; في الذكرى السابعة ​لصاحب الظلال | مجلة المجتمع

العنوان في الذكرى السابعة ​لصاحب الظلال

الكاتب أحمد محمد عبد الله

تاريخ النشر الثلاثاء 28-أغسطس-1973

مشاهدات 20

نشر في العدد 165

نشر في الصفحة 24

الثلاثاء 28-أغسطس-1973

الأدب

يا ربيب الظلال الوارفة!!

أواه.. يا ربيب الظلال الوارفة!!

أواه يا حديث النفس.. ويا ملمات الفؤاد!!

ما أسرعك أيتها السنين المتعجلة.. وخطف الليالي كبروق شاردة في سماء شتوية، ورعود الباطل المزمجرة تنصرم انصرام الجاهل من حق يطارده..

وهكذا دوالي الأيام.. لا تلبث أن تزول وتنتهي..! ونعود كما كنا، فهذا هو العام السابع الذي انطفأت فيه الابتسامة من وجه مشرق؛ ذاك ما ألفه الناس ممن عايشوا الشهيد "سيد قطب" حياته، ومن عاينوه وعايشوه من خلال كتاباته باسماً منتظراً - وبإيمان جازم - إشراق فجر جديد.

غداً.. نقول: اليوم ذكرى رحيلك يا شهيد الحق!!

وما تعني الذكرى لقوم ليس همهم حياة ولا دنيا، كما يتعارف الناس في معنى الحياة والدنيا؟! ونطرق لحظات نفكر.. وما تعني الذكرى؟

ليس كلامنا ككلام غيرنا.. فلسنا ممن يشقون الجيوب ويلطمون الخدود لفقد عزيز، وإنما كلامنا أن نعمل إذا لج الناس في الكلام وتركوا العمل!!

واحتفالنا بالذكرى ليس المقصود منه تسطير الكلام وشقشقاته، واختيار العبارات الحزينة، وانتقاء اللفظ الأنيق، نرثي به فقيداً ذهب إلى ربه والبسمة تعلو شفتيه!!

كلا.. ثم كلا.. ثم كلا؛ لكننا نضع في الاعتبار أن الشهادة بداية البدء للانطلاق، وأن السابق لا بد له من لاحق، وأن قائد الركب لا بد له من السير في المقدمة، ونحن اليوم نتطلع هاهنا وهناك، فلا نبر أملنا إلا ما قد تقدمنا..

لم ذهب "سيد قطب"؟ وما غايته التي سعى إليها؟ ولماذا لم يكن كغيره ممن آثروا البقاء ورضوا بما يرضى به أندادهم؟

ومن خلف أستار الغيب يردد الشهيد: ويحكم.. ألا تدرؤون؟ أما تعون وتفهمون؟ ليس لي من جواب.. ولكنكم سوف تبصرون الحقيقة التي أدركتها لتدركوها.. ثم تتمنون ما أنعمت فلقيت!! ألا تباركون لي المقام الهنيء والعيش المبارك في ظل رب لا يظلم والله لا يجور.. وإنما يكافئ كلًّا حسب ما قدم من خير، ويجازي على الشر لنهيه عن إتيانه..

يا شقيق الروح.. وأنيس المهج الحرى التي تقف في ذهول تنظر إلى إيمانك العميق، وكيف صار صلباً لا تؤثر فيه أفاعيل الظالمين الطاغين من البشر..

حاشاك أن تظن أنّا - بذكراك - نبكي اليوم الذي فيه فارقت دنيا الناس إلى عوالم الخلد، ونحن نسمعك تردد:

"أخي إن نبت نلق أحبابنا ... فروضات ربي أعدت لنا"

"وأطيارها رفرفت حولنا ... فطوبى لنا في ديار الخلود"

ولا تحسب أن دنيا الفناء تقرّ من تغلغل الإيمان في قلبه وكره أن يعود للكفر كما يكره أن يقذف في النار..

فذاك شأن من لا ثبات في يقينه، ولا اطمئنان في نفسه؛ حيث تزل به مهاوي الدنايا إلى دركها.. ولا نقول ذلك إلا ونحن نسأل الله في كل تضرع إليه وفي كل كلمة ننطقها أن يؤتينا من اليقين ما نميز به بين الكلمة الضارة والكلمة النافعة.

إن الذكرى التي نقف أمامها نستجلي معانيها ونستظهر العبرة الراسخة في ثناياها ليست هي الذكرى التي تُسمّى الآمال العاطلة فنطلقها ونحملها على تقديس الموتى قداسة الجاهلية الظالمة.. ونحن نعلم - وكل الناس يعلمون - أن تقديس الموتى عاطفة إنسانية عامة، وكما ذكرتَ ذلك أنت أيضاً وخشيتَ أن تكون هذه العاطفة سبيلاً إلى زلل الإنسان.. ومن قال إنك مت؟ وربك يقول إن الشهيد حي يرزق عنده.

إن الدنيا حبل أمل يتعلق به أحباب الفناء، كما أن الآخرة سبيل يسعى إليه أنصار البقاء، وشتان ما بين فناء وبقاء.

نعم.. إننا لسنا ممن يوهن الكلل سواعدهم، ولا من الذين تغرهم غرة الدهر فينعمون بيوم مصبح ليطبق عليهم ليل مظلم.. إننا نتعلم في كل يوم جديداً.. ونستظل كما استظللت أنت في ظلال القرآن دهراً، حيث نظلك ظله إلى ظل أعلى وأسمى.. في ظل لا ينتهي.

وإننا ننتظر من الله أن نستظل في ذلك الظل، إن الذكرى درس منه نستفيد، وعنده نقف ننشد الفائدة، ونسأل: إن الطريق يبدأ من هنا..

وتردد الأصداء في الجنبات: نعم.. إن الطريق يبدأ من هنا.

ليس الراحلون هم الذين يفتحون أعين الباقين على حكمة بقاء الإنسان وزواله.. ونقف أنت نردد؟ نتابع السبيل.. وإلا نكون في نفس يريد الحق نكوصاً له وننكر:

"أخي إن ذرفت علي الدموع ... وبللت قبري بها في خشوع"

"فأوقد لهم من رفاتي الشموع ... وسيروا بها نحو مجد تليد"

نعم.. هكذا حسابنا، وتلك هي أمانينا.. فليس في طبعنا - إن شاء الله - خوار ولا تراخٍ ولا نكوص، وليس في طبعنا - إن شاء الله - هزيمة إن عزم الأمر ونادى المنادي، وإننا جنود حق نلبي النداء إن نادى الحق أهله.. وإنا لنسأل الباري أن نكون جنود الحق في كل آن؛ لا تفزعنا كلمة جافة من بارد، ولكن تهفو بنفوسنا كلمة منعشة طرية من نداءات هذا الكتاب إلى عليين..

إن دموعنا التي نذرفها ليست هي دموع الحزانى واليائسين..

وأن إبلالنا للقبر ليس إبلال الماء للطين..

لكنها العزيمة السارية في الأوصال، المندفقة في الأحاسيس..

فالدموع المذروفة رحمة من الله يقذفها في نفس المؤمن فتفيض من شوق..

وأن البكاء الذي يكون ليس إلا عهداً جادت به العين تعبيراً عما يكنه القلب من إخلاص وإصرار، وماذا بعد يا ترى؟

إنه السير نحو المجد.. وعدم التوقف، فما التوقف إن أزف المسير نحو الحق من خير، وما في الالتفات إلى الوراء من جدوى، ولكنه السبيل الواضح البائن المعالم:

"فإن أنا مت فإني شهيد ... وأنت ستبقى بنصر جديد"

هكذا دوماً نردد.. ونهتف.. ونصبح..

ثم يصدق العمل هذا الترداد والهتاف والصباح..

وفي ذكرى نقول لك:

إننا لن نذلق مقالد الناس وتصوراتهم، ولن نداهن مشاعرهم وعواطفهم، ولن يهادن أحد منا الهدم وقيادتهم، مهما كان الأمر ومهما كانت جسامة التضحيات.

ولكنا.. كما كنت تسير على طريق حبيبنا ونبينا وتدعونا أن نكون: رفقاء بالناس.. رحماء بعباد الله.. وما عليهم إن ضلوا..

أليس المؤمن في هذه الحالة فيض رحمة للناس، داعية إلى الله على كل سبيل، يبحث عن هذا ويحاور ذاك؟! أليس هداية رجل واحد خيراً للمسلم من الدنيا وما فيها؟!

إن ما تعلمته من الإسلام.. أو أن ما علمك الإسلام.. هو النهج الذي نبغيه والمسلك الذي نسلك أقدامنا عليه.. ننهج ما كنت تنهج، وننهل مما كنت منه تنهل. إنه مسلك سار فيه رسول الله بهدى من ربه.

واتبعته أجيال القرآن في كل عصر... لم تتطلع فيه لغير السماء...

واليوم دورنا... حيث الله سبحانه وتعالى ينظر إلينا أإذا نحن فاعلون؟!

أواه... يا ربيب الظلال الوارفة...

ومعذرة إن كنا لم نؤدِ ما علينا... وإن كان منا تقصير... فإننا سوف ننطلق لنشهد العالمين أننا أحفاد أولئك الأشاوس... صناديد الحق وأبطال العلياء، ونعاهد الروح الشهيدة أننا نهتف من جديد:

"قد اختارنا الله في دعوته ... وإنا سنمشي على سنته"

﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ۖ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب: 23].

 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 10

247

الثلاثاء 19-مايو-1970

مع القراء - العدد 10

نشر في العدد 53

149

الثلاثاء 30-مارس-1971

من هَدي النُبوة

نشر في العدد 11

255

الثلاثاء 26-مايو-1970

مناقشات حول الحركة الإسلامية