; اتحاد المغرب العربي.. تجمع إقليمي أم «سلة» للخلافات الداخلية؟ | مجلة المجتمع

العنوان اتحاد المغرب العربي.. تجمع إقليمي أم «سلة» للخلافات الداخلية؟

الكاتب إدريس الكنبوري

تاريخ النشر السبت 10-يناير-2004

مشاهدات 72

نشر في العدد 1584

نشر في الصفحة 32

السبت 10-يناير-2004

لم يكن مفاجئًا لدى المراقبين الإعلان عن تأجيل قمة اتحاد المغرب العربي التي كانت مقررة يومي ٢٣ و ٢٤ ديسمبر الماضي في العاصمة الجزائرية، فقد وصلت الخلافات بين الأقطار المغاربية الخمس حدًا لم يعد يسمح بعقدها ولا حتى بتنشيط المؤسسات الأخرى للاتحاد الموازية لمؤسسة القمة، وأصبحت اللقاءات التي تعقد على مستوى وزراء الخارجية أو لجنة المتابعة أو الأمانة العامة في الأعوام الأخيرة مناسبات لتبادل اللوم والتقريع على إفشال أداء الاتحاد وتعثره، والتذكير بالخلافات الثنائية بين المغرب والجزائر أو بين ليبيا وموريتانيا أو بين الأخيرة والجزائر.

ثلاثة اعتذارات من خمسة: وقد أعلن عن موعد القمة المؤجلة أصلًا خلال انعقاد القمة المغاربية الأوروبية المعروفة بمجموعة (٥+٥) التي عقدت في العاصمة التونسية يومي ٦ و٧ ديسمبر الماضيين، وهي المجموعة التي تضم المغرب والجزائر وتونس وليبيا وموريتانيا المشكلة للاتحاد المغاربي وخمس دول من الاتحاد الأوروبي وتقع إلى الشمال من البحر المتوسط هي فرنسا، وإسبانيا، وإيطاليا، وألمانيا، ومالطا، وقد اعتبر المراقبون حضور كل من العاهل المغربي محمد السادس والرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة القمة مؤشرًا على قرب انعقاد القمة المغاربية المعطلة، وزاد من ذلك التفاؤل أن حضور الرئيس الفرنسي شيراك ولقاءه الطرفين ودعوته لهما لتجاوز الخلافات الثنائية وإحياء الاتحاد المغاربي عزز من فرص انعقادها. لكن قبل ثلاثة أيام من موعد القمة رُشح أن العاهل المغربي لن يحضر وسينيب عنه وزير خارجيته محمد بن عيسى، وأكد وزير الخارجية الجزائري عبد العزيز بلخادم بعد زيارته للمغرب وتسليم العاهل المغربي الدعوة الرسمية لحضور القمة أنه لم يعد متأكدًا ما إذا كان ملك المغرب سيحضر إلى الجزائر، ثم تأكد عدم حضور الرئيس الموريتاني معاوية ولد الطابع بعدما طفحت على السطح الخلافات الموريتانية - الليبية إثر اتهام نواكشوط للعقيد القدافي بالوقوف وراء محاولة الانقلاب التي استهدفت ولد الطابع في يوليو الماضي، وأعلن القذافي أيضًا عدم حضوره، تأكيدًا لمواقفه السلبية الأخيرة من الاتحاد المغاربي ودعوته المتكررة إلى إدخاله في «البراد». 

وهذه هي المرة الثانية التي يتم فيها تأجيل انعقاد القمة المغاربية خلال عامين في الجزائر التي رأست الاتحاد في هذه الفترة قبل أن تتسلم ليبيا رئاسته، إذ سبق أن تأجلت في يونيو من السنة الماضية بعد اعتذار العاهل المغربي عن الحضور على خلفية حالة التوتر الدائمة التي تطبع العلاقات بين الرباط والجزائر بسبب الصحراء وقضية الحدود واتهام المغرب للجيش الجزائري بتوفير الدعم لجبهة البوليساريو.

 وإذا كان الخلاف التقليدي المعروف والقديم بين المغرب والجزائر حول الصحراء الغربية أحد الأسباب الرئيسة التي تقف وراء تعطيل عقد القمة السابعة للمرة الثانية، وهو وحده كان كافيًا لكبح سير هذا النادي المغاربي منذ نشأته في فبراير عام ۱۹۸۹، فإن تراكم الخلافات الثنائية بين البلدان الأخرى زاد في ترسيخ مقولة أن الاتحاد ولد لكي لا يعيش، وتبين من خلال تعدد حالات الاعتذار عن الحضور لتطال ليبيا، وموريتانيا، علاوة على المغرب أن اتحاد المغرب العربي أصبح سلة للخلافات الداخلية التي ينوء عن مهمة حلها والحسم فيها، إذ إن هذه الخلافات ربما زادت في قناعة بعض أعضائه بأنه ليس المحيط الطبيعي لتسويتها بقدر ما هو الساحة الحقيقية لتلك الجروح وتصفية الحسابات.

تأجيل المؤجل

التأجيل الأخير للقمة هو في الحقيقة تأجيل المؤجل ظل ينتظر الانعقاد منذ أبريل ١٩٩٤،

موعد آخر قمة عقدت في العاصمة التونسية بحضور جميع قادة البلدان الخمس وقد دخل الاتحاد منذ ذلك التاريخ في مسلسل من الانكماش والجمود إثر الخلاف المغربي - الجزائري الذي برز في ذلك العام بعد أحداث فندق «أطلس أسني» بمدينة مراكش التي أدت إلى مقتل سائحين أجانب، فاتهم الملك الراحل الحسن الثاني النظام الجزائري بمحاولة المس باستقرار المغرب، ليرد الجيش الجزائري باتهام النظام المغربي بالسماح للجماعات المسلحة الجزائرية بعبور الحدود إلى داخل المغرب وغض الطرف عن تهريب الأسلحة نحو الجزائر، فأغلق المغرب حدوده مع الجزائر وردت هذه الأخيرة بالمثل، وفرض كل بلد تأشيرة الدخول على مواطني البلد الآخر، فطلب الحسن الثاني من تونس التي كانت رئيسة الاتحاد تجميد مؤسسات الاتحاد إلى أجل غير مسمی، وردت تونس بأن الخلاف حول الصحراء لا علاقة له بالاتحاد ما أغاظ المغرب الذي رفض أي مشروعية للاتحاد بدوره بعد أن دعت تونس في العام التالي إلى اجتماع لوزراء خارجية الاتحاد غابت عنه ليبيا والمغرب.

 وقد بذلت عدة جهود منذ تلك الفترة لرأب الصدع وإعادة تطبيع العلاقات بين المغرب والجزائر بدون تحصيل نتائج تذكر، خاصة أن الجيش الجزائري الذي كان منهمكًا في مقاتلة الجماعات المسلحة وجد في ذلك الخلاف ورقة داخلية رابحة لرفع سقف مطالبه وتبرير الحرب على الإسلاميين بتهمة التواطؤ مع عدو خارجي، ووجد في قضية عبد الحق العيايدة أحد قادة جبهة الإنقاذ الإسلامية الذي دخل المغرب عام ۱۹۹٤ فرصة لتصعيد خطابه العدائي ضد المغرب وتصعيد حربه على قادة الجبهة وتطلب الحسم في تلك القضية عدة جولات من المفاوضات توجت بلقاء بين وزير الدفاع الجزائري آنذاك الجنرال خالد نزار والحسن الثاني تم على إثرها تسليم العيايدة إلى الجزائر. غير أن العلاقات الثنائية بين البلدين لم تشهد تحسنًا ملموسًا رغم ما اعتبره المغرب تنازلًا للجيش الجزائري في قضية العيايدة، واقتنع المسؤولون المغاربة أن قضية تطبيبع العلاقات مع جيرانهم -ومن ثم إحياء اتحاد المغرب -أمران رهینان بنهاية المأساة الجزائرية الداخلية الطاحنة.

مع صعود عبد العزيز بوتفليقة إلى الحكم في الجزائر في انتخابات عام ۱۹۹۷ بدعم من الجنرالات الجزائريين ظهر بصيص من الأمل في عودة الدفء إلى علاقات البلدين، فبوتفليقة كان يرمز بالنسبة للنظام المغربي إلى ثلاث دلالات مهمة: فهو من ناحية كان أحد صناع الموقف الجزائري التقليدي من الصحراء وبالتالي من المغرب وأحد العارفين بالملف من شتى جوانبه لكونه شغل منصب وزير الخارجية في عهد الرئيس الأسبق هواري بومدين مهندس السياسة الجزائرية من المغرب في الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي، من ثم كان فوز تفليقة يعني إعادة طرح هذا الملف مجددًا في ضوء روف إقليمية ودولية جديدة أصبحت تستدعي مقاربة مغايرة للمقاربات السابقة المحكومة بهاجس تقاطب الدولي.

 ومن جهة ثانية كان قد ابتعد عن ساحة السياسة في الجزائر باختياره العيش في دولة خليجية وغاب عن المسرح الجزائري وبدا أنه أصبح خارج أي منطق للتحالفات الداخلية في بلاده وبعيدًا عن تدافع الأقطاب، مما عزز لدى المغرب الاعتقاد بأن هناك مقاربة جديدة لملف الصحراء في طريقها لتبلور، تمامًا كما حدث تقريبًا مع حالة رئيس مجلس الدولة محمد بوضياف أحد وجوه جبهة التحرير الجزائرية الذي اختار الابتعاد عن السياسة والإقامة في المغرب، ثم جيء به عام ۱۹۹۲ من طرف الجيش لشغل منصب رئيس مجلس الدولة المؤقت ليتعرض في العام نفسه لعملية اغتيال.

ومن جهة ثالثة فإن بوتفليقة ينحدر من المغرب وتربى وعاش طفولته في مدينة وجدة القريبة من الحدود الشرقية للجزائر، وكان بعض أفراد أسرته حتى وقت فوزه في الانتخابات يعيشون في نفس المدينة، وقد أثيرت هذه القضية بكثير من الجدية والاهتمام في المغرب بعد انتخابه. وزاد في اطمئنان المغرب إلى قرب حدوث الانفراج في العلاقة مع الجزائر وفي قضية الصحراء تقدم بوتفليقة بمشروع الوئام المدني بقصد إنهاء مرحلة القتال الأهلي الداخلي، وتوالي تصريحاته الداعية إلى تحريك اتحاد المغرب العربي، مما على رغبته في تهدئة الجبهة الداخلية للتحول نحو تصفية تركة الأوضاع الخارجية مع جيرانه. 

ولكن سياسة بوتفليقة في العامين التاليين أظهرت محدودية حركته وضيق هامش مناوراته الداخلية، وتبين أنه في السلطة لتنفيذ سياسة الجيش لا سیاسته هو ثم فجأة أخذ في تصعيد مواقفه ضد المغرب وتشبثه بإعطاء حق تقرير المصير للسكان الصحراويين في الصحراء الغربية. غير أن رحيل الحسن الثاني في عام ۱۹۹۹ غير بعض قواعد اللعب بين البلدين، فبغيابه اختفى أحد زعماء المنطقة الذي قاد سياسة بلاده تجاه الجزائر في حقبة الصراع... حول الهيمنة والنفوذ على المنطقة، وشارك بوتفليقة في جنازته والتقى الملك الجديد محمد السادس وصور ذلك اللقاء القصير على أنه بداية لقاء سيستمر، لكن ذلك لم يحدث.

خلافات في كل اتجاه

لا يشكل الخلاف بين المغرب والجزائر سوى الوجه الأول من الأزمة العميقة التي يتخبط فيها اتحاد المغرب العربي، أما الوجه الآخر فهو الضعف البنيوي الذي يوجد فيه الاتحاد وهياكله منذ إنشائه ولعل أحد الأسباب وراء ذلك أن ولادته لم يكن وراءها سعي وراء التكتل الإقليمي والتكامل الاقتصادي والتنسيق السياسي بقدر ما كان حاجة أوروبية استدعتها المجموعة الأوروبية التي كانت في ذلك الوقت تمهد للتكتل الشامل في الاتحاد الأوروبي والبحث عن شركاء مغاربيين وسوق مغاربية مفتوحة قوامها نحو ۸۰ مليون مستهلك. فقد عجز الاتحاد طيلة الفترة بين إنشائه عام ۱۹۸۹ إلى آخر قمة له عام ١٩٩٤ عن التعاطي مع أي من الخلافات والأزمات التي مرت بأعضائه، ولم يستطع تفعيل أي من المعاهدات والاتفاقيات التي تم التوقيع عليها خلال تلك الفترة وعددها ٣٦ اتفاقية تهم التعاون في كافة المجالات. وظهر عجزه بوضوح في التعاطي الجماعي مع قضية الصحراء، وفي أزمة «لوكيربي» والحصار على ليبيا، الأمر الذي دفع طرابلس إلى نفض يدها من الاتحاد والتوجه ناحية إفريقيا وتبني الدعوة إلى اتحاد إفريقي، وفي الخلاف الليبي -الموريتاني، كما عجز عن التعاطي في مرحلة معينة مع قرار موريتانيا بالتطبيع مع الكيان الصهيوني، خصوصًا بعدما لوحت نواكشوط بورقة المعونات الاقتصادية والوضع الاقتصادي الداخلي كمبررات لهذا المسعى المنفرد، قبل أن يصبح فيما بعد موجة شاملة أصابت المغرب والجزائر وتونس ثم ليبيا لاحقًا.

قمة ما قبل القمة

المراقبون يرون بأن أي قمة لاتحاد المغرب العربي ستظل دائمًا رهينة بعقد قمة ثنائية مغربية -جزائرية أولًا لحسم الخلافات البينية، وما لم يحدث ذلك فإن القمة السابعة التي لم تنعقد يومي ٢٣ و٢٤ ديسمبر الماضي ستبقى على قائمة الانتظار إلى ما لا نهاية، وربما أصبح الاتحاد نفسه في خبر كان خاصة أن القمة الثنائية كانت دائمًا تطرح دون أن تجد الفرصة للتنفيذ، في ظل الشروط والشروط المقابلة من البلدين. 

وقد طرح المغرب عام ۱۹۹۸ مبدأ المقاربة الشاملة الذي دعت إليه حكومة عبد الرحمن اليوسفي السابقة، من أجل حل جميع المشكلات العالقة بين الجانبين واحدة بعد أخرى، والبدء بمسألة الحدود المغلقة منذ ۱۹۹۵، لكن الجزائر رفضت تلك المقاربة ولم تبين موقفها بوضوح، مدركة أن أزمة الصحراء هي أم المعضلات التي قد تنكسر على صخرتها جميع التسويات أو الترضيات.

 وفي فبراير الماضي أعلن وزير الخارجية الجزائري عبد العزيز بلخادم اثناء زيارة له إلى العاصمة المغربية أن هناك قمة قريبة بين ملك المغرب والرئيس الجزائري لم يحدد لها موعد معين، ثم نسي ذلك الإعلان، ليعاد تجديده مرة ثانية في الشهر التالي باسم «قمة زوج بغال»، كناية عن المنطقة الحدودية بين البلدين التي يطلق عليها ذلك الاسم، حيث قيل إن

زعيمي البلدين سيلتقيان فيها ويعلنان من هناك فتح الحدود وبدء صفحة جديدة.

وفي سبتمبر الماضي اجتمع المسؤولان المغربي والجزائري في نيويورك على هامش دورة الجمعية العامة للأمم المتحدة، وأطلق على ذلك اللقاء اسم قمة الشاي، نظرًا للمدة القصيرة التي استغرقها الاجتماع، وقيل بأن الرئيس الأمريكي بوش سيقوم بالوساطة بين البلدين لتطبيع العلاقات بينهما، لكن ذلك لم يحدث. وقد تكرر ذلك خلال الزيارة التي قام بها الرئيس الفرنسي شيراك للمغرب في أكتوبر الماضي، غير أن تقرير الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان عن الوضع في الصحراء الذي ظهر في نهاية الشهر نفسه أعاد الأجواء إلى السخونة، إذ إنه اتهم المغرب بكونه الطرف الوحيد الذي رفض قرار مجلس الأمن ١٤٩٥ بشأن التسوية في الصحراء، الذي يقضي بمنح سكان الإقليم حكمًا ذاتيًّا لمدة خمس سنوات يتم بعدها تنظيم استفتاء للاختيار بين الانفصال أو الانضمام إلى المغرب، ومنح التقرير للحكومة المغربية مهلة تنتهي هذا الشهر للإعلان عن موقفها النهائي من الخطة التي اقترحها الوسيط الأممي جيمس بيكر.

مستقبل الاتحاد: يكون أم لن يكون؟

بعيدًا عن الأزمات الداخلية للاتحاد والخلافات بين بلدانه بمختلف درجاتها ومدى تأثيرها عليه، فإن التحديات الخارجية المطروحة اليوم على دوله أصبحت تلقي عليها المزيد من الثقل الذي يضاف إلى ما تمر به أصلًا فقد نشطت الرهانات الدولية الأمريكية والأوروبية، مما ضيق مساحة الاختيارات أمامها، ووضعها في موقع الابتزاز قبالة المشروعين الأورو -متوسطي والأمريكي -المغاربي اللذين يتزاحمان للفوز بصفقة المنطقة ومقدراتها الاقتصادية واللافت أن الاتحاد المغاربي ليس ميتًا بشكل كامل، بل إن آلياته تشتغل في المستوى الذي يراد منه أوروبيًّا أو أمريكيًّا، خاصة في المستوى الأمني والاقتصادي الموجه ناحية الاتحاد الأوروبي أو واشنطن، وهكذا يلاحظ أن التنسيق الأمني مع الطرفين جار بشكل طبيعي، ونفس الحال فيما يخص التقارب الاقتصادي مع بروكسل وواشنطن في إطار مشروعي الشراكة، ومقابل ذلك تتجمد الآليات الاندماجية في الاتحاد التي تساعد على التقارب الاقتصادي أو التجاري بين أعضائه، أما المبادلات بينها فهي شبه غائبة ومرجحة لفائدة أوروبا، الأمر الذي لا يشجع على القول بأن هناك اتحادًا مغاربيًّا حقيقيًّا، ويلقي أسئلة ملحة بشأن مصيره ومستقبله، هل يكون أم لا يكون غدًا؟ وهل يمكن عد مرحلة (۱۹۸۹- ۲۰۰۳۰) مرحلة تمهيدية للبناء أم مرحلة تأمل قبل الحسم في الاختيار بين السير أو التوقف؟

الرابط المختصر :