العنوان لماذا تكثر السكاكين بعد سقوط المسؤول؟!
الكاتب عبدالمنعم سليم جبارة
تاريخ النشر الثلاثاء 28-ديسمبر-1999
مشاهدات 68
نشر في العدد 1382
نشر في الصفحة 36
الثلاثاء 28-ديسمبر-1999
المثل المصري المعروف الذي يقول: «إذا وقع الثور.. كثرت السكاكين» ينطبق تمامًا على رئيس وزراء باكستان السابق نواز شريف، فبمجرد نجاح الجنرال برويز مشرف في إسقاط شريف واعتلاء كرسي السلطة، كثرت السكاكين التي يستخدمها أصحابها في تقطيع أوصال نواز، الذي لم يعد في عرف ومفهوم أصحاب السكاكين شريفًا، بل مطعونًا في نواياه.
واضح أن القضية التي سيحاكم نواز شريف بسببها قد تم حبكها ونسج خيوطها على الطريقة العسكرية التي تمسك بالعصا في إحدى يديها وتلوح بالجزرة في اليد الأخرى، وترفع الشعارات البراقة والجذابة مثل محاربة الفساد، واسترجاع أموال الدولة والضرب على أيدي اللصوص والعابثين.
لا جدال أن التجربة الأخيرة لنواز في الحكم والتي لم تتعد السنتين كانت مشحونة بشتى أشكال الفساد، وإفساح المجال للأقرباء والمحاسيب لتبوؤ أعلى المناصب ولنهب الأموال والإثراء إلى حد ملء الكروش مع الضغط على البنوك لفتح باب القروض رغم ظروف وأحوال باكستان المالية الصعبة.
كما عاث أنصار نواز بلطجة في كثير من أنحاء باكستان إلى درجة اقتحام مكتب أحد القضاة، والاعتداء عليه بوحشية لمجرد أنه أصدر حكمًا ضد أحد الحكام المنتمين للرابطة الإسلامية وهي حزب نواز شريف.
أيضًا كان نواز شريف وراء الضغط المتزايد والمتواصل على مجاهدي كشمير الذين تحكموا في قمم الجبال في كارجيل، ودوخوا الهند التي فشلت في زحزحتهم عن مواقعهم، لكنهم اضطروا إلى الانسحاب تحت ضغوط نواز ومنعه للإمدادات عنهم استجابة لتوجيهات الرئيس الأمريكي كلينتون.
كما أن نواز شريف الذي أنشأ إدارة لمكافحة الفساد لم يهتم في حقيقة الأمر بمتابعة وملاحقة الفساد في بؤر ومواقع الفساد المنتشرة في باكستان، ولكن اكتفى بملاحقة منافسته التقليدية بنازير بوتو بتهمة الفساد والإفساد وزج بها إلى المحاكمة، لتصدر المحكمة في حقها حكمًا بالسجن لست سنوات.
نواز شریف أنشأ أيضًا محكمة استثنائية سماها محكمة الإرهاب، وأحسب أن نواز كان يسعى من ورائها للتقرب إلى أمريكا، مثل بعض المسؤولين الذين يرفعون شعارات محاربة الإرهاب لكسب الدعم والتأييد الأمريكيين وفي الوقت نفسه لاتخاذ شبح الإرهاب وسيلة لفرض الأحكام الاستثنائية ومصادرة الحريات.. هذه المحكمة الاستثنائية يحاكم نواز شريف اليوم أمامها.
إلا أنه رغم كل ذلك فإنه من منطلق العدل والإنصاف والتجرد للحق يكون من حق نواز شريف أن يحاكم أمام قاضيه الطبيعي، وعلى أساس القانون الطبيعي دون تصيد للاتهامات، ودون ضغوط أو إرهاب أو ترغيب للآخرين لطبخ الشهادات من أجل إحكام الحبل حول رقبة نواز لسنا مع المتعاطفين مع نواز شريف السياسي الذي وصل إلى السلطة فلم يعدل، ولم يحكم القانون، ولم يجتث جذور الفساد في باكستان، ولم يتورع عن ملاحقة معارضيه بغير قانون، ولكن نحن مع نواز شريف المتهم وحقه في محاكمة عادلة نزيهة على أساس من القانون العادل، وأمام القضاء الطبيعي العادل، تتاح له فيها كل فرص الدفاع، وسبل السعي للبراءة.
إن نواز شريف يثير قضية في غاية الخطورة والأهمية وهي قضية فساد السياسيين عند توليهم السلطة، وإفساحهم المجال للعسكر لقلب الحكم والاستيلاء على السلطة، لتعيش البلاد تجربة من أقسى التجارب، في ظل دكتاتوريات لا تعرف القيم والمثل، ولا تلتزم العدل أو القانون ولكن تعرف البطش والقهر، وتفتح الأبواب أمام مزيد من الفساد والتفلت، وتوجه سهامها وسياطها لظهور الأحرار الشرفاء، وتزج بآلاف الأبرياء في السجون والمعتقلات أو للمحاكمة أمام محاكم لا تعرف العدل ولا تلتزم القانون، وتفتح الأبواب أمام المنتفعين والمنافقين من فئات المثقفين كالذين طبلوا على موائد نواز ويزمرون على موائد برويز.
إن من أكبر أخطاء نواز أنه حين ترك الحبل على الغارب للفساد والمفسدين، فتح الباب أمام العسكر لتدفع باكستان ثمنًا أكثر من باهظ.