العنوان من أوراق أخصائية اجتماعية: التمارض بحثاً عن الأمان
الكاتب نادية البراك
تاريخ النشر الثلاثاء 22-سبتمبر-1992
مشاهدات 52
نشر في العدد 1017
نشر في الصفحة 50
الثلاثاء 22-سبتمبر-1992
من أوراق أخصائية
اجتماعية: التمارض بحثاً عن الأمان
قصة سلوى: الغيرة والقلق وراء الشكوى الدائمة
بقلم: نادية
البراك
سلوى فتاة نحيلة
في العاشرة من عمرها، شاحبة اللون، غائرة العينين، كثيرة الغياب عن المدرسة. ولما
كنت أستفهم منها عن سبب هذا الغياب، كان جوابها الوحيد هو المرض.
مم تعانين يا
سلوى؟
أجابت وفي عينها
قلق دفين:
أنا مريضة يا
أبلة.
ما هو مرضك يا
سلوى؟
لست أدري يا
أبلة!
كان لا بد من
استدعاء الأم ومعرفة إجابة واضحة منها. وقد كانت متعاونة معي جدًّا، وشرحت مشكلة
ابنتها في أسلوب صريح وحاسم.
سلوى هي أكبر
أبنائي. ما يقلقني بشأنها أنها كثيرة الشكوى من المرض، وشهيتها للطعام ضعيفة بشكل
يثير العجب. لم ندخر وسعًا أنا ووالدها في عرضها على أكثر من طبيب وعمل التحاليل
اللازمة لها، ولكن الجميع أكدوا لنا أنها سليمة لا تشتكي من شيء البتة.
سألتها بدوري:
وهذا الغياب
المتكرر عن المدرسة؟ إن له تأثيرًا سلبيًّا على دراستها كما تعلمين، وقد تأخرت في
تقدمها العلمي وانخفضت درجاتها.
تنهدت الأم
متحسرة:
أعلم هذا جيدًا،
ولكن ما باليد حيلة، فشحوبها وهزالها يصيبني بالقلق عليها، لذلك أضطر لإبقائها في
المنزل كلما اشتكت لي من المرض!
لكنك قلت إن
الأطباء أكدوا لك أنها لا تشتكي من شيء.
هزت رأسها
مؤكدة:
نعم... نعم...
هذا ما أكدوه، لكنها دومًا تشتكي المرض، دومًا متألمة من شيء ما. مرة تشتكي
الصداع، ومرة أخرى ألمًا في المعدة، وثالثة ألمًا في مفاصلها... وهكذا دومًا
حالها.
تساءلت بدوري:
ألا تعتقدين أن
في الأمر سرًّا؟
أظن أنه كذلك.
أكانت هكذا
دومًا؟
هزت رأسها
نافية:
لا، لقد كانت لا
تشتكي من شيء البتة حتى أنجبت شقيقتها الثانية ثم شقيقها. من يومها صارت تشتكي
المرض.
كم كان عمرها
حين أنجبت شقيقتها؟
كانت في
الرابعة. كانت طفلتنا الوحيدة، وكنا نغدق عليها محبتنا ودلالنا، لكن بعد إنجاب
أخويها انشغلت بهما وصرت أطلب منها مساعدتي في تربيتهما بحكم أنها الكبرى.
ابتسمت في
ارتياح:
أظنني أدركت سر
تمارضها الدائم.
أتعتقدين أنها
تغار من أخويها؟
بل أظنها تشعر
بالقلق وعدم الأمان. فبعد أن كانت هي الطفلة الوحيدة والمدللة، جاء من يسرق
اهتمامك واهتمام والدها منها، لينصب على أخويها. وأكثر من هذا أنك صرت تحملينها
مسؤولية العناية بأخويها والإحساس بمسؤولياتها تجاههما.
تنهدت الأم في
حيرة وقالت: وما هو الحل في نظرك؟
أجبتها في ثقة:
إعطاؤها المزيد
من الرعاية والاهتمام. أشعريها أنها لا تزال الابنة الأثيرة العزيزة لديكما. لقد
رأت في التمارض الحل الوحيد لجلب انتباهكما وحبكما لها، فاستمرأته خاصة وقد رأته
يجدي معها.
نهضت الأم وهي
تقول:
سأعمل بنصيحتك،
وإن كنت أشك في جدواها.
تذكري أن حالها
لن يتغير في فترة بسيطة، والأمر يحتاج إلى صبر كبير منك وشيء من الحزم.
خرجت الأم،
واستمرت سلوى في غيابها المتقطع لفترة من الوقت، ثم صار هذا الغياب يقل نسبيًّا
نوعًا ما حتى تحسن حالها مع مرور الوقت وارتفع معدل درجاتها. جاءت والدتها بعد
فترة طويلة لزيارتي، سعيدة بنجاح خطتها.
لقد عملت
بنصيحتك. لم يكن الأمر سهلًا في البداية، لكنها صارت أقل شكوى من المرض بعد ما
رأته من حبي واهتمامي بها، وزال عنها ذلك الشحوب المريع، وتحسنت شهيتها للطعام
كثيرًا.
وهكذا انتهت
حكاية سلوى كما يحب الوالدان وكما تحب إدارة المدرسة. وهكذا تسببت غفلة بسيطة من
الأبوين في تدهور حالة الطفلة التي كانت تبحث عن الحنان والاهتمام الذي هو مطلب
جميع الأبناء... فليتنا نتعظ!
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل