; تجديد فقهنا لمواجهة تحديات العصر | مجلة المجتمع

العنوان تجديد فقهنا لمواجهة تحديات العصر

الكاتب الدكتور توفيق الشاوي

تاريخ النشر الثلاثاء 07-نوفمبر-2000

مشاهدات 72

نشر في العدد 1425

نشر في الصفحة 48

الثلاثاء 07-نوفمبر-2000

بدأنا مع عدد من زملائنا في تحويل كتاب التشريع الجنائي للشهيد «عبد القادر عودة» إلى موسوعة عصرية في الفقه الجنائي الإسلامي، وهدفنا من ذلك هو إبراز المنافذ والمواضع التي تفتح لنا باب التجديد في هذا الفقه وتمكننا من مواجهة تطورات العصر وتحدياته.

سواء رضينا أم كرهنا فإن كثيرين يعتبرون تشريعنا الجنائي المرآة التي يرون فيها الأصول الشرعية التي يحاول بعض أعدائنا أن يجعلوها هدفًا لانتقاداتهم وهجماتهم، لذلك كان من واجبنا دراسة هذه الأصول والتعمق في استنباط مقاصدها التي تبرر وتستلزم وجودها رغم تحديات الاتجاهات المعاصرة التي تختلف عنها، بل وتتعارض معها في نظر كثيرين ممن يهاجمون شريعتنا.

إنني أنتقد القوانين الوضعية وأعارض ما يسير عليه بعض أساتذتها وشراحها من الفصل بينها وبين المبادئ الدينية والأخلاقية، حتى أصبح بعضهم يدعي أن هذا الفصل بين الدين والقانون أصبح ضروريًا للتقدم، في حين أنه في نظري هو التخلف الذي يجب علاجه وتصحيحه.

وأتهم القوانين الجنائية الوضعية الحالية في كثير من بلادنا بالنقص والقصور، ولا نقر محاولة البعض القول إنها تعازير، لأن ذلك يؤدي إلى فصل التعازير الشرعية عن منابع فقهنا ومصادر شريعتنا ومبادئها العقدية والدينية والأخلاقية، ونحن ندعو فلاسفة القانون الوضعي وشراحه إلى التخلي عن هذا الفصل، لأن الإنسانية إذا كانت تحتاج إلى نصوص قانونية فإنها تحتاج قبل ذلك إلى عقيدة دينية ومبادئ أخلاقية، ولا صلاح لمجتمعاتنا إلا إذا دانت هذا الاتجاه اللاديني الذي يتنكر لشريعتنا وفقهنا بحجة أنهما يربطان القانون بالدين والأخلاق.

والتشريع الجنائي بالذات لا يمكن فصله عن مبادئ الدين والأخلاق، والنص الجنائي الذي يقرر عقوبة جنائية على السرقة أو الضرب أو ما إلى ذلك، يتضمن حكمًا تكليفيًا «ضمنيًا» بتحريم هذا الفعل المعاقب عليه، ثم إن الكتاب والسنة لا يقفان عند ذلك، بل تشتمل نصوصهما على أوامر دينية وأخلاقية عامة مثل قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا ۖ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ (الإسراء: 32)، وقوله جل وعلا: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ﴾ (البقرة: 188).

هذه الأحكام التكليفية هي المصدر الشرعي للتعازير وهي مبادئ أخلاقية تكون أساسًا للعقاب على أفعال لا تصل لحد الزنى الذي يعاقب عليه بالحد، ما دام أنها تمس العرض أو تهدد الانضباط في العلاقات الجنسية التي تحصرها شريعتنا في نطاق الزواج الشرعي، مثل الفعل الفاضح أو ممارسة العلاقات الجنسية دون زواج... إلخ، وكذلك التعزير على كل اعتداء على مال الغير بغير السرقة «المعاقب عليها حدًا» مثل النصب وخيانة الأمانة والحرق والإتلاف وتسميم المواشي... وما إلى ذلك.

وبذلك يكون التقنين الشرعي الذي يفرض جزءًا تعزيريًا على كل الاعتداءات على الأموال أو الأعراض، لا يجوز عده قانونًا وضعيًا مستوردًا من الخارج، بل هو حكم شرعي أساسه ومصدره النصوص التكليفية في الكتاب والسنة، وليس إرادة الدولة أو الحكام.

سيلاحظ البعض أننا توسعنا في كلامنا عن الأسرة والزواج وما يتعلق بهما، وجارينا فقيهنا الشهيد في ذلك، ونحن قصدنا ذلك فعلًا لأنه نموذج على الارتباط بين التشريع والقيم والأخلاق، فكل ما تفرضه شريعتنا فيه حماية لنظام الأسرة ووحدتها وتضامنها، وتشريع الزواج هدفه الأخلاقي ضبط العلاقات الجنسية ومنع الانحلال الخلقي والتسيب في العلاقات الجنسية الذي يتخذه البعض الآن هدفًا «ديمقراطيًا» أو ليبراليًا، وبعضهم يتخذه مسوغًا للتهجم على مبادئ فقهنا وشريعتنا التي تعد كل علاقة جنسية خارج الزواج زنى محرمًا، وتحرم العلاقات الجنسية «المتحررة» من الزواج والأسرة، والتي تدخل في نطاق التسيب والتحرر الجنسي الذي له الآن فلاسفة في بلاد كثيرة، وهم يشجعون بعض كتابنا على نقد أحكام شريعتنا والهجوم على مجتمعاتنا بقصد إفسادها والقضاء على الأسرة بحجة تقليل النسل ومنع الإنجاب ووقف النمو السكاني في أمتنا لأهداف سياسية، مثل إخلاء بعض بلادنا من شعوبها حتى يحتلها دعاة الاستيطان الصهيوني بحجة أنها أرض بلا شعب.

لذلك، فإن النص الوضعي الذي يعاقب على الزنى بحسبانه مجرد خيانة زوجية ولا عقاب عليه ما دام أن الفعل قد وقع في غير منزل الزوجية، والذي نقلته قوانينا الوضعية عن أوروبا، هو مخالف لمبادئ شريعتنا لأنه يجيز للزوجين ممارسة العلاقات الجنسية خارج الزواج ما دام أنها تقع خارج نطاق منزل الزوجية، وبذلك أصبحت المخادنة والفسق مباحين، بل يعدونهما «حرية ديمقراطية».

 

الرابط المختصر :