; السنوسية تعد للعمل الجهادي لمساندة دولة الخلافة | مجلة المجتمع

العنوان السنوسية تعد للعمل الجهادي لمساندة دولة الخلافة

الكاتب أ.د. عجيل جاسم النشمي

تاريخ النشر الثلاثاء 13-مايو-1980

مشاهدات 57

نشر في العدد 480

نشر في الصفحة 42

الثلاثاء 13-مايو-1980

السنوسية تعد للعمل الجهادي لمساندة دولة الخلافة ([1])

بعد أن توفي مؤسس الحركة السنوسية محمد علي السنوسي عهد بقيادة الحركة إلى ابنه محمد بن محمد بن علي السنوسي المهدي الذي ولد بماسه في الجبل الأخضر في ذي القعدة من عام 1260هـ نوفمبر 1844م، قبل مولد أخيه محمد الشريف بسنتين وبالجبل الأخضر تلقى محمد بن محمد تربيته الأولى حتى توسط السابعة فانتقل إلى الحجاز وبقي مدة يتعلم على أيدي كبار الإخوان وشيوخ السنوسية بزاوية أبي قبيس بمكة المكرمة، ثم أرسله والده إلى زاوية الجغبوب في ربيع

الأول من عام 1374هـ أكتوبر 1857م.

وعهد إلى تربيته وتدريسه مع أخيه محمد الشريف إلى كبار الإخوان السنوسيين وقد بدت عليه مخايل الذكاء من صغره، وحفظ القرآن الكريم وهو لم يبلغ الرابعة عشرة من عمره وفي قول وهو في الثامنة من عمره، وعندما توفي والده محمد بن علي السنوسي كانت سنه حوالي ست عشرة سنة ومع ذلك فقد بایعه جميع الإخوان رئيسا للحركة السنوسية. وقد تميزت شخصيته بعدة ميزات، فقد كان على جانب كبير من التقوى والورع والفقه، وذو شخصية مؤثرة أخذ من أبيه حظًا وافرًا وكان أبرز ما فيه صفته القيادية التي رعاها ونماها فيه شيوخه ومؤدبوه، حتى أصبح وهو في هذه السن قادرًا على قيادة حركة كبيرة ينتظر التاريخ دورها. (۱)

وكان أتباع الحركة السنوسية يؤمنون بمهدوية محمد بن محمد بن علي ويقولون بها، وقد تردد هذا القول في شعرهم وزجلهم وكتاباتهم وأحاديثهم، من ذلك ما جاء في قصيدة قالها أحد الإخوان ونقلها أحمد الشريف في تاريخه.

إمام جليل بشرتنا به العلا

                            على أنه المهدي قد كان في المهد

إمام إلى بيت النبوة ينتمي

                           ولا شك عند اثنين في أنه المهدي

وأفرد أحمد الشريف في تاريخه فصلا للتحدث عن دلائل مهدويته مستندا إلى الأحاديث النبوية الواردة في ظهور المهدي وعلى ما قاله والده محمد بن السنوسي في هذا الصدد وقد لاحظ بعض الرحالة الأوربيين أن بدو الصحراء اعتقدوا بمهدويته ولم يؤمنوا بحقيقة موته عند وفاته.

ولو أننا بحثنا عن أول بروز هذه الفكرة لرأينا أنها ظهرت في حياة والده محمد ابن علي السنوسي الذي كان مؤمناً بمهدوية ابنه، ومن ذلك ما قاله لزوجته البسكرية عندما سألته لماذا سمى ابنه المهدي فأجاب "ليحوز جميع أنواع الهداية ونرجو الله أن يجعله هادياً مهديًا" وفي رواية أخرى "رجوت أن يكون المهدي المنتظر.

وبعد وفاة محمد بن علي السنوسي نمت فكرة مهدوية محمد بن محمد وانتشرت وصار لها براهينها عند الناس بعد أن التمسوا لها ما يعززها من الإشارات والظواهر.

وقد ساعدت بعض الإشارات والظواهر على تثبيتها مثل كون اسمه محمد واسم أبيه محمد واسم أمه فاطمة وقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله فيما يرويه أبو داود: (لو لم يبق من الدنيا إلا يوم لطول الله ذلك اليوم حتى يبعث رجلاً مني أو من أهل بيتي -شك من الراوي- يواطئ اسمه اسمي واسم أبيه اسم أبي يملأ الأرض قسطًا وعدلًا كما ملئت ظلمًا وجورًا). (۱)

ومن الظواهر أيضا وجود شامة على خده وبلوغه سن الأربعين في سنة 1300هـ وولادته قرب بلدة ماسة. (۲)

ولقد عم القول بين الإخوان السنوسيين بمهدوية محمد بن علي حتى قال به عامتهم و بعض علمائهم.

إلا أن شخصًا واحدًا أعلن معارضته لهذه الدعوى وأبى الموافقة على القول بمهدوية محمد بن علي السنوسي، ذلك الشخص هو محمد بن علي السنوسي نفسه فالأخبار الموثوقة المتواترة على أنه كان ينفي هذا القول وينهي أتباعه عنه، ومع أنه سمع من أبيه قوله لكبار الإخوان «نحن من جماعة المهدي..»، وما سمعه مما تناقله أتباعه عن أبيه إلا أنه فهمها على أنها نوع تشجيع له، وعمل على رفع منزلته أمام الإخوان خصوصا وأنه صغير السن ومما يروى عنه أن زوجة أبيه البسكرية سألته: أصحيح أنك المهدي المنتظر؟ فأجابها: قيل لي إن هناك من يهرف بهذه الخرافة. (۳)

وحين تسلم محمد بن محمد زمام الأمور، كانت الحركة السنوسية تمر بأصعب مراحلها فقد استلم الحركة وهي في نهاية طور التكوين والتأسيس وتأصيل الفكرة وانتشارها داخل الغرب العربي وخارجه، ولم تتعرض الحركة طوال هذه المدة التي تقدر بعشرين عاماً تقريبا من حياة والده لأية مصادمات تذكر كي تكون معيارا لقوة الحركة، وقد كان والده يتجنب كل ما قد يجره إلى مثل هذه المصادمات ليتفرغ للتربية والإعداد.

وقد تسلم محمد بن محمد الحركة ومطامع الدول الأوروبية بدت تتجه نحو المغرب العربي عموما وليبا موطن الحركة السنوسية خصوصاً إذ بدأت تشعر بنمو هذا نظر الخطر الجديد، وبدأت تعد لهذه الحركة الأهبة والمؤامرات والدسائس فكان على محمد السنوسي أن يرقب هذا الجانب ويحذره ويقدر خطورته.

ومن جانب آخر فإن دولة الخلافة الإسلامية بدأت تتوجس من هذه الحركة خيفة فقد كانت تظن أنها بادرة لإنشاء دولة منفصلة عن جسد دولة الخلافة وفي ذلك إضعاف لمكانتها مع علمها يقينًا أنها لا تستطيع أن تطوق هذه الحركة ولا أن تستوعبها فضلا عن ضربها.

فكان على محمد السنوسي أن يرقب هذا الجانب الحساس ويحدد موقفًا واضحًا تجاهه ينفي الشبه ويقضي على ما قد يكون سببا في المواجهة بينهما.

وكان عليه أيضا أن يسير بالدعوة وسط الدعوات المناوئة له وأبرزها حركة محمد بن أحمد المهدي في السودان فإن بوادر الصدام ومبرراته قائمة تجاهه.

كان على محمد السنوسي أن يسير بالدعوة وسط هذه العواصف كلها بحكمة وروية وحسن قيادة وقد اهتم محمد السنوسي بالحفاظ على الخط الجهادي والفكري للحركة فبقي في منطقة بالجغبوب باعتبارها مركز الحركة، وظل فيها حوالي ست وثلاثين سنة من عام 1376 – 1413.

وقد ورث عن والده تنظيما إداريا جيدا كان على ضوئه تسير الحركة، إلا أن محمد السنوسي غير بعض هذه النظم مما يتوافر والطور الجديد للحركة فكون له مجلسا أشبه ما يكون بالمجلس الأعلى للنظام، وكان هذا المجلس يشكل قمة الهرم الذي قاعدته الزوايا.

ذكر أحد المؤرخين أن المجلس كان يضم إلى كبار الإخوان المقيمين في الجغبوب كبار رؤساء الزوايا، وأنه كان يجتمع سنويًا في الجغبوب للنظر في أهم الأمور برياسة محمد الشريف، ثم تعرض قراراته على محمد بن محمد السنوسي، وقد وزعت الأعمال الرئيسية على أفراد هذه الفئة من كبار الإخوان، فاختص كل واحد منهم بجانب فكانت لمحمد الشريف أخي محمد السنوسي مهمة الإشراف على الجانب العلمي، وقد أشار والده لاتجاهه العلمي في قوله: للمهدي (أي محمد بن محمد) السيف، وللشريف (أي محمد الشريف) القلم».

أما الآخرون فواحد للقضايا المالية وثان للمراسلات وثالث للمقابلات، وما إلى ذلك من اختصاصات احتاجها النظام في طوره الجديد (1)

وقد بقيت كثير من النظم الإدارية السابقة على ما نظمها والده. وقد حافظ السيد محمد السنوسي على سير الزوايا بخطة والده فهي السبيل الناجح لانتشار الحركة وقد توسع في نشرها كثيرا حتى وصلت عام 1884 إلى مائة زاوية خضعت من خلالها جميع الأقطار الليبية، و يدين لها في برقة كل القبائل تقريبا وفي تونس أنشأ السنوسي خمس زوايا وفي الجزائر خمس زوايا وفي مراكش ثلاث زوايا وأنشأ زوايا في طريق القوافل إلى مصر في سيوه والزيتون والحوش (حوش ابن عيسى) بجهة الإسكندرية، والنطرون، ثم في الفرافرة منذ عام 1860 وفي الترتيبات من الواحة الداخلة، وهذا عدا الزوايا في القطر المصري نفسه في الإسكندرية والقاهرة والسويس وبلغت زواياه في مكة وجدة وينبع والمدينة المنورة اثنتي عشرة زاوية ووصلت الزوايا حتى العراق وساحل الصومال الأفريقي ثم القسطنطينية والهند. (۲)

وظلت الزوايا تحافظ على خطها الفكري الذي وضعه والده، فكانت الزاوية بمثابة الجامعة يؤمها الشباب ليتلقوا فيها أنواع العلوم الشرعية إلى جانب فهم الطريقة السنوسية وبالتالي نشرها في شتى البقاع التي وردوا منها.

واستطاعت الحركة السنوسية أن تقف حجر عثرة أمام المد التبشيري في أفريقيا كلها خصوصا في القبائل الوثنية التي استوعبتها الحركة السنوسية ودال معظم الوثنيين للإسلام.

أما الجانب العسكري الجهادي فقد اهتم به محمد السنوسي اهتماما كبيرا، وتطور على يديه تطورا كبيرا ذكرنا - جانبا منه سابقا - وأصبحت الجغبوب ثكنة عسكرية مستحكمة، كما أن الزوايا الأخرى المنتشرة في المغرب العربي خصوصا استمرت على الاهتمام بتعليم الرماية والاستعداد لأي خطر قد يهدد الدعوة وسيرها.



[1] - مجلة المجتمع، العدد (480)، 28 جمادى الآخرة 1400هـ / 13 مايو 1980م، ص42. 

 

 

الرابط المختصر :