; دعوة الإسلام.. مثالية عالمية شاملة | مجلة المجتمع

العنوان دعوة الإسلام.. مثالية عالمية شاملة

الكاتب د. حمدي شلبي

تاريخ النشر السبت 02-أكتوبر-2004

مشاهدات 55

نشر في العدد 1621

نشر في الصفحة 54

السبت 02-أكتوبر-2004

الدعوة الإسلامية دعوة عالمية لكل البشر، وهي الدعوة الخاتمة، ولما كانت كذلك عنيت بالإنسان عناية خاصة في كل ما يتصل بشؤون حياته، لكي ينعم بالسعادة في الدنيا، وينال رحمة الله في الآخرة، ومن أجل ذلك اعتمدت الدعوة على أصلين ثابتين لم يقبلا، ولن يقبلا التحريف أو التغيير، وهما القرآن الكريم والسنة النبوية.
دين الإسلام هو الدين الوحيد على وجه الأرض الذي حفظ الله له كتابه من التحريف قال -تعالى-: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (سورة الحجر: 9)، وحفظ سنة نبيه ﷺ فقيض لها رجالًا وضعوا لها ضوابط وتحملوا المشاق في سبيل المحافظة عليها، وهذه تعد قمة المثالية في الدعوة، حيث لا يستطيع أي فرد مهما كانت مكانته أن يتدخل في نص من النصوص أو يشكك فيه، لأن الضوابط التي وضعت لذلك حفظت السنة بفضل الله تعالى.
وتتعدد الأدلة الدامغة على مثالية الإسلام وكماله وشموله، ومنها:

أولًا- عدم مجاملة فرد على حساب آخر، فالإسلام عامل الجميع بمبدأ المساواة وتكافؤ الفرص، فلم يميز في معاملاته بين فرد وآخر، بل كافأ المجتهد الصابر المحتسب المجاهد، وأخذ بيد التائب، ولم يجامل من يخل بطاعة الله عز وجل، أو تكاسل في عطائه، حتى ولو كان من أشراف القوم.
فمكانة النبي ﷺ عند الله لا تخفى علينا ومع ذلك فإن آيات الـعـتـاب في القـرآن الكريم تفصح عن عدم المجاملة، مثل قوله -تعالى-: ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾ (سورة الأحزاب :۳۷)، ومثل قوله -تعالى-: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّىٰ (1) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَىٰ﴾ (سورة عبس: 1-2) ومثل قوله -تعالى-:﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ۖ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِم مِّن شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ (سورة الأنعام: 52)، وقوله -تعالى-: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (44) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (45) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (46) فَمَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ (سورة الحاقة: 44-47) وغيرها الكثير من الآيات .
فهذه مثالية الدعوة الإسلامية في عدم المجاملة مع سيد ولد آدم ولا فخر، وهذه النصوص لا تقلل من مكانة النبي ﷺ، إنما تفصح عن أمانة التبليغ وحفظ القرآن والسنة من التغيير والتحريف.
ومن أمثلة عدم المجاملة في السنة: قوله ﷺ «لو سرقت فاطمة بنت محمد -صلى الله عليه وسلم- لقطعت يدها» وقوله لأبي ذر عندما قال لبلال: «يا بن السوداء، أعيرته بأمه؟ إنك امرؤ فيك جاهلية» وغير ذلك من المواقف.

ثانيًا- تكريم الإسلام للإنسان دون النظر إلى دينه أو بلده أو مكانته فالدول المتقدمة الآن لا تتعامل مع الناس بميزان واحد، بل هناك المنتمي إلى الدول المتقدمة والمنتمي إلى الدول النامية والفقيرة، وهناك العدو والصديق واليهودي والمسلم، فتتعامل بمعايير مختلفة ومتعددة، ووصل الأمر إلى انتهاك كرامة الإنسان بشكل فاضح ومخز.
أما القرآن فقد نص على وجوب تكريم الآدمي احترامًا لآدميته، قال -تعالى-: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ (سورة الإسراء:۷۰)، وقال -تعالى-: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ (سورة التين: 4)، بل ذكر الفقهاء: طهارة الآدمي حتى لو كان غير مسلم وأشاروا إلى أن المراد في قوله: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ (سورة التوبة: ۲۸)، النجاسة المعنوية وهي نجاسة العقيدة، فالإسلام كرم الآدمي دون النظر إلى جنسه أو دينه. 

ثالثًا: حرمة تعذيب الناس إن الإسلام حفظ للإنسان كل الحقوق المادية والأدبية، وحرم التعدي عليه بأي لون من ألوان التعدي ولو بالكلمة، فإن فعل ذلك فالقصاص هو الحل، فإن استطاع أحد أن يفلت من العدل في الدنيا، فإن عذاب يوم القيامة أدهى وأمر، فقد ورد في مسلم، وابن حبان، وأحمد عن عروة أن حكيم بن حزام مر بعمير بن سعد، وهو يعذب الناس في الجزية في الشمس، فقال: يا عمير إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الله يعذب الذين يعذبون الناس في الدنيا، قال: اذهب فخل سبيلهم.«
فهذا الحديث يفصح عن معاملة الذين تأخروا في دفع الجزية، وأنه لا يجوز تعذيبهم بحال من الأحوال، ويفصح عن اهتمام أصحاب النبي ﷺ بحقوق الإنسان حتى ولو كان غير مسلم، فكم اليوم من أناس يعذبون ويطردون من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله.

رابعًا- الرفق بالحيوان فقد ورد في صحيح مسلم أن رجلًا بلغ به من العطش ما بلغ فرأى بئرًا فشرب، فرأى كلبًا يلهث من العطش، فقال: لقد بلغ بهذا الكلب من العطش ما بلغ بي، فخلع نعله فسقى الكلب فشكر الله له فغفر له.
ومن يخالف ذلك يكن آثمًا، فقد ورد بالمقابل بأنه قد يكون تعذيب الحيوان سببًا في دخول النار، كما أن سقيه كان سببًا في دخول الجنة حيث أخبر النبي ﷺ بقوله: «دخلت امرأة النار في هرة حبستها، فلا هي أطعمتها ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض».

خامسًا- الإسلام دين الحس المرهف: حرص الإسلام على مراعاة شعور الإنسان وإحساسه، فطالب المسلم بمراعاة أخيه الإنسان، فلا يجوز إيذاؤه وإحراجه حتى عند تقديم الصدقة له، بل جعل الكلمة الطيبة خيرًا من الصدقة إذا كان معها أذى، فالله -تعالى- يقول: ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى ۗ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ﴾ (سورة البقرة: 263).

وهكذا تكون الكلمة الطيبة مراعاة لشعور الفقير أفضل عند الله من الذين يمنون في عطائهم.

سادسًا- محافظة الإسلام على جسد الإنسان وعقله: حرص الإسلام على حماية جسد الإنسان بأن يكون غذاؤه من حلال، فكل جسد نبت من حرام فالنار أولى به، وحافظ على العقل فحرم الخمور وكل ما يذهب العقل، وجعل العقل مناط التكليف.

سابعًا- الاهتمام بالمرأة: مما يدل على مثالية الإسلام عنايته بالمرأة مثلها مثل الرجل، فعاملها على أنها الأم والأخت والبنت والزوجة والعمة، وأوجب لها من الحقوق والواجبات ما يجعلها موطن احترام وتقدير من الرجل، فلم ينظر إليها على أنها أرخص السلع كما ينظر إليها بعض من يدعون التقدم والحرية، أولئك الذين يقدمونها رخيصة في الإعلانات وعروض الأزياء وغيرها؛ مما يدل على حقارة المرأة عندهم، أما عندنا في الإسلام فإن المرأة جوهرة يجب أن تحفظ، وإذا سافرت فلا بد من مصاحبة محرم لها حفاظًا على كرامتها وإنسانيتها، وحرصًا عليها، وعناية بأمرها؛ لأنها الأم التي حملت الإنسان ووضعته وهنًا على وهن، فتقابل بالإحسان والإكرام والصيانة، وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان.
إنها المثالية الراقية في المحافظة على الإنسان وتكريمه التزامًا بكتاب الله، واتباعًا لسُنة نبيه محمد ﷺ.

الرابط المختصر :