; الأرزاق على الله | مجلة المجتمع

العنوان الأرزاق على الله

الكاتب محمد حمزة

تاريخ النشر الثلاثاء 02-مارس-1999

مشاهدات 67

نشر في العدد 1340

نشر في الصفحة 37

الثلاثاء 02-مارس-1999

في أحد أحاديثه المتلفزة ذكر الشيخ محمد متولي الشعراوي- يرحمه الله- القصة التالية: كان لأحد الكبراء ابن متخلف عقليًّا، وكان الناس يقصدون الرجل لحاجاتهم، ونظرًا لأن الولد عزيز على قلب أبيه كان الناس يستحلفونه بابنه الذكي العبقري الصاعد الواعد.. وكان الرجل يجزل العطاء لمن يطرقون بابه مستهلين بمديح «المحروس» وسمع رجل بسيط عن كرم الأب كما سمع عن مديح الناس لابنه دون أن يراه.. وتوجه المسكين إلى القصر الكبير وظل ينتظر أن يطل «الموهوب» حتى يبادر بالمديح، وطال انتظاره، وفجأة أطل شاب فارع الطول ينزل درجات السلم فرحًا، واتجه نحو أبيه قائلًا: «أبي لقد نزلت السلم وحدي»، وأدرك الضيف أن «المحروس» أهبل!!، ونظر إلى الكبير وقال له: «أين المحروس؟» فقال الكبير: هذا هو الذي تمتدحونه، وأخذت الرجل الحيرة هل يفعل كما يفعل الناس برغم ما رأه من عته وخبل!! أم يقول الحق ورزقه على الله؟ فاختار الأخيرة.

ويذكر مؤلف كتاب التغذية بالطريق العكسي "360 Degree Feedback" أن إمبراطورًا كان يعتقد أن من حوله من الأتباع لا يفهمون شيئًا عن القيادة وأسرارها ويرى أنه من الخطر أن يطلب منهم أن يبدوا أراءهم، أو أن يقوموا بتقييم أسلوبه في القيادة والحكم.

وذات مرة خرج الإمبراطور على أتباعه وسألهم عن رأيهم في الملابس الجديدة التي يرتديها.

فقال قائل: نعم الألوان وتناسقها.

وقال آخر: نعم الحياكة وخطوطها.

وقال ثالث: بل نعم الجسد التي تغطت به الثياب، وزادوا في مدح ملابسه وأفرطوا، والحقيقة أن الإمبراطور لم يكن يرتدي أي ملابس، بل كان عاريًّا، ولكن الأتباع لم يكونوا يجرؤون على رفع أنظارهم تجاهه ليروا الحقيقة، فهم دائمًا منحنون، ناكسو الرؤوس، لا يرون عيبًا، وأني لهم الرؤية وقد خفضوا أنظارهم وجعلوا عيونهم تلامس الأرض.

إن قولهم الحقيقة لا يأتي إلا من الرؤية، ولكي يروا فعليهم التخلص من الرهبة وأن يبقوا على الاحترام، أن ينزعوا عن قلوبهم الخضوع ويبقوا على الالتزام، ولو فعلوا لاستطاعوا أن ينصحوا ويقيموا وينقدوا بناء على رؤية واضحة للأمور.

إن الرجل الكبير في القصة التي رواها الشيخ الشعراوي رجل موهوم يحتاج من يقنعه بأن ابنه العبقري ما هو إلا مخبول يحتاج إلى علاج تمامًا كما لو بقي الإمبراطور عاريًا برغم ثناء الجوقة على حسن ملابسه وجمالها.

لكن الواقع يكشف لنا أن هناك الكثيرين الذين يغمضون عيونهم ويضعون أقفالًا على قلوبهم وعقولهم حتى لا يروا الحقيقة لأن مصالحهم مرتبطة بغياب الحقيقة وبقاء الزيف، وكذلك فإن هناك الكثيرين ممن يعدون النصيحة سبابًا، والنقد نقيصة، وبلغ الأمر أشده حين اعتبر البعض أن مجرد فتح العيون إساءة أدب، ورفع الرأس إهانة، والنقاش تجاوز للحدود، لقد أصبح العالم اليوم أكثر انفتاحًا، والمعلومات والبيانات أصبحت متاحة، وأصبح من ضرورات النجاح تبادل الآراء بين الكبير والصغير، والبائع والمشتري، والتاجر والزبون، والرئيس والمرؤوس، وأصبح مسار المعلومات والآراء في اتجاهين لا اتجاه واحد من أجل تقييم أفضل والوصول إلى معدلات نجاح أعلى «حسب دراسات التسويق وعلوم الإدارة الحديثة»، وأصبح قول الحقيقة مدعاة للفخر في المؤسسات الكبرى، ودافعًا لنيل الدرجات العلا، وأوسمة الإبداع والإنجاز والترقي.

الرابط المختصر :