; ﴿فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ (سورة محمد: 21) | مجلة المجتمع

العنوان ﴿فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ (سورة محمد: 21)

الكاتب أ.د. حلمي محمد القاعود

تاريخ النشر الثلاثاء 14-مارس-2000

مشاهدات 99

نشر في العدد 1392

نشر في الصفحة 50

الثلاثاء 14-مارس-2000

تقوم فلسفة الجهاد في الإسلام على الاختبار والابتلاء، قال -تعالى- ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّىٰ نَعْلَمَ ٱلْمُجَٰهِدِينَ مِنكُمْ وَٱلصَّٰبِرِينَ وَنَبْلُوَاْ أَخْبَارَكُمْ﴾ (محمد).

 وهي فلسفة تهدف إلى التمحيص والغربلة حتى يظهر الإيمان الحقيقي والإيمان الزائف، فالمؤمن الحقيقي يجاهد بماله ونفسه في سبيل الله؛ دفاعًا عن العقيدة والوطن والحرمات دون خوف على حياة أو خشية من مستقبل، أما المؤمن غير الحقيقي فهو يتعلل بأسباب كثيرة ليتخلف عن الجهاد ويقعد عنه، وليس لديه مانع من الترحيب بالاستسلام أمام عدو الله والتفريط في الدين بوصف ذلك حماية للأرواح، وحقنًا للدماء، وحفظًا للأموال، ومن تجليات الإيمان الزائف أنه يتحدث حين يكون في مأمن عن النضال والمواجهة، وعندما يدعو الداعي إلى البذل والتضحية يولي الأدبار صمتًا وتخاذلًا وتسفيهًا لقرار القتال، وقد تناول القرآن الكريم طبيعة هؤلاء المنافقين وصورهم تصويرًا بليغًا معجزًا في قوله -تعالى-: ﴿وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَوْلَا نُزِّلَتْ سُورَةٌ ۖ فَإِذَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ مُّحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا ٱلْقِتَالُ ۙ رَأَيْتَ ٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ ٱلْمَغْشِىِّ عَلَيْهِ مِنَ ٱلْمَوْتِ ۖ فَأَوْلَىٰ لَهُمْ طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَّعْرُوفٌ ۚ فَإِذَا عَزَمَ ٱلْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُواْ ٱللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ فهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ ْ أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ لَعَنَهُمُ ٱللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَىٰٓ أَبْصَٰرَهُمْ ْ﴾ (سورة محمد: 20-23).

 إن الجهاد صدق مع الله، لأنه إعلان بطاعته لمواجهة العدوان الفاجر، ورد الظلم الغادر، ولا يقولن أحد إن ميزان القوى يميل لصالح الأعداء، فالإسلام لا يضع لهذه المقولة مكانًا في حياة المسلمين؛ إذ إن المطلوب منهم هو إعداد ما يستطيعون من قوة، ومن رباط الخيل بمفهوم الزمن القديم الذي انبعثت فيه الإسلام، ورباط الخيل بمفهوم الزمن الراهن وهو كل ما يستطيع أن يحارب به المسلمون، أو يحاربون من خلاله وبوساطته سواء كان دبابات أو طائرات أو صواريخ أو أسلحة غير تقليدية أو غير ذلك، إن الإعداد لمواجهة العدوان الدائم والممتد فرض عين على كل المسلمين الذين يعنيهم الأمر حتى يقتنع المعتدون أن ثمن عدوانهم فادح، وأن تكراره يدخل في دائرة الاستحالة مستقبلًا، والأمر الإلهي يوضح ذلك بأن مقاتلة المعتدين رادع لهم وجزاء عادل وتصحيح لوضع خطأ: ﴿قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين﴾ (سورة التوبة: 14).

ومادام المسلمون ينهجون النهج الإسلامي الصحيح في الجهاد مواجهة للمعتدين، ومقاومة لإجرامهم، فإن طول المعارك، ومتاعبها وخسائرها ينبغي ألا يوهن عزائمهم، أو يضعف إرادتهم، أو يجعلهم يطلبون الاستسلام أمام العدو أو مسالمته، فالله من ورائهم يدعمهم ويساندهم: ﴿فَلَا تَهِنُواْ وَتَدْعُوٓاْ إِلَى ٱلسَّلْمِ وَأَنتُمُ ٱلْأَعْلَوْنَ وَٱللَّهُ مَعَكُمْ وَلَن يَتِرَكُمْ أَعْمَٰلَكُمْ﴾ (سورة محمد: 35).

إن الأمثلة على ذلك عديدة من التاريخ البعيد والتاريخ القريب على السواء، فهناك غزوة بدر مثلًا، وكانت قوة الشرك تعادل قوة المسلمين ثلاث مرات تقريبًا، وتتميز عنها كمًا وكيفًا، ولكن الله نصر عبده، وأعز جنده، وهزم المشركين، وفي الحروب الصليبية انتصر المسلمون بقيادة صلاح الدين الأيوبي مع الفارق الكبير بين الطرفين، فقد كان الصليبيون يتمتعون بتفوق كبير.

إن طموح المستسلمين يتركز في البقاء على قيد الحياة، والتمتع بما فيها من مأكل ومشرب ومتع أخرى، إنه طموح يبغي الحرص على الحياة «البيولوجية»، فحسب؛ لذا فالفارق بين المستسلمين والكائنات الحية الأخرى ينعدم تمامًا أو يكاد؛ لأن البشر عندئذ تصبح غايتهم الأولى والأخيرة هي مواصلة الحياة بأي وسيلة وعلى أي صورة، في حين أن الكائنات الحية الأخرى قد تكون لها -بالإضافة إلى هذه الغاية- فوائد للبشر أو الطبيعة بشكل ما.

أما طموح المنتصرين فإنه يتخلف باختلاف هويتهم، فإذا كانوا مسلمين فإن انتصارهم يصب في خانة العبادة والطاعة والشكر، وخدمة الدين والإنسانية، ونشر العدل ورد الظلم، والوقوف بجانب المستضعفين والمظلومين، أما إذا كان المنتصرون من اليهود أو الصليبيين المستعمرين فإن غايتهم هي إذلال المهزومين، وخاصة إذا كانوا مسلمين، وإملاء شروطهم القاهرة واستعبادهم، ونهب خيراتهم ومواردهم، وتحويلهم إلى قطيع يخدم السيد المنتصر.

دونية الاستسلام:

ومن ثم، فإن الإسلام ينبه إلى دونية المستسلمين، ويحذر من الاستسلام: ﴿فَلَا تَهِنُواْ وَتَدْعُوٓاْ إِلَى ٱلسَّلْمِ وَأَنتُمُ ٱلْأَعْلَوْنَ وَٱللَّهُ مَعَكُمْ وَلَن يَتِرَكُمْ أَعْمَٰلَكُمْ﴾ (سورة محمد: 35) والمسالمة في الإسلام تنبني على أساس استسلام العدو، وليس على أساس تفوقه العسكري، لأن هذا التفوق يتيح له أن يملي شروطه، وأن يفتن المسلمين عن دينهم، وتلك آية الهوان التي تتناقض مع عزة المسلمين وكرامتهم.

إن الجهاد والاستعداد له يجعلان الأعداء مهما بلغت قوتهم يشعرون بالدونية، ويجعلان المسلمين في المكانة الأعلى؛ لأن الله معهم، ولن يضيع أعمالهم وجهادهم، أما الذين يفاوضون من موقع التسليم، وترك الجهاد، وإهدار عناصر القوة، فمصيرهم الخزي في الدنيا ونار جهنم، ولعل أنصار ثقافة السلام يدركون منهج الإسلام في الجهاد، ولعلهم يتنبهون إلى كيد أعداء المسلمين في تفكيك عقيدة الإسلام وثقافته في مجال الجهاد.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 1

2151

الثلاثاء 17-مارس-1970

الافتتاحية

نشر في العدد 17

124

الثلاثاء 07-يوليو-1970

حدث هذا الأسبوع - العدد 17