العنوان عام دراسي جديد.. طوفان من نوع آخر
الكاتب منى عبدالفتاح
تاريخ النشر الثلاثاء 01-أكتوبر-2024
مشاهدات 62
نشر في العدد 2196
نشر في الصفحة 41
الثلاثاء 01-أكتوبر-2024
تزداد التحديات في عالم عربي مثقل بالأزمات السياسية والاقتصادية،
وتحيط امواج التكنولوجيا والتطور التقني السريع وسط طفرات معلوماتية هائلة، وفجوات
معرفية مع دول الغرب تستدعي وقفة جادة لإعادة التعليم إلى مساره الصحيح، وفق خطط
علمية مدروسة.
ونحن على أعتاب عام دراسي جديد من المصارحة أن نقرأ بتمعن ويقظة
وتقييم نتائج مؤشر المعرفة العالمي لعام ٢٠٢٣م، لتعرف أن أمة اقراء كانت خارج
قائمة الـ ٢٥ الأولى على مستوى العالم، بحسب برنامج الأمم المتحدة الإنمائي وفق
نتائج المؤشر الدولي فإن الإمارات جاءت في المركز الـ ٢٦ عالميا، وقطر في المركز
ال٣٩ عالميا، والسعودية الـ ٤٠ عالميا، والكويت في المرتبة الا، وحلت البحرين في
المركز الله، وعمان ٦٦ بينما جاءت تونس في المرتبة 81، ومصر الله عالمياً، والمغرب
۹۲ فيما جاءت موريتانيا في المرتبة الـ ١٢٥ على مستوى العالم.
ويقيس المؤشر الأداء المعرفي للدول، وفق تقييمات تشمل ٧ مجالات هي: التعليم
قبل الجامعي والتعليم التقني والتدريب المهني والتعليم العالي والبحث والابتكار، وتكنولوجيا
المعلومات والاتصالات والاقتصاد والبينات التمكينية.
هذه التقييمات ليست جديدة من نوعها وسنويا تصدر مؤشرات عن جهات متخصصة
بشأن جودة التعليم، غالبا ما تضع الدول العربية. في مراكز متأخرة، تحمل في طياتها تراجعا
في مخرجات العملية التعليمية، رغم امتلاك بلداننا الثروات والقدرات والخبرات اللازمة
لدفع قاطرة التعليم إلى الأمام.
قد يذهب البعض إلى تشييد المنشآت والمدارس والجامعات والمعامل المتطورة،
وهناك دول تعتني بتعليم مناهج التدريس بلغات اجنبية، وأخرى تقوم بإقرار مناهج جديدة،
وإلغاء مواد دراسية بدعوى التطوير، وهناك من يرسل بعثات علمية للخارج أو يستقدم خبراء
أجانب للنهوض بتعليم بلاده.
لكن خطط التطوير التي تعتني بالطالب
والمنشأة، والمناهج والوسائط التعليمية، كثيرا ما تغفل العنصر الرئيس في المنظومة التعليمية
وهو المعلم والمربي والقائد الذي بإمكانه أن يسد. العجز فدي أي مكون مما ذكر سابقاً،
إذا امتلك هو القدرات والخبرات والجودة الكافية، بل بإمكانه أن يكون هو مدرسة في حد
ذاته.
في ضوء ذلك هل ترتقي بمستوى المعلم؟ وهل تؤهله بشكل جيدة وهل نتري معارفه
ونطور إمكاناته؟ وهل تمتحه ما يحتاج حتى لا يكون أقل مستوى من لاعبي الكرة ومطربي الغناء
الدين يحصدون الملايين في مجالات لن ترفع أوطاننا إلى مصاف الأمم والشعوب المتقدمة؟!
على سبيل المثال لا الحصر، هناك مصر التي تسجل وفق وصف «بي بي سي اسوا
راتب شهري للمعلم العربي بقيمة ٥٠ دولارا شهريا للمعلم المبتدي فيما يصل راتبه بعد
سنوات من الخبرة إلى ٢٠٠ دولار، بينما في تونس يتلقى المعلم راتبا قدره ۲۵۰ دولارا
شهريا، وفي الجزائر ٣٥٠ دولارا فقط!
في ضوء ذلك، فإن حال المعلم في كثير من بلادنا العربية لا تسر عدوا ولا
حبيبا، وهو ما فنف به إلى العوز والفقر، وربما امتهان مهنة أخرى للوفاء بمتطلبات المعيشة
أو التحول إلى بيزنس الدروس الخصوصية لجنى المال غير عابئ برسالته التربوية أو كونه
منارة للعلم، وراية للقدوة والخلق القويم.
إن من المخجل أن يذهب المعلم إلى بيت التلميذ ليلقنه دروسه مقابل أجر
ما، وقد يجدد والمعلم نائماً مثلاً فيرده أهله، غير مكترثين بقيمته. وكرامته،
وأهمية دورة وهو ما يحدث من قبل بعض الأسر التي تظن أنها بمالها اشترت العلم
والمعلم.
وفي بعض البلدان، هناك من يتطاول على المعلم أو يسخر منه أو يحيله
للتحقيق المجرد انه وبخ أو عاقب ابنه على تقصيره في أداء واجباته المدرسية حتى صار
المعلم ملطشة تقدم صورته بشكل ساخر ومستقر في أعمال فنية وسينمائية هابطة.
ومن ناقلة القول التأكيد على أن المعلم المؤهل الكفاء حجر الزاوية في
العملية التعليمية وهو الأرض الخصبة التي إذا صلحت صلح غرسها وزرعها وحصادها.
تقول منظمة التربية والعلوم والثقافة (يونسكو): إن دول العالم تواجه نقصاً
كبيراً في أعداد المعلمين بسبب تردي أوضاعهم المعيشية وعدم تقدير دورهم التعليمي وتعرضهم
للإهانة كما يجري تجاهلهم عند وضع السياسات التعليمية، وهو ما يجعل من مهنة التعليم
غير جاذبة أو مستقطبة للكفاءات..
وعلى الرغم من العجز الصارح في أعداد المعلمين عالميا الذي يصل إلى
14 مليون معلم ومعلمة فإن الخلل قائم ومستمر، في ظل غياب الإرادة السياسية في إصلاح
أحوال التعليم والنهوض بمستوى المعلم اقتصاديا ومجتمعياً وتربويا وثقافيا، وهو ما يجعل
خطط تطوير التعليم أشبه بالحرث في الماء أو ضجيج بلا طحين.
نحن في أمس الحاجة إلى معلم مؤهل بشكل كامل علم بمادته الدراسية والمهارات
التعليمية المطلوبة، وأدوات التكنولوجيا الحديثة وقبل ذلك لديه خلفيات تربوية ونفسية
جيدة تستطيع التعاطي البناء مع أبنائنا، وتفهم احتياجاتهم، مع القدرة على غرس القيم
النبيلة بداخلهم، وترسيخ الثقة فيهم، وتثوير روح الإبداع لديهم، وتحفيز الفضول العلمي
بينهم.
ومن الضروري أن يكون لدينا معلم يجيد العمل بروح الفريق والتواصل الفاعل
مع أسر الطلاب، وأن يستطيع قياس مستويات الذكاء لدى طلابه، وأن يحتويهم بخلقه قبل علمه
وسلوكه قبل مادته الدراسية، بما يصل بنا إلى بيئة إيجابية في المدرسة، ومحضن تربوي
ناضج ومنصة إبداعية فاعلة لدفع بلانا إلى المراتب الأولى على مؤشرات التعليم والمعرفة.
حينما تحتفي مع شعوب العالم في الخامس من أكتوبر ب «اليوم العالمي للمعلم»،
يجب علينا أن نستلهم الدروس من طوفان الأقصى، وأن تعمل على إطلاق طوفان جديد العلم
والمعرفة يواكب التطور التكنولوجي، ويقهر جيوش الجهل والتخلف والأمية ويقود قاطرة التغيير
نحو الأفضل .
العدد 2196 - ربيع الأول 1416هـ / 1 أكتوبر 2024م الحي
41