العنوان حسنة واحدة.. لا تذهب سيئات القانون الجديد .. القانون يؤمم ١٥ ألف جمعية أهلية ويعطي الحكومة حق حلها
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 22-يونيو-1999
مشاهدات 58
نشر في العدد 1355
نشر في الصفحة 38
الثلاثاء 22-يونيو-1999
القاهرة: المجتمع
ظلت الحكومة المصرية ممثلة في وزارة الشؤون الاجتماعية تسعى منذ عامين، وبالتحديد منذ سبتمبر عام ١٩٩٧م لتغيير قانون الجمعيات الأهلية المعمول به طوال الأعوام الخمسة والثلاثين الماضية «أقر القانون في عام ١٩٦٤م»، بعدما تزايدت أعداد هذه الجمعيات بشكل كبير «15 ألف جمعية حسب الإحصاء الرسمي»، وظهرت شكاوى من تبني بعضها أطروحات الدول الغربية التي تهاجم سجل الحكومة المصرية بشان حقوق الإنسان، ثم أدت واقعة اتهام رئيس المنظمة المصرية لحقوق الإنسان في أكتوبر الماضي ۱۹۹۸م بتلقي مساعدة من السفارة البريطانية بالقاهرة– متزامنة مع إصدار المنظمة بيانًا ينتقد الشرطة المصرية، ويتبنى مزاعم أقباط متشددين حول تعذيب واغتصاب بعض الأقباط في إحدى قرى الصعيد – إلى زيادة الإصرار الحكومي على تسريع إصدار القانون الجديد، والتأكيد - في بنوده – على منع المنظمات والجمعيات الأهلية من تلقي أي تمويل أجنبي وإلا تعرضت للحل.
المسعى الحكومي المتعلق بمنع التمويل الأجنبي لقي تأييدًا كبيرًا من عديد من القوى السياسية، بما في ذلك قوى إسلامية، ووصف القانون بأنه يستهدف ضرب النفوذ الأجنبي «الأمريكي - الأوروبي – اليهودي»، الذي أخذ صورة علنية وبتدفقات بالملايين سنويًا، بعد أن بدأ بعض هذه المنظمات التي تعمل في مجال حقوق الإنسان على وجه الخصوص التركيز على «معاداة ثوابت الأمة العقدية، والهجوم الصريح على الشريعة الإسْلَاَمِيِّة والقيم الدينية عمومًا، وتحول إلى حركة فكرية متغربة.. وأصبح تحت الرعاية المباشرة لسفارات أمريكا وبريطانيا وبعض الدول الإسكندنافية المشهورة بسطوة النفوذ الصهيوني».
ومع ذلك فقد شنت الجمعيات والأحزاب السياسية هجومًا عامًا على القانون من، حيث جوهره المقيد لعمل الجمعيات والعمل الأهلي، فالقانون ينص على إلزام الجمعيات بتوفيق أوضاعها حسب أحكام القانون الجديد خلال ستة أشهر، وإلا تعرضت للحل.
ولم تقتصر المعركة حول القانون بين الحكومة والجمعيات، وإنما امتدت المعركة ثانية أكبر بين الحكومة والدول الأجنبية التي تمول بعض المنظمات الحقوقية غير الحكومية وعلى رأسها الولايات المتحدة.
منظمات حقوق الإنسان وبعض الجمعيات الأهلية تتهم الحكومة بإصدار قانون قمعي يؤمم العمل الأهلي، ويجعل الجمعيات فروعًا تابعة لوزارة الشؤون الاجتماعية، وتعدد انتقاداتها للقانون كما يلي:
القانون يعطي للجهات التنفيذية –أي وزارة الشؤون الاجتماعية– سلطات كبيرة على الجمعيات أبرزها حل مجالس إدارات الجمعيات، كما يعطيها صلاحيات أكثر من صلاحيات مجالس إدارات الجمعيات نفسها.
القانون يقصر نشاط الجمعيات على النشاطات الخدمية لاستكمال الخدمات التي تقدمها الحكومة، ويمنعها من ممارسة أي عمل آخر سياسيًا كان أم نقابيًا، حيث يضع خطًا فاصلًا بين النقابات والأحزاب من جهة، وتلك الجمعيات من جهة ثانية، ومن ثم يعتبر أنشطة مثل الحديث عن المعتقلين السياسيين أو الانتخابات العامة، أو هذه الجمعيات الديمقراطية والحريات محظورة على لأنها أنشطة سياسية... الأمر الذي يلغي -عمليًا– نشاط العشرات من هذه الجمعيات.
القانون أهمل تمامًا الملاحظات التي أبداها ممثلو الجمعيات الأهلية الذين شاركوا في جلسات إعداد القانون، وبالتالي كانت هذه الجلسات صورية ومجرد تحصيل حاصل، لتخرج الحكومة وتقول إنها استطلعت آراء مسؤولي الجمعيات.
أن القانون لا يشجع –بالمقابل– التبرعات المحلية التي تعين الجمعيات على أداء دورها، بعدما حظر عنها التمويل الأجنبي، إذا استمر وجود القيود على جمع هذه الجمعيات للأموال.
وقدْ هددت عدة منظمات تعمل تحت راية حقوق الإنسان بتقديم شكاوى ضد الحكومة المصرية في الأمم المتحدة، واللجوء إلى المفوض السامي لحقوق الإنسان في جنيف «ماري روبنسون» التي وصلت بالفعل للقاهرة وناقش المعترضون معها تداعيات القانون كذلك هددت المنظمات بمطالبة لجنة حقوق الإنسان بالأمم المتحدة بعدم عقد أي مؤتمرات لحقوق الإنسان في مصر، ودراسة إنشاء مكتب مصري لحقوق الإنسان في جنيف ونيويورك وغيرها تمهيدًا لطلب منحه صفة «استشاري» في الأمم المتحدة بما يمنحه حرية إثارة قضايا حقوق الإنسان في مصر في المحافل الدويلة المعنية.
الحملة «الجمعياتية» أثارت الحكومة ودفعته للرد على لسان رئيس الوزراء كمال الجنزوري الذي قال: إن الحكومة لن تسمح لهذه الجمعيات بأن تصبح حكومة أخرى، وأن عليهم إذا أرادوا أن يقوموا بعمل تطوعي أن يقبلوا مراقبة الحكومة لعملهم، ولا داعي للدخول في أحاديث حول تداول السلطة، فالعمل السياسي متروك للأحزاب، والعمل النقابي للنقابات، وإذا أردت أن تلعب الضرر مصر، فلا مكان لك هنا».
واعتبرت وزيرة الشؤون الاجتماعية أن القانون يقوي ويدعم العمل التطوعي وليس العكس، ويوازن بين حرية الجمعيات من جهة ومسؤولياتها الوطنية وواجباتها، وأن القضاء أصبح المختص بحسم أي خلاف أو منازعة قد تنشأ بين الجمعيات والجهات الحكومية.
وحاولت الحكومة تلطيف الأجواء والإيحاء بأن القانون سوف تتبعه لائحة تنفيذية أكثر تبسيطًا، مما أغرى بعض الجمعيات بالمبادرة لتعديل أوضاعها، والتسجيل وفق القانون الجديد، خشية أن يتم حلها، وأملًا في أن توفر اللائحة التنفيذية التي ستصدر بعد عدة أسابيع حرية أكبر في تدبير الموارد المالية.
ويبدو أن موافقة البرلمان على القانون وسرعة تصديق رئيس الجمهورية عليه، ونشره في الجريدة الرسمية، قد أحبط محاولات المعترضين التغيير القانون أو عرقلته، فاضطروا للتعامل معه كأمر واقع.
أما أعنف المعارك التي خاصتها الحكومة دفاعًا عن القانون فكانت على المستوى الخارجي وبالتحديد مع المنظمات الأجنبية التي تتولى تمويل بعض المنظمات المصرية، والدول التي تقف خلف هذه المنظمات خاصة الولايات المتحدة، وبعض الدول الأوروبية.
فقد انتقدت القانون عدة منظمات حقوقية أوروبية، وشنت هجومًا عليه، وشجعت وسائل إعلام أوروبية على شن حملة نقد عنيفة ضد مصر لهذا الغرض.
وجاء البيان الذي أدْلَىَ به جیمس روبن -المتحدث الرسمي باسم الخارجية الأمريكية– والذي انتقد فيه القانون ليشعل الأزمة أكثر وأكثر، خصوصًا أن روبن هاجم البرلمان المصري الذي أصدر القانون ووصف موقفه بأنه: «مخيب للآمال».
وردت وزيرة الشؤون الاجتماعية المصرية بالقول: «إن الخارجية الأمريكية ارتكبت خطأ فادحًا عندما علقت على القانون دون أن تطلع عليه، وكان جديرًا بهم أن يطلبوه قبل توجيه الانتقادات»، وأن «مصر ترفض أي تدخل من أي جهة أو دولة أجنبية في شؤونها الداخلية»، وأن «الحملة الأمريكية ضد القانون ليس لها أسباب منطقية».
ولم تنف الوزيرة أن هدف القانون الحقيقي هو منع هذا التمويل الأجنبي، فقد تساءلت: «ما معنى أنهم يؤسسون منظماتهم كمشروعات غير قابلة للربح، فأين حساباتهم وضرائبهم؟ لا أحد يعيش هكذا في الهواء.. هل ستظل تلك المنظمات تقدم حساباتها للجهة المانحة ونحن آخر من يعلم؟».
ربما كان «ظاهر» القانون –أي منع التمويل الأجنبي– هو مصدر تأييد البعض له، على الرغم من علم الجميع أن باطنه فيه العذاب وتقييد العمل التطوعي الأهلي.
القانون قد تكون له حسنة واحدة.. ولكن ماذا عن سيئاته الكثيرة؟.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل