; خطاب الأدب الإسلامي.. أدب عقدي | مجلة المجتمع

العنوان خطاب الأدب الإسلامي.. أدب عقدي

الكاتب وجيه يعقوب السيد

تاريخ النشر السبت 21-سبتمبر-2002

مشاهدات 64

نشر في العدد 1519

نشر في الصفحة 53

السبت 21-سبتمبر-2002

للأدب الإسلامي خصائصه التي تميزه عن سائر الآداب، ولا غرابة في ذلك، لأنه  يستمد مقوماته من القرآن الكريم والسنة المطهرة، ولعل أهم خصائص هذا الأدب، أنه أدب عقدي، لا يصطدم بالثوابت الإسلامية التي جاء بها القرآن والسنة.

والنصوص الأدبية والنقدية التي تشير إلى ضرورة ارتباط الأدب بالعقيدة كثيرة ومتعددة، وهي تلح على ذلك إلحاحًا، ويتشدد النقاد مع الأدباء الذين يخالفون هذا المبدأ.

وربما دفع النقاد إلى التشدد في هذا المبدأ، ما شاع في الأدب العربي، عبر عصوره المختلفة، خاصة في العصر الحديث -من رموز ومعان تصطدم بالعقيدة الإسلامية، وتتطاول على ثوابت الأمة ومقدساتها، بدعاوى التحليل واللاشعور-وما إلى ذلك من حيل تبريرية تتيح للكاتب أن يتحرر من قيود متعددة، أهمها بالطبع العقيدة، كما كثرت في الأدب الحديث.. الألفاظ والمصطلحات التي تصدم الحس الإسلامي، حيث استخدم بعض الشعراء هذه الألفاظ في غير ما وضعت له. ولعل السؤال الذي يطرح نفسه: ما الذي يمكن أن تقدمه العقيدة للأدب، خاصة أن العقيدة ذات مبادئ وأصول ثابتة، بينما يمور الأدب بالحركة، وينفر من القيود والقواعد الثابتة؟ إن العقيدة الإسلامية ليست جامدة، فهي عقيدة حيوية وخصبة، ولها رؤيتها الكاملة والواضحة لحقائق الوجود،  وقد انبثقت منها قديمًا عشرات المدارس الفكرية التي أمدت الفكر الإنساني بتنوع هائل من الأفكار والتصورات، كما أنها تشحذ خيال المسلم وذهنه، وتهيئ نفسه لتصور مشاهد البعث والحساب والمعجزات،  كل هذه الأمور لا تصيب الأدب بالجمود والثبات، ولا تكبل الأديب بالقيود والأغلال، بل تفتح له طاقات من النور والأمل والتخيل، بما تتيحه للأديب من عوالم لم يطلع عليها إلا في ظل هذه العقيدة؛ لذلك، فإن ما يقوله بعض النقاد الغربيين عن الأثر السلبي للعقيدة على الأدب، قول لا يصح بالنسبة للعقيدة الإسلامية، التي حررت العقل البشري من الجمود والتقليد، ودعته للتفكير والتأمل والتدبر. إن العقيدة هي غذاء الروح، وهي حقيقة بدهية في کيان الإنسان، فهي تفسر له وجوده ومصيره، تجيبه عن الأسئلة الغامضة التي حيرت الإنسان طويلًا. والمتأمل في الأدب الإسلامي الذي نشأ في ظلال العقيدة، والتحم بما تطرحه من أفكار وآراء، لا يجد فيه أثرًا سلبيًّا، ولا يشعر بقيود من أي نوع على الأديب، بما يشعر باليد الحانية التي تمتد إلى هذا الأديب وتصحبه إلى شاطئ الأمان.

أما بعض المقولات التي تدعو إلى فصل الأدب وعزله عن الدين والعقيدة، كمقولة القاضي الجرجاني «إن الدين يجب أن يكون بمعزل عن الشعر»، ومقولة الأصمعي التي انساق وراءها ابن قتيبة وغيره، حيث يقول: «الشعر نكد بابه الشر، فإذا دخل في الخير ضعف» هذه المقولات تحتاج إلى إعادة النظر فيها. فقول القاضي الجرجاني جاء تعليقًا على إسراف بعض النقاد في الحكم على الشعراء من خلال فهمهم الخاص للدين، ففي القرن الرابع الهجري واجه بعض النقاد المتنبي، وعابوا عليه مبالغاته التي تتكئ على مفهومات عقدية، وقد أسرف هؤلاء النقاد في مهاجمته حتى أسقطوا شعره عامة، ونفوا عنه الشاعرية، ولا شك أن هذا الأمر قد أحنق القاضي الجرجاني، ودفعه إلى كتابة ما كتب. وهذه المقولة بمعناها الذي أشرنا إليه تنسجم مع التصور الإسلامي، فالإشادة بالتجربة الأدبية لمجرد أنها احتوت على مضامين إسلامية، على الرغم من خلوها من مقومات الفن الجيد، أمر يتنافى مع واقعية الإسلام ومنطقه في التحلي بالموضوعية، كما أن الغض من شأن شاعر كبير كالمتنبي، وأخذه بالشبهات، أمر يتنافى مع الموضوعية التي أرسى الإسلام دعائمها. وعلى هذا فلا يصح الفصل بين الأدب والدين في الفكر الإسلامي، ولا تعارض مطلقًا بين القول الجميل الرائق والأدب الجميل، وبين القيم والآداب التي يدعو إليها الإسلام. لقد قدر الإسلام الكلمة، خاصة الكلمة الشاعرة المسؤولة، التي تسهم في تهذيب الذوق، وبناء المجتمع بناء سليمًا. قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُها ثابِتٌ وَفَرْعُها فِي السَّماءِ * تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّها وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (إبراهيم:24-25).وعلى ذلك، يجب على الأدباء، أن يراعوا خطورة الكلمة، وأثرها في النفوس، فلا يضمنوا أعمالهم ما يتنافى مع توجيهات القرآن والسنة،  خاصة في مجال العقيدة، حتى تؤتي كتاباتهم ثمرتها المرجوة بإذن الله تعالى، وليس هناك تعارض أبدًا بين حرية الأديب والعقيدة الإسلامية، بل على العكس من ذلك نجد العقيدة تعد الأديب بالتصورات والأفكار الكافية، التي تفسر له سر وجوده، وحقيقة الحياة والكون وما بعد الحياة!.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 9

121

الثلاثاء 12-مايو-1970

دعوة الحق: اللَّه أكبر (شعر)

نشر في العدد 11

120

الثلاثاء 26-مايو-1970

في رثاء الشهيد باعبّاد