العنوان أمانة البلاغ
الكاتب ا. د. عماد الدين خليل
تاريخ النشر السبت 04-مايو-2013
مشاهدات 118
نشر في العدد 2051
نشر في الصفحة 66
السبت 04-مايو-2013
يمكن أن تكون الآية الكريمة: ﴿لّقّدً صَّلًنّا لّهٍمٍ پًقّوًلّ لّعّلَّهٍمً يّتّذّكَّرٍونّ﴾ (القصص: 51)، هي المفتاح، فلقد وصّل الله سبحانه القول إلى البشرية بواسطة أنبيائه الكرام صلوات الله عليهم.
وإذا كانت جهود الأنبياء تتمركز في بقع محدودة من العالم، فإن مسؤولية البلاغ وإيصال «القول» إلى المناطق والبيئات الأكثر اتساعاً تقع على عاتق الأتباع.. والقول هو الهدى والمنهج والصراط الذي وعد به آدم عليه السلام منذ اللحظات الأولى لهبوطه.
وإذ كان الإسلام هو خاتم الرسالات، والدين الذي اكتمل ليكون منهاج البشرية في هذا العالم، والذي قدر له أن يصدّق الديانات السماوية التي سبقته، وأن يهيمن عليها، كان على المنتمين إليه من المسلمين أنفسهم أن يحملوا أمانة البلاغ، وأن يقوموا بمهمة إيصال القول إلى البشرية كافة، وإنها - والحق يقال - مهمة صعبة، ولكننا بقبولنا الانتماء إلى هذا الدين كان علينا أن نتحمل عبئها الثقيل، وإلاّ فهو الحساب العسير.
نحن مسؤولون عن أي بقعة في هذا العالم لم يصلها صوت الإسلام، قرية أم مدينة أم دولة أم قارة.. من ديار الإسكيمو الجليدية في أقصى شمال العالم، وحتى مستنقعات أفريقيا السمراء وغاباتها وسهولها.
وإذا كان ثمة عذر في الماضي في التقصير بأداء هذه المهمة، فإن التطور الأسطوري المدهش لوسائل الاتصال والتناقل المعلوماتي والإعلامي عبر العقدين الأخيرين، قد أسقط كل عذر ووضع المسلمين وجهاً لوجه أمام مهمتهم الأساسية؛ أن يوصلوا القول للبشرية كافة.
النشاط الدعوي لا يكفي، ولابّد أن يرافقه نشاط إعلامي مكثف ومدروس من أجل توظيف ثورة المعلوماتية والإعلامية للمساعدة على أداء المهمة الصعبة وتسريعها وتعميمها. والقرآن الكريم، طبقاً لمعايير العدل الإلهي، لا يحمل المسلمين وحدهم مسؤولية البلاغ، ويسقط تكاليفها كلية عن الأطراف الأخرى، وإنما هو يوزعها بالقسطاس المستقيم على الطرفين معاً فيركز في فطرة الإنسان - ابتداءً - حقيقة الإلوهية وربوبية الله ووحدانيته، لكي لا يعطيه الحجة على إنكارها؛ ﴿وإذً أّخّذّ رّبَكّ مٌن بّنٌي آدّمّ مٌن ظٍهٍورٌهٌمً ذٍرَيَّتّهٍمً وأّشًهّدّهٍمً عّلّى أّنفٍسٌهٌمً ألّسًتٍ بٌرّبَكٍمً قّالٍوا بّلّى شّهٌدًنّا أّن تّقٍولٍوا يّوًمّ القٌيّامّةٌ إنَّا كٍنَّا عّنً هّذّا غّافٌلٌينّ (172) أّوً تّقٍولٍوا إنَّمّا أّشًرّكّ آبّاؤٍنّا مٌن قّبًلٍ وكٍنَّا ذٍرَيَّةْ مَنً بّعًدٌهٌمً أّفّتٍهًلٌكٍنّا بٌمّا فّعّلّ المٍبًطٌلٍونّ (173)﴾ (الأعراف:172- 173).
ثم هو - سبحانه - يضع الطرف الآخر قبالة الإبداع الإلهي في بنية الكون المعجزة التي لا تحتاج إلى بذل جهد كبير للاقتناع بوجود الله ووحدانيته واللذين يعد إنكارهما نوعاً من البلادة وغلظة القلب والكسل العقلي.
ثم هو سبحانه، مع هذا وذاك، يحمل الطرف الآخر جانباً من مسؤولية البحث عن الحق، ويرفض أن يتخذ هذا الطرف موقفاً سلبياً بانتظار تحرك الجهة المقابلة، بل هو يلزمه بدلائل الوجود وبداهات العقل والمنطق أن يسعى من جهته للبحث عن الحقيقة، ولفتح مسامعه جيداً على القول المتمثل برسالات الأنبياء عليهم السلام.
خطوة من هنا وخطوة من هناك للتحقّق بتقارب أكثر بين الأفراد والجماعات والشعوب والأمم، وللالتقاء على الحق. الطرفان يتحملان المسؤولية، ولن يسقط قعود أحد الطرفين حجة البلاغ عن الطرف الآخر.
إنها المعادلة المتوازنة التي توزّع فيها الأدوار وفق منطوق العدل الإلهي، وعلى أساس الميزان الذي أقيم عليه بنيان السماوات والأرض.
واليوم تشهد الساحة الغربية - بوجه الخصوص - تفعيلاً إسلامياً ملحوظاً لمهمة «توصيل القول»، توظف له كل آليات إعلامية ومعلوماتية، والخطاب المباشر، وتحصد ثماره اليانعة يوماً بعد يوم.
هذا الإقبال المدهش على الانتماء لهذا الدين من مختلف الشرائح.. الأغنياء والفقراء.. البيض والملونون.. الساسة والإعلاميون.. الفنانون والرياضيون.. الفالسفة والمفكرون.. الكتَّاب والمؤرخون.. الأدباء والعلماء.. إنما يعكس المعادلة بجانبيه معاً: جهد المسلم المكافح لإيصال القول، وتحرك الطرف الآخر بحثاً عن الحق، وانتماءً إلى هذا الدين.
حدثنا أحد كباء الدعاة الإسلاميين في ألمانيا، كيف أنه أنشأ مؤسسة لترجمة معاني القرآن إلى الألمانية، وكيف أن قدراته المالية لم تسمح له بطبع أكثر من ألفيْ نسخة، وكيف أن الألمان تهافتوا عليها فنفدت في أيام قلائل وقادت العديد منهم إلى الإسلام.
ولقد أغرت هذه النتائج الطيبة داعيتنا ذاك بالقيام بجولة واسعة في البلدان الإسلامية لجمع التبرعات التي تمكنه من توسيع مشروعه وتنفيذ ترجمات لمعاني القرآن إلى أهم اللغات الحية في الغرب: الإسبانية والروسية والفرنسية.. إلخ.
إنها حلقة من بين عشرات الحلقات ومئاتها، على هذا التحرك المتقابل لإيصال الصوت الإسلامي من قبل دعاة الإسلام، والبحث عنه، وقبوله، من قبل غير المسلمين، والحركة ماضية إلى أهدافها بإذن الله تعالى. إننا لا نستطيع اليوم أن نخترق الغرب المتفوق مادياً بقوة السلاح، ولكننا سنخترقه بقوة الفكر، بالحقيقة الإسلامية المتوافقة بشكل معجز مع وجود الإنسان ومهمته في هذا العالم، وعلينا من أجل تحقيق هذا الهدف العزيز أن نبذل كل ما في وسعنا لتوصيل القول إليهم وإغرائهم بالتحرك، والاقتراب، لسماعه جيداً، للإصغاء إلى صوته المؤثر العميق، وحينذاك نكون قد أبرأنا ذمتنا أمام الله سبحانه.. وإلاّ فهو الحساب العسير.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل