; نظرات في سيرة الإمام حسن البنا (الحلقة الأولى) | مجلة المجتمع

العنوان نظرات في سيرة الإمام حسن البنا (الحلقة الأولى)

الكاتب شوقي محمود الأسطل

تاريخ النشر الثلاثاء 23-فبراير-1993

مشاهدات 39

نشر في العدد 1039

نشر في الصفحة 45

الثلاثاء 23-فبراير-1993

نظرات في سيرة الإمام حسن البنا (الحلقة الأولى)

بقلم: شوقي محمود الأسطل- موجه التربية الإسلامية بإدارة تعليم نجران- السعودية

 الإمام البنا والحاجة إلى تذكره

في هذه الأيام التي تطل علينا فيها الذكرى الرابعة والأربعون لاستشهاد الإمام رغبت بأن أحسن إلى نفسي كما قال الشيخ الندوي في (تقدمته) لمذكرات الإمام بالكتابة عنه وإلا فهو كما يقول تلميذه الشيخ عمر التلمساني «رحمه الله» ليس في حاجة إلى من يذكره لأنه أفضى إلى ما قدم من خير ولا نزكيه على الله ولكن الناس هم الذين في حاجة إلى تذكره يرطبون بها قلوبهم، ويحيون بها عزائمهم، ويتشوقون من خلالها إلى طلائع النور المحمدي وأضواء هذا المد الإسلامي الذي ينتشر في أرجاء الأرض انتشار الأريج العبق في خمائل العمل الصالح في سبيل الله وسأحاول عبر السطور الآتية تسليط الضوء على جوانب من شخصيته ومعالم من سيرته العطرة... سائلًا الله العون والتوفيق.

التفاني في الدعوة وزهد في الدنيا

يقول البهي الخولي «رحمه الله» وقد عاش معه ورافقه: «كان الناس يحيون في غمار الموجه المادية حين قام حسن البنا في إشراق هالة لها مبادئها، ومثلها العليا هالة الفكرة الإسلامية يحيا فيها بقلبه ويحيا فيها بعقله ويحيا فيها بنفسه، ويحيا فيها بوجدانه وشعوره وعصبه فكانت مبادئها عنده هي الحق وما سواها الباطل، وكانت مثلها هي النواميس العملية الأصلية وما سواها وهم خادع، وسراب لا معول عليه وكانت زهرة الحياة الدنيا تتضاءل وتتقلص أمام عينيه فكان زهده في دنيا المادة لا يعدله زهد أهل المادة فيما لديه من مثل رفيعة شريفة، ولقد عرضت الدنيا نفسها عليه وجاءته خاطبة وواتته الظروف ولكن هيهات أن تروج هذه الأوهام في نفس مشغولة زاخرة بالحقائق النفسية العليا (2).

ويصفه أحد تلاميذه وهو الشيخ محمد عبد الحميد قال: كان الإمام يختزل الحياة اختزالًا كأنما كان يسابق الأفلاك في دورانها، خطواته خطوات العماليق وجهوده جهود أمة كاملة، وكأنه علم أن حياته أقصر من دعوته الشاملة فحرص على أن يمكن لدعوته من أسباب القوة، ويحوطها بأضخم ما يستطيع من أسوار ويجهزها بأعظم ما يقدر من العدد والذخائر...

كان سمته الحركة الدائمة والعمل السريع وكان يندفع إلى تكاليف الدعوة ومطالبها في هيام وغرام ليس لها مثيل، وهو خلال ذلك ينتج إنتاجًا ضخمًا هائلًا رغم المسارعة في غير زلل أو عثار بل كانت سرعته يتوجها الإتقان وحركته المتلاحقة يزينها الأحكام، لقد كان سراجًا قدسيًّا لم تنطفئ جذوته حتى نضبت آخر قطرة في زيته المحدود ونزف النقطة الأخيرة من دمه الزكي وهو ينطق بالشهادتين... نصحه أحد الإخوان وقد رآه يرهق نفسه لو (ترحمون) جسمكم بلحظات من النوم؟ فقال: غدًا يا عزيزي سأنام طويلًا وأستريح كثيرًا (3).

حكى أحد إخوانه قال: تزامن خروجه في إحدى رحلاته الدعوية المباركة مع مرض ولده سيف الإسلام، فلما فوتح قال: إن وجودي لن يرد قدر الله فإن كتب الله له الشفاء فالحمد لله وإلا فجده أعرف بطريق المقبرة مني.

... وإذا كان الزهد في الدنيا هو شعار الصالحين ودثار المخلصين وحلية أولياء الله المتقين فقد كان رضي الله عنه مثالًا يُحتذى ونبراسًا يُقتدى في هذا الميدان.

يقول التلمساني رفيق رحلته وخليفته الثاني: «إنه أستاذ الجيل بلا شك فقد كان كل عالم مشغولًا براتبه ودرجته وترقيته ثم إجازته وراحته السنوية، كل هذا ما كان يعني حسن البنا في شيء لم يلق إليه بالًا، لم يهتم به لحظة، كانت كل الماديات عنده في المرتبة الأخيرة وما كان يعنيه إلا الدعوة إلى الله والعمل المتواصل لنشرها فإذا ما أهل الصيف شد رحاله إلى الصعيد بدءًا من أسوان إلى كل أحضان الجبال بما فيها من عقارب وفئران وكفور ونجوع، على قدميه عشرات الأميال مرة... على حمار أعجف مرة... لا يحول بينه وبين تبليغ الدعوة ونشرها بين الناس جميعًا حائل.

يكفيه أقل الطعام... كان قليل الرغبة في الطعام فإذا ما دعا إلى مائدة دسمة شهية أسرع إلى الجلوس بجواره شباب الإخوان وذلك لأن الداعي كان يكدس لحم الضأن والدجاج أمام فضيلته فتتسرب هذه الكمية إلى الذين يحيطون به من الجائعين أما هو فيكفيه ما يقيم صلبه... ويظل في هذه الرحلة المرهقة حتى تنتهي شهور الإجازة ليبدأ رحلة الشتاء في أرجاء الوجه البحري أيام الجمع والإجازات الرسمية، وأذكر أنني والإخوان صلينا معه الفجر على رصيف محطة طنطا والمطر يتساقط رذاذًا خفيفًا واهنًاـ، ومن طرائف هذه الزيارة أن الإخوان جميعًا ومعهم الإمام باتوا على الحصير (4).

يزور الشيخ يوسف الدجوى يومًا وهو من هيئة كبار العلماء فيجد عنده لفيفًا من العلماء ويعرض عليه ما يجيش في صدره فيتكلم الشيخ الدجوى مبديًا حزنه وأسفه على أحوال المسلمين ويعرب عن اعتقاده بعدم جدوى الجهود في مثل هذه الظروف فيغضب الإمام ويصرخ: إنني أخالفك يا سيدي. وأعتقد أن الأمر لا يعدو أن يكون ضعفًا فقط وقعودًا عن العمل... من أي شيء تخافون؟ من الحكومة أو الأزهر يكفيكم معاشكم واقعدوا في بيوتكم واعملوا للإسلام... يا أستاذ إن لم تريدوا أن تعملوا لله فاعملوا للدنيا وللرغيف الذي تأكلون فإنه إذا ضاع الإسلام في هذه الأمة ضاع الأزهر وضاع العلماء فلا تجدون ما تأكلون ولاما تنفقون فدافعوا عن كيانكم إن لم تدافعوا عن كيان الإسلام واعملوا للدنيا إن لم تريدوا أن تعملوا للآخرة وإلا فقد ضاعت دنياكم وآخرتكم على السواء (5).

_______________________________________

مخاطبة الناس بلغاتهم وقدرته على التأثير

مخاطبته لكل فئة باللغة التي تناسبها... يقول علي رضي الله عنه فيما رواه عنه البخاري في صحيحه «حدثوا الناس بما يعرفون» فالوصول إلى عقول الناس وقلوبهم مع اختلاف الثقافات والبيئات والقدرة على التأثير فيهم بمختلف طبقاتهم ليس بالأمر اليسير إلا على من يسره الله عليه وكان الإمام ممن يسر الله لهم ذلك... يقول روبير جاكسون في كتابه «حسن البنا الرجل القرآني» كان قديرًا على أن يحدث كلًا بلغته وفي ميدانه وعلى طريقته ويعزف على الوتر الذي يحس به، ويضع يده على الجرح الذي يثيره... يعرف لغات الأزهريين، والجامعيين والأطباء والمهندسين والصوفية وأهل السنة ويعرف لهجات الأقاليم في الدلتا وفي الصحراء وفي مصر الوسطى والعليا وتقاليدها بل إنه يعرف لهجة الجزارين والفتوات».

وعلى ذكر الفتوات فإنني أنقل قصة أحدهم مع الإمام، كما أوردها الشيخ عباس السيسي حيث يقول: «رغب الإخوان في حي بولاق بالاحتفال بذكرى مولد الرسول صلى الله عليه وسلم فذهبوا يبحثون عن أرض يقيمون عليها سرادق يؤمه الناس في هذه المناسبة التي سيخطب فيها المرشد... فوقع نظرهم على المطلوب ولكنهم علموا أن صاحبها نصراني وبينما هم في حيرتهم إذا برجل كان يجلس على مقهى مجاور لهذه الأرض يقول: بالنيابة عن صاحبها أقيموا الحفل على ضمانتي، وكان القائل هو المعلم إبراهيم كروم فتوة حي بولاق الشهير وأخبر الإخوان الإمام... وجاء موعد الاحتفال وعندما وصل الإمام توجه رأسًا إلى المقهى وسأل عن المعلم إبراهيم كروم وشكره على موقفه... وحضر المعلم الحفل واستمع إلى الإمام... وبعد انتهاء الحفل دعا الإمام إلى كوب شاي في المقهى... ومنذ ذلك اليوم والرجل مواظب على الحضور إلى المركز العام للإخوان ولم تنقطع صلته به... وفي حوادث مارس سنة 54م عندما هب الشعب يطلب الخلاص من طغيان جمال كان المعلم على رأس المظاهرة التي أجبرت الطاغية على التنحي فيما عرف بمقررات مارس... وعندما استطاع صنم العصر إجهاض هذه المقررات قبض على المعلم وحكم عليه بالسجن... وتوفي رحمه الله بعد الإفراج عنه (6).

الهوامش:

1- ذكريات لا مذكرات التلمساني ص 234.

2- حسن البنا بأقلام تلامذته- جابر رزق ص 75.

3- نفس المصدر ص 84.

4- الملهم الموهوب - التلمساني - ص 20.

5- لماذا اغتيل الإمام- الجبري ص 19.

6- حسن البنا - مواقف - السيسي ص 63.



 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 6

603

الثلاثاء 21-أبريل-1970

الحركة الإسلامية في الهند

نشر في العدد 11

190

الثلاثاء 26-مايو-1970

مناقشات حول الحركة الإسلامية