; علمتنا غزة حياة العزة | مجلة المجتمع

العنوان علمتنا غزة حياة العزة

الكاتب أ. د. سمير يونس

تاريخ النشر السبت 14-فبراير-2009

مشاهدات 78

نشر في العدد 1839

نشر في الصفحة 28

السبت 14-فبراير-2009

يختلف الناس في فهمهم للحياة؛ ومن ثم يتباينون في اختيار حياتهم؛ فعلى سبيل التمثيل، بيّن الله تعالى أن اليهود يحرصون على أية حياة، وإن كانت حقيرة وضيعة، قال تعالى: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَىٰ حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ (البقرة: 96).

كما أخبر رب العزة سبحانه أن المنافقين أيضا، يرضون بالحياة الذليلة، وكل ما يشغلهم أن يعيشوا، بغض النظر عن هذه الحياة كريمة كانت أم ذليلة.

والأصل أن الله عز وجل كرم بني آدم، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ﴾ (الإسراء: 70)، لكن للبشر في الحياة مسالك ومشارب.

والشهداء ممن حسبهم رب العزة من الأحياء الشرفاء المكرمين بل نهانا عن أن نسميهم موتى، قال تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَن يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَٰكِن لَّا تَشْعُرُونَ﴾ (البقرة: 154).

طريقة الموت تحدد نمط الحياة

لما انقشع غبار غزوة أحد انتفش أبوسفيان وصعد الجبل قبل أن ينصرف المشركون، ثم نادى بأعلى صوته: أفيكم محمد؟ فلم يجيبوه فقال: أفيكم ابن أبي قحافة - أي أبو بكر الصديق رضي الله عنه؟ - فلم يجيبوه. فقال: أفيكم عمر بن الخطاب؟ فلم يجيبوه... وكان النبي صلى الله عليه وسلم منعهم من الإجابة - ثم قال أبوسفيان: اعل هبل.

فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ألا تجيبونه؟ فقالوا: فما نقول؟ قال: «قولوا الله أعلى وأجل».

ثم قال أبو سفيان: لنا العُزَّى ولا عُزَّى لكم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ألا تجيبونه؟ قالوا: ما نقول؟ قال: «قولوا الله مولانا ولا مولى لكم».

ثم قال أبو سفيان: أَنْعَمْتَ فَعَال - أي ارتفع - يوم بيوم بدر، والحرب سجال. فأجابه عمر وقال: لا سواء، قتلانا في الجنة، وقتلاكم في النار، ثم قال أبوسفيان: هلم إليّ يا عمر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ائته فانظر ما شأنه؟»، فجاءه، فقال له أبوسفيان: أنشدك الله يا عمر، أقتلنا محمدًا؟ قال عمر: اللهم لا، وإنه ليستمع كلامك الآن، قال: أنت أصدق عندي من ابن قمئة وأبر «السيرة الحلبية 2/30، وابن هشام 2/87».

تأمل - أخي القارئ - هذه المناظرة، وتلك المساجلة بين أبي سفيان الذي كان لا يزال مشركا، ويُضرب به المثل في الزهو والفخر والخيلاء، وذلك بعد أن خالف الرماة - الذين كانوا يحمون ظهور المسلمين - أوامر النبي صلى الله عليه وسلم، وحدث الاضطراب في صفوف المسلمين وثبت النبي صلى الله عليه وسلم ومعه قليل من أصحابه رضوان الله عنهم.. في هذا الموقف كان أبوسفيان کالطاووس، وبرغم ما حدث فقد علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأصحابه الكرام رضي الله عنهم كيف نعيش حياة العزة والكرامة، وإن كثرت الجراح وغارت، وكثر عدد الشهداء، وما أروع ذلك الرد: قتلانا في الجنة، وقتلاكم في النار.. إنه أراد أن يثبت الحياة الكريمة هنا للشهداء، ويؤكد أنهم لم يموتوا، بل انتقلوا من دار العناء إلى دار النعيم، ومن دار الفناء إلى دار الخلود!! فما أعظم أجر المجاهدين!!

ومن يزعم أنه يسير على درب النبي صلى الله عليه وسلم وصحبه يجب أن يحيا بهذه الروح، فإن بقي عاش منتصرًا، أبيًّا كريم النفس، وإن استشهد عاش أيضًا، ولكنه هنالك يعيش حياة النعيم الأبدية.

اختر حياتك

ثُمَّ فَرْقٌ - بين حياة الكرامة وعيشة الذلوالمهانة، ولقد عاش سلفنا الصالح أسودًا، ولا يصح لابن الأسد أن يصير خروفًا.

حياة الأسود والأشبال

إن كنت تريد حياة الأسود فكن كالليث، ثم احرص على تربية ولدك على أنه شبل سيصير عما قليل أسد كأبيه، ولقد أعجبتني وصيتان إحداهما لليث ينصح ابنه، والثانية لخروف ينصح ابنه، فبِمَ أوصى الليث ابنه؟ وبِمَ أوصى الخروف ابنه؟ لقد أبدع الشاعر في إثبات هاتين الوصيتين فهيا نقرأهما:

وصية الليث لابنه

ولـــــدي إلـيـك وصـيـتـي عـهـد الأسود

العز غايتنا نعيش لكي نسود

وعريننا في الأرض معروف الحدود

فاحم العرين وصُنْه عن عبث القرود

أظـفـارنـا لـلـمـجـد قد خُلقت فدا 

ونيـوبنـا سـُـنــت بــأجـــــساد العــدا 

وزئيـرنـا في الأرض مـرهـوب الـصـدى

نعلو على جثث الأعـــادي السؤددا

هــذا الــعـــريــن حـمـتـه آســــــاد الـشـرى 

وعلى جوانب عزه دمهم جری

 من جـــار مـن أعـدائـــنـــا وتـكـبـرا

سقنا إليه من الضراغم محشرا

إياك أن ترضى الونى أو تستكين

أو أن تـهـون لمعتد يطأ الـعـريـن

أرسل زئيرك وابق مرفوع الجبين 

والثم جروحك صامتًا وانس الأنين

مزق خصومك بالأظافر لا الخطاب

 فإذا فقدت الظفر مزقهم بناب

واذا دعيت إلى السلام مع الذئاب

فارفض فما طعم الحياة بلا ضراب

اجعل عرينك فوق أطراف الجبال

ودع السهول يجوب في السهل الغزال

لا ترتـض مــوتًا بـغـيـر ذرا الـنـصـال

نحن الليوث قبورنا ساح القتال

ولدي إذا ما بالسلاسل كبلوك

ورموك في قعر السجون وعذبوك

وبراية الأجداد يومًا كفنوك

فغدًا سينشرها ويرفعها بنوك

إياك أن ترعى الـكـلا مثل الخراف

أو أن تـعـيــش مـنـعـمًا بين الضعاف

كن دائــــمـــــا حـــــــرًا أبــــيــــًّا لا يخاف

وخـض الـعـبـاب ودع لمـن جـبـنـوا الضفاف

هــــــــذي بُـــــنــــــي مـــــبــــــادئ الآســــــــاد

هي في يديك أمانة الأجداد

جاهد بها في العالمين ونادي

إن الجهاد ضريبة الأسياد

تلك هي وصية الأسد لابنه، فما وصية الخروف لابنه؟

وصية الخروف لابنه

يقول شاعرنا في إثبات وصية الخروف لابنه؟

الخوف مذهبنا نخاف بلا حدود

نرتاح للإذلال في كنف القيود 

ونـعـاف أن نـحـيـا كـمـا تحــيــا الأسود

كن دائـــمــــا بـــين الخراف مع الجميع

طأطئ وسر في درب ذلتك الوضيع

أطع الذئاب يعش منا من يطيع

إياك يا ولدي مفارقة القطيع

لا ترفع الأصوات في وجه الطغاه

لا تحك يا ولدي ولو كموا الشفاه

لا تحك حتى لو مشوا فوق الجباه

لا تحك يا ولدي فذا قدر الشياه

لا تستمع ولدي لقول الطائشين

القائلين بأنهم أســد الـعـريـن

الثائرين على قيود الظالمين

دعهُمْ بُني ولا تكن في الهالكين

نحن الخراف فلا تشتتك الظنون

نحـيـا وهـــــمُّ حـيـاتـنـا ملء البطون

دع عزة الأحرار دع ذاك الجنون

إن الخراف نعيمها ذل وهـون

ولدي إذا ما داس إخـوتـك الذئاب

فاهـرب بـنـفـسـك وانج مــن ظـفـر وناب

وإذا سمعت الشتم منهم والسباب

فـــاصـبـر فإن الصبر أجـــــر وثــــــواب

إن أنت أتقنت الهروب من النزال

تحــيــا خـــــروفًـــا ســـالمـــًا فـــي كـــل حــال 

تحيا سليمًا من سؤال واعتقال 

من غضبة السلطان من قيل وقال

كن بالحكيم ولا تكن بالأحمق

نافق بُني مع الورى وتملق

وإذا جُررت إلى احــتــفــال صفق

وإذا رأيت الناس تنهق فانهق

انظر تر الخرفان تحيا في هناء

لا ذل يؤذيها ولا عيش الإماء

تمشي ويـعـلـو كـلـما مشت الغثاء

تمشي ويحدوها إلى الذبح الحداء

ما العز؟ مـا هــذا الــكـــلام الأجـــوفُ

 من قال إن الذل أمر مُقرف

إن الخروف يعيش لا يتأفف

ما دام يـسـقـى فـي الحــيــاة ويُـعـلـف

غزة تعلمنا حياة العزة

لقد كشفت الأحداث في غزة الحبيبة عن اختلاط المفاهيم في حياة كثير من المسلمين فكثير من المسلمين - الذين يدعون عبد الرحمن ومحمود وعبد الله وأحمد - يَعدون الجهاد لاسترداد الحقوق نوعًا من المخاطرة والمغامرة بل والمقامرة ومن ثم نسوا المعتدي المحتل وكالوا اللوم للمؤمنين المجاهدين الصادقين وتفننوا في الأكاذيب، وزعموا أن الجهاد جنون ودمار وخراب، ولا أجد ردًّا على هؤلاء أبلغ من قول الله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (البقرة:216).

لقد استشهد من الشعب الجزائري خمسة وأربعون ألف شهيد في يوم واحد، عندما خرجوا في مظاهرة سلمية ضد الاحتلال الفرنسي، وهل حُررت أرض دون شهداء؟! وهل عاش كريم دون تضحية وفداء؟! وهل ترتقى الجبال إلا بعد طول تعب وعناء؟! وهل يستطيع أن يرتقيها من يعيش في حياة رغدة؟!

يقول أبو القاسم الشابي:

ومن لا يحب صعود الجبال **** يعش أبد الدهر بين الحفر

وهل تحقق النفس الشريفة،مرادها وأهدافها ومكانتها إلا إذا ضحت من أجل المنى؟!

يقول الشاعر عبد الرحيم محمود:

ونفس الشريف لها غايتان **** ورود المنايا ونيل المنى

والمؤمن لا يبالي كيف يقتل ما دام قد نال شرف الشهادة وقاتل في سبيل ربه عز وجل فلسان حال المؤمن يقول:

ولست أبالي حين أُقتل مسلمًا ****على أي جنب كان في الله مصرعي

ولقد استعاذ النبي صلى الله عليه وسلم في دعائه المأثور -الذي نردده صباح مساء- من العجز والكسل والجبن، ونص الدعاء: «اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، وأعوذ بك من العجز والكسل، وأعوذ بك من الجبن والبخل، وأعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال».

ولله در الشاعر إذ يقول:

وإذ لم يكن من الموت بد ***** فمن العجز أن تكون جبانًا

إن من العجائب المضحكات أن يدعي الخوارون أنهم وطنيون، دون أن يقدموا أي ثمن وإن كان زهيدًا ليكون مهرًا للوطن، أو قل كما يقول العوام دون أن يقدموا «عربون حب» لهذا الوطن، فليسمعوا ما قال شاعرنا:

وللأوطان في دم كل حر **** يد سَلَفَتْ ودَيْن مستحق

أين كنتم؟ لقد خفتت أصوات طلاب الدنيا في «رام الله» أثناء غزو اليهود المعتدين، وبعد أن صمد المجاهدون، وسطّروا الملحمة العظيمة في الصمود والثبات وانتهت المؤامرة التي حيكت بليل، وانسحب الصهاينة مدحورين مذعورين ظهرت حيتان الأراضي والأموال والقصور، فإذا بأحد الهباشين يتهم الأشراف بأنهم كانوا يسرقون المعونات الإنسانية ويستولون عليها وقد بدا على وجه الكذاب كذبه، ونسي أن الشعب الإسلامي والعربي وقف جميعه تقديرًا وتعظيمًا لبسالة الأبطال وشجاعتهم وإيمانهم، نسي أن الناس فهمت كل فريق على حقيقته، هل نسي هذا الأفاك أن رجال حماس الذين ضحوا بأنفسهم وأموالهم وأبنائهم ودمائهم لا يمكن أن ينظروا إلى حطام الدنيا الزائل، فكيف يسلبون الطعام؟!

وهل يصدق أحد أن من جاد بنفسه فيسبيل الله يمكن أن يفكر في الاستيلاء على قوت شعبه؟! لقد أفلس القوم، فلم يجدوا وسيلة إلا إثارة الغبار على الشمس الساطعة، وجهلواأنه لو تحول الناس جميعهم إلى كناسين في الشوارع ليثيروا الثرى على الشمس ويخفوها ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا!!

ثم يأتي الرجل الثاني - كما يزعمون - في السلطة - التي شاخت بعد أن نقلوا إليها شيخوختهم، وجلبوا إلى قومهم الضياع والذل والهوان - أتى ليكيل الاتهامات الكاذبة والافتراءات إلى من نصرهم ربهم لما آمنوا به...

وللهباش ورفيقه ورفاقهما نقول: أين كنتم وقت أن كانت غزة تُضرب، لم يشاهدكم أحد، ولم نسمع لكم صوتًا إلا بعد أن سمعتم بالأموال التي رُصدت لإعمار غزة، فسال لعابكم، ولقد فات أوانكم، وأصبحتم غير صالحين لقيادة هذا الشعب المرابط العظيم، وجاء غيركم ممن هم أهل للقيادة؛ لأنهم في ذلك ساروا على نهج السلف، حيث يكثرون عند الفزع، ويقلون عند الطمع؛ فقلوبنا معكم أيها المجاهدون، ودعاؤنا دائم لكم بالنصر تلو النصر، اللهم نصرك المؤزر لعبادك يا رب العالمين... آمين.


الرابط المختصر :