العنوان ضربة أمريكية لموسكو
الكاتب شعبان عبد الرحمن
تاريخ النشر السبت 30-مارس-2002
مشاهدات 60
نشر في العدد 1494
نشر في الصفحة 23
السبت 30-مارس-2002
باستقرار أول مجموعة من العسكريين الأمريكيين في العاصمة الجورجية تبليسي تكون واشنطن قد حققت أول اختراق عسكري للمنطقة، وهو الأمل الذي ظل يداعب الإدارة الأمريكية منذ سقوط الاتحاد السوفييتي. وفي سجل صراع النفوذ في المنطقة أصبحت قاعدة «قارزياني» الجورجية هي الأولى التي تدخلها قوات أمريكية بعد انسحاب القوات الروسية منها مباشرة، وهي الثالثة التي تحل فيها قوات أمريكية بعد دخول قوات أمريكية إلى قيرغيزيا وأوزبكستان على حساب القواعد السوفييتية السابقة، وهو ما يعني زحزحة النفوذ الروسي خطوة أخرى لصالح النفوذ الأمريكي.. وهي الخطوة التي ستتلوها - بلا شك - خطوات أخرى أكبر وأوسع في سبيل التمكين لمزيد من النفوذ الأمريكي.
هذا الحدث يقودنا إلى الاقتراب أكثر من المنطقة التي تتشابك فيها المصالح وتتعقد فيها الصراعات بين القوى المحلية والدولية.
فجورجيا وأبخازيا بينهما صراع تاريخي طويل لإصرار أبخازيا المسلمة على الاستقلال، بينما تصر جورجيا على اعتبارها جزءًا من أراضيها، ونفس الحالة تنطبق على أوسيتيا الجنوبية، أما روسيا فتؤيد أبخازيا وأوسيتيا في مساعيهما للاستقلال نكاية في جورجيا المتمردة على الانضواء تحت الهيمنة الروسية أسوة ببقية دول المنطقة.
وردًا على ذلك تؤيد جورجيا - بطريق غير مباشر - المجاهدين الشيشان في قتالهم ضد الغزو الروسي لبلادهم.. فمادامت روسيا تساعد الدولتين خاصة أبخازيا في ترسيخ الاستقلال وتنكر على جورجيا حق الاحتفاظ بهما ضمن أراضيها، فإن الرد الطبيعي هو مساعدة الشيشان على ترسيخ الاستقلال عن روسيا.
أما الولايات المتحدة فقد وجدت في الخلافات والصراعات المتجددة في المنطقة فرصتها للنفاذ إليها في إطار مخططها لبسط هيمنتها على العالم وتحجيم دور القوى المنافسة لها.
الذي يبدو أن هناك صفقة كبيرة بين جورجيا والولايات المتحدة تفتح الأولى بمقتضاها أراضيها للهيمنة الأمريكية على حساب النفوذ الروسي مقابل تسهيل واشنطن انضمام تبليسي لحلف شمال الأطلنطي. وقد أكد ذلك مستشار الرئيس الجورجي للشؤون الخارجية صراحة قائلًا إن بلاده لن تتراجع عن قرارها بتقديم طلب للانضمام للحلف عام ۲۰۰٥م، وكان أكثر تحديدًا عندما أوضح أن الجهود التي تقوم بها بلاده لتدريب قواتها المسلحة تتم حسب المعايير التي وضعها الحلف، مشيرًا إلى المساعدات التي تتلقاها بلاده في هذا الصدد من دول الحلف وعلى رأسها واشنطن ولندن وباريس.. الأمر الذي دعا مراقبين في موسكو إلى التكهن بأن سياسة جورجيا تسير نحو ترسيخ وجود عسكري طويل الأمد في المنطقة، وهو ما دعا مسؤولين روس إلى القول بأن الأسباب الحقيقية لظهور القوات الأمريكية في منطقة القوقاز «جورجيا متاخمة لمنطقة القوقاز» مازال خافيًا.
صراع القوى المحلية والدولية في هذه المنطقة متشعب ومتعدد المراحل وهو لا ينفك عن صراع نفس القوى الدولية على مناطق النفوذ في دول الانفكاك السوفييتي، وخاصة ذلك الصراع المكتوم بين روسيا والولايات المتحدة.
وتتخوف الإدارة الروسية من إمكان وجود خطة أمريكية ترمي لاحتواء روسيا عسكريًا من خلال مد ولاية الناتو العسكرية، واقتصاديًا من خلال تحجيم النفوذ الاقتصادي الروسي على دول المنطقة وتجاهل المصالح الروسية في موضوع إبرام العقود والصفقات الكبرى المتعلقة بالطاقة، خصوصاً طاقة بحر قزوين ولذا فروسيا تسعى منذ سقوط الاتحاد السوفييتي إلى الهيمنة على دوله، وقد طرحت الإدارة الروسية مجموعة من المبررات لذلك ترى أنها يمكن أن تكون مقبولة، ومن أبرزها:
- الأمن القومي الروسي.
- الصراعات الإثنية في دول الجوار القريب وخطورة امتدادها إلى داخل روسيا.
- الدفاع عن مصالح الأقليات الروسية داخل الدول.
ويمكن القول إن المخاوف الروسية من واشنطن تقوم على شواهد ملموسة على أرض الواقع تتمثل في:
- إعلان الولايات المتحدة اعتزامها المشاركة قوات لحفظ السلام إلى إقليم ناجورنو کاراباخ المتنازع عليه بين أرمينيا وأذربيجان، وذلك تحت إشراف منظمة الأمن والتعاون الأوروبي، وبمشاركة قوات روسية.
- مشاركة قوات أمريكية في تدريبات عسكرية على حدود روسيا نفسها في سبتمبر من عام ١٩٩٧م مع
القوات المشتركة لكل من كازاخستان واوزبكستان وقيرغيزستان التي تجمعها اتفاقيات عسكرية.
ثم أخيرًا قدوم طلائع القوات الأمريكية إلى جورجيا تمهيدًا لاستقرار دائم في المنطقة.
وهكذا بين فترة وأخرى تتحين واشنطن الفرصة للقفز إلى منطقة جديدة مزحزحة النفوذ الروسي حتى بات خناقها يضيق على عنق الكرملين دون قدرة على الحراك!