العنوان الولايات المتحدة طرف منحاز يدعم إسرائيل وأطماعها
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 12-مايو-1998
مشاهدات 70
نشر في العدد 1299
نشر في الصفحة 9
الثلاثاء 12-مايو-1998
قامت مسيرة التسوية الباطلة المزعومة في الشرق الأوسط منذ بدايتها قبل أكثر من عشرين عامًا، وحتى اجتماع لندن الذي انعقد الأسبوع الماضي على فكرة خاطئة مؤدّاها أن الولايات المتحدة وسيط محايد بين الطرفين العربي والإسرائيلي، وأن مهمة هذا الوسيط تنحصر في تشجيع الطرفين على الجلوس إلى مائدة المفاوضات، ومحاولة حل المشكلات التي تنشأ بينهما بالمساعي الحميدة، ودون ضغط على أحد الأطراف وقد حاولت الولايات المتحدة ترسيخ هذا المفهوم لتتنصل من تبعات مسؤوليتها المباشرة عن الصلف والاستكبار الإسرائيلي، وهي التي تبنّت قيام هذا الكيان الغاصب منذ نشأته، وهي التي تمدّه بكل أسباب الحياة والاستمرار.
ولنلق نظرة على بعض الأقوال التي صرّح بها الرئيس الأمريكي ونائبه آل جور في الأيام القليلة الماضية، ليتيقن الجميع أن أمريكا ليست وسيطًا محايدًا، بل تعمل لدعم إسرائيل ومواقفها العدوانية باحتلال الأرض وطرد أهلها، والقضاء على البقية الباقية من الشعب الفلسطيني المسلم.
في الذكرى الخمسين لقيام إسرائيل، وهي في والواقع ذكرى اغتصاب فلسطين، وتقتيل وتشريد أهلها، أقيم احتفال في البيت الأبيض، وتسلّم الرئيس الأمريكي بهذه المناسبة شهادة الدكتوراه الفخرية في الفلسفة، ووقف كلينتون ليقول: إنه يتسلم الشهادة نيابة عن تسعة رؤساء أمريكيين سبقوه، بدءًا بهاري ترومان -الذي سارع إلى إعلان اعتراف الولايات المتحدة بالكيان الغاصب- ويقول كلينتون إنهم جميعًا كانوا مخلصين لإسرائيل وحريتها.
وامتدح كلينتون رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق -ديفيد بن جوريون- الذي أقام حكومته المغتصبة على أشلاء الفلسطينيين، امتدحه كلينتون لأنه آمن بأن في إمكان إسرائيل أن تقود العالم -نعم العالم كله- إلى مستقبل أفضل، واعتبر كلينتون أن إسرائيل هي حقًا المكان الأكثر نبضًا بالحياة على سطح الأرض.
وفي مناسبة أخرى سبقت هذا الحفل، وهي الاحتفال بأسبوع التراث اليهودي الذي أُقيم يوم ٢٦ من شهر أبريل الماضي، قال كلينتون ما لم يقله أحد من قبل في حق اليهود، فالتراث الإنساني يعرف اليهود على أنهم الذين كفروا بالله، وقتلوا أنبياءه، ويسعون لإشاعة الفاحشة في الأسر والمجتمعات، والمشهورون بالبخل وجمع المال، والتعامل بالربا، وتخريب الاقتصاد، وتدبير الأزمات الاقتصادية، ولكن كلينتون يجد في نفسه القدرة على أن يصف اليهود بعكس ذلك تمامًا، إذ يقول: إن المهاجرين اليهود الذين قدموا إلى الولايات المتحدة هذا القرن -بسبب الاضطهاد الذي تعرضوا له في أوروبا- جلبوا معهم رغم فقرهم ما يزخر به التراث اليهودي العريق من إيمان بالله، والتزام قوي حيال الأسرة والمجتمع، وتقليد يتمثل في خدمة الآخرين، ويضيف: إن هذه السجايا جعلت اليهود يسهمون إسهامًا خارقًا في كل وجه من وجوه الحياة الأمريكية، مشيرًا إلى أنهم تحولوا إلى مدافعين أشداء عن قضية العدالة الاجتماعية، معتبرًا أن اليهود أعلوا شأن المثل الأمريكية الأساسية القائمة على أساس الإيمان والمجتمع والتعاطف والمسؤولية.
أما جرائم إسرائيل خلال العقود الخمسة الماضية فيعتبرها كلينتون «إنجازات مازالت تلهم جميع الأمريكيين، وتكشف لنا مجددًا قدرة الروح البشرية على تحويل الأحلام إلى حقيقة قائمة».
هذا ما قاله كلينتون، أما نائبه آل جور فقد ذهب إلى فلسطين المحتلة، وارتدى الطاقية اليهودية ليشارك الصهاينة ذكرى اغتصابهم لفلسطين، وليقول: «إن قلبي وقلوب كل الأمريكيين تخفق معكم؛ إنه لشرف عظيم أن أشارككم احتفالكم هذا، نحن نقف معكم، ونؤيد حلمكم، أهم حقيقة أنه بينما تسعى إسرائيل لتحقيق قدرها، فإن الولايات المتحدة لن تدعها أبدًا تقف وحيدة، إن علاقتنا أبدية، إنه فخر لي أن أكون صديقكم».
هذان نموذجان قريبان لما صرّح به أكبر قيادتين في الولايات المتحدة، أما بقية المسؤولين الأمريكيين فهم إمّا يهود كوزيري الخارجية والدفاع، ومستشار الأمن القومي، أو أنهم لا يملكون شيئًا في صناعة السياسة الخارجية لأمريكا.
فهل يُعقل أن تزعم الولايات المتحدة بعد ذلك أنها وسيط محايد؟ ألا يفسر ذلك الموقف المنحاز مبررًا لصلف رئيس وزراء إسرائيل وتعنته لأنه مطمئن إلى الموقف الأمريكي؟ أليس ذلك هو السبب الذي يدعو نتنياهو إلى القول بأنه يفضل مواجهة العالم كله، على أن ينسحب من عشرة بالمائة فقط من مساحة الضفة الغربية؟ ألا يمثل الموقف الأمريكي المنحاز لإسرائيل تشجيعًا لها لأن تذهب أبعد من فلسطين طمعًا في تحقيق حلمها القديم من النيل إلى الفرات؟ ولماذا تضحي الإدارة الأمريكية بمصالح بلادها في العالم من أجل مصلحة حزبية ضيقة طمعًا في أصوات اليهود ودعم اللوبي الصهيوني للفوز بالرئاسة؟ ألا يثير هذا الموقف الشعب الأمريكي وغالبيته من النصارى على هذا الاستسلام لليهود، وتسلمهم زمام السُلطة في الولايات المتحدة، حتى أصبح البيت الأبيض بمن فيه أداة في يد اليهود؟
ويومًا بعد يوم تثبت مسيرة التسوية فشلها، ويتأكد للجميع دعم أمريكا لليهود لتحقيق حلمهم من النيل إلى الفرات، كما يتأكد أنه لا سبيل لاسترداد الحقوق السليبة إلا بمواجهة الضغوط الأمريكية والصلف الإسرائيلي بكل حزم وقوة، وتصحيح حكوماتنا لمسارها، وتوحيد كلمتها، وإعداد أجيالها إعدادًا سليمًا لمواجهة التحدي الكبير، مسلّحة بتمسكها بالإسلام وقيمه وشريعته، فهذا سبيل نجاتنا من كيد أعدائنا: ﴿وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (سورة الزمر: 61).
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل