وجغرافيًا وقد أبرز تدخل حلف شمال الأطلسي في البلقان في شهر مارس من العام الماضي أهمية الدور الروسي في المنطقة وضرورة البحث عن القواسم المشتركة لضمان التعايش بين موسكو ودول الحلف؛ وذلك على أسس جديدة تعبر عن واقع ما بعد الحرب الباردة وتوازناتها. ورغم أن الدول الغربية عبرت في تصريحات مسؤوليها عما يمكن أن يفهم منه التنديد والاستنكار بالعدوان الروسي على شعب الشيشان، إلا أن تلك التصريحات بقيت في حدود تلك القواسم المشتركة التي تعكس تحالفًا مقدسًا بين الجانبين، فقد ركزت واشنطن على ما أسمته بـ: الإفراط في توجيه الضربات العسكرية للجمهورية المسلمة، وليس على أهداف العمليات العسكرية في ذاتها، كما أيد الرئيس الأمريكي بيل كلينتون هذه الحرب باعتبارها حماية للحدود الروسية ومكافحة للإرهاب، وزادت وزيرة الخارجية الأمريكية مادلين أولبرايت بأنها تساند ملاحقة روسيا لمن أسمتهم بالإرهابيين داخل الشيشان وأعلنت ألمانيا وبريطانيا قبولهما دفاع روسيا عن أراضيها، وركزت ألمانيا فقط على طبيعة الأسلوب الذي تتبعه روسيا، لكن أبرز نقاط الخلاف بين الدول الغربية والولايات المتحدة الأمريكية بالخصوص وبين موسكو تمثلت في حجم القوات الروسية التي دفعت بها موسكو إلى الشيشان وهو موقف يعبر عن رغبة الدول الغربية في الا تتجاوز روسيا أهدافها المعلنة بمحارية الإرهاب الإسلامي، هذه الأهداف التي تدخل في إطار القواسم المشتركة بين الطرفين إلى أهداف أكبر للتوسع في المنطقة وتوسيع دائرة الاتحاد الروسي مما تعتبره الولايات المتحدة خروجاً عن دائرة اللعبة وتهديدًا لموازين القوى في المنطقة، وهذا هو السيناريو نفسه الذي اتبعته دول حلف الأطلسي في كوسوفا فقد ركزت أهدافها بدقة من حيث التوقيت والضربات الجوية؛ بحيث لا ينتصر المسلمون الألبان ولا ينهزم النظام الصربي في يوغوسلافيا، وبما يحفظ التوازنات التي تريدها الولايات المتحدة في البلقان وقد كان الهدف هو تقليم أظفار ميلوسيفيتش حينما تعدى الحدود المسموح بها استراتيجيًا ووقف الاندفاع الصربي المتعدد، وليس وقف الإبادة الجماعية للمسلمين، مادام ذلك يدخل في حيز الأهداف الغربية المعلنة حول الخطر الإسلامي، وهذا بالتأكيد ما لا تريده الولايات المتحدة ولا الدول الغربية مع روسيا في الشيشان.

تفاهم وتقسيم للأدوار

لقد اعتبر حلف الناتو أن دور روسيا بعد نهاية الحرب الباردة يتمثل في منع تحرر المناطق الإسلامية في منطقة آسيا، في إطار تقسيم للأدوار يجعل من روسيا سيدة للمنطقة كحارس ومن الولايات المتحدة الأمريكية كقائد أوحد، وهذا ما يبرر الصمت الأمريكي والغربي المتواطئ على المجازر الوحشية التي تقترفها القوات الروسية في الشيشان والفظاعات البشعة التي لا يزال الإعلام الغربي يكشف كل يوم عن المزيد منها... من مقابر جماعية وتمثيل بالجثث وتعذيب للأحياء قبل تصفيتهم وتجد روسيا في رهانات حلف الأطلسي عليها مناسبة سانحة للمضي في سياسة الإبادة هذه في الوقت الذي يتم التهويل من الأحداث التي تقع في مناطق أخرى من العالم والتي لا ترقى إلى ما يحدث في الشيشان.

لقد أصبحت المنظومة الأمنية الجديدة لأوروبا تبرر كل الانتهاكات والتجاوزات في حق البشرية وهذا ما أكده السكرتير العام لحلف شمال الأطلسي جورج روبرتسون، في تصريحه لمجلة دیر شبيجل، الألمانية مؤخرًا حين قال: «من المستحيل تحقيق الاستراتيجية الأمنية الجديدة في أوروبا دون روسيا واتهم المجاهدين الشيشانيين الذين يدافعون عن أراضيهم بأنهم إرهابيون. 

إن هذه الاعتبارات التي تحكم الموقف الغربي من العدوان الروسي على الشعب الروسي المسلم هي اعتبارات تخص ما يسمونه، البيت الأوروبي. الذي يسعى أصحابه إلى إعادة تنظيمه على ضوء الوقائع والمعطيات الجديدة التي شهدها المسرح الدَّوْليّ في السنوات العشر الأخيرة، لكنَّ التساؤل المطروح هو ما الاعتبارات التي تملي على المسلمين موقف الصمت واللامبالاة والمجاراة؟ إنه تساؤل ملح وجارح، ومع ذلك ينبغي أن يطرح حتَّى ولو لم يكن أحد ينتظر ردًا عليه. 

الرابط المختصر :