; النقد الذاتي: الحلقة «3» | مجلة المجتمع

العنوان النقد الذاتي: الحلقة «3»

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 19-يناير-1993

مشاهدات 36

نشر في العدد 1034

نشر في الصفحة 54

الثلاثاء 19-يناير-1993

النقد الذاتي: الحلقة «3»

ليس على الإنسان أن يقول ما يريد.. بل على الإنسان أن يقول ما ينفع

 في حلقتين سابقتين تناول المشاركون في النقاش الإجابة على أسئلة طُرحت عليهم حول: الحركة الإسلامية ونقدها، والفرق بين النقد والنصيحة إسرارًا وإعلانًا. وفي هذه الحلقة يتناول الأستاذ محمد سالم الراشد إجابة السؤال الثالث الموجه إليه: يوجد داخل الحركة الإسلامية تياران في «النقد الذاتي» أحدهما يرى «النقد العلني»، والآخر يرى «النقد الداخلي»، فما هي ميزات ومساوئ كل من التيارين؟

الأستاذ: محمد الراشد: من خلال اطلاعي على ما طرح في الساحة الإسلامية من نقد ذاتي لا أستطيع أن أصف ما طرح بأنه نقد ذاتي، وإنما هو طرح لآراء الجماعات والشخصيات والعاملين في الميدان الإسلامي في بعض المواقف والقضايا؛ أي لم يمارس منهجية محددة في النقد الذاتي بصورة صحيحة، فمثلًا في قضية احتلال العراق للكويت اختلفت الجماعات الإسلامية، فكان لكل جماعة موقف، وانتقد كل طرف الطرف الآخر، وكذلك الموقف من الحرب العراقية- الإيرانية، ولم أر سوى طرح مجموعة من الآراء في قضايا الخلاف، ولا تستطيع أن تستخلص رؤية واضحة أو نصيحة محددة توجه الحدث أو الموقف أو تأخذ بيد المخطئ، والنقد الذاتي في الواقع بهذه المنهجية قليل من يمارسه، وعادة ما ينتج عن ذلك النقد أو الخلاف حاجز نفسي جديد أو شرخ في العلاقات، أو أزمة ثقة بين العاملين في الحقل الإسلامي والنقد الذاتي المفترض هو أن تتحدد القضايا بدقة. ثم يحدث الحوار، ومن خلال الحوار تتبين الحقائق وتتثبت المواقف وتحدد الأخطاء والإيجابيات، وتستخلص النتائج وتسدد مسار الجماعات وأن يحيط كل ناقد نفسه بالتقوى والحرص على الوصول إلى الحق.

وقد حدث خلاف فيما بين العاملين في الحقل الإسلامي حول مدى فائدة النقد الذاتي العلني، وقال آخرون بأن النقد الذاتي الداخلي لا ينتج عنه تصحيح للأخطاء، وقد تتباين الآراء في هذه القضية ولكن كلاً من النقدين جائز وله دليل في الشرع، ولكن من الملاحظ أن النقد الذاتي الداخلي أقل ضررًا على الجماعة على المدى القريب، ولكنه إذا استمر بصورة غير محددة بقواعد شرعية فإنه يضر على المدى الطويل في صحة مناخ العمل الإسلامي، وقد ينتج عن ذلك بمرور الزمن قواعد عرفية تعطيها الحق للتجاوز عن أخطاء القادة في المواقف والأحداث مما يضعف ثقة القاعدة الإسلامية بالقيادة ويؤصل الخطأ بشكل منهجي.

وفي الجانب الآخر إن النقد الذاتي العلني إذا لم يكن منهجيًّا ومتحريًا الدقة والتثبت ومحاطًا بالتقوى، فإنه قد يسبب فتنة إسلامية عادة تضعف مسار الحركة الإسلامية في إصلاح المجتمع بدلًا من تطوير أدائها ودفع دورها الإصلاحي. كما أنه على الصعيد الداخلي تصبح عمليات النقد الذاتي عملية استثنائية، وليست أساسية حيث تعطي الحركة الإسلامية في عمومها الانشغال بالواقع الخارجي على أن تحيط بأخطائها وتصحح مساراتها بصورة منهجية.

وعلى الصعيد الخارجي فإن النقد الذاتي العلني إلى الآن لم تتضح نتائجه الإيجابية بصورة مثمرة، وعادة ما يحقق الأسلوب الذي يتبع في النقد العلمي حاجزًا نفسيًّا حتى عند القاعدة الإسلامية مما يجعل صرخة الناقدين في واد يذهب أثرها وتبقى ملامتها مما يضعف على مرور الزمن السيرة العملية للنقد العلني، كما أن استفادة الخصوم من هذا النقد العلني قد ركز في العقل الباطن للقاعدة والقيادة الإسلامية أن النقد الذاتي العلني ما هو إلا أداة تنفع خصوم الحركة الإسلامية وتضر بمصلحتها. وأود أن أعقب على سؤالكم حول أسباب توجه البعض للنقد العلني؛ وذلك فيما يلي:

 أولًا: عدم وجود هيئات داخلية في الجماعات الإسلامية مهمتها النقد وتصحيح الأخطاء، وقد ترى شريحة من العاملين في الحقل الإسلامي أن القيادة تتكاثر أخطاؤها في مجالات ومواقف وأحداث تضر بمسار المجتمع أو مسار الحركة الإسلامية ذاتها، وفي نفس الوقت لا تستطيع هذه الشريحة أن تعبر عن رأيها تعبيرًا كاملًا مما يضفي على الخطأ صفة الاستمرارية دون رقابة داخلية على الخطأ.

 ثانيًا: افتقاد بعض المؤسسات والهيئات والجماعات الإسلامية لنظام مؤسسي قادر على استيعاب النقد الذاتي الداخلي مما يجعل هذه العملية خاضعة للإمكانات الذاتية للعاملين في الحقل الإسلامي؛ حيث يبرز من يملك إمكانات الحجة والبلاغة واللحن في القول على العاملين بجدية وإخلاص مما لا يعطي للعملية الفاعلية الصادقة في تعديل مسار الأخطاء والاستفادة من الإيجابيات البارزة من تفاعل حركة الإصلاح في المجتمع.

 كما أن ذلك يشجع على تكدس الأخطاء دون تصحيح، مما ينذر بتفجير الأوضاع على شكل تكون تيارات وتكتلات قد تجنح نحو الحزبية أو الانفصال عن الجماعة بحجة إصلاح الأخطاء.

 ثالثا: نقص الوعي والفهم في قضايا الخلاف ونظر الشريعة في هذه القضايا، فهناك الاجتهاد الحركي الذي يعتبر في المرتبة الثالثة من حيث دائرة الخلاف؛ حيث يكثر الخلاف في إطار الاجتهاد الحركي، ومنه ما يدخل في الخلاف الممدوح، ومنه ما يدخل في إطار الخلاف المذموم. وعلى العاملين في الحركة الإسلامية أن يتعرفوا جيدًا على أصول الخلاف؛ فهناك خلاف متعلق بصلب الدين وأصله، وهناك ما هو داخل في إطار الاجتهاد الفقهي المذهبي، ويمكن إعذار القيادة في الثاني بعد مناقشة خطئها إلا أن الاجتهاد (في الخلاف المذموم) يتوجب التفسير الأصولي عند الخطأ ومن ثم تصحيح الخطأ بصورة أصولية ومنهجية علمية. وفي حالة الخطأ في قضايا الخلاف يتوجب على القيادة أن تعذر قاعدتها وناقديها، كما يجب على أفرادها وناقديها أن يعذروا القيادة في هذا الخطأ، إلا أنه يتوجب تصحيح الأخطاء، وعند الخلاف يرجع إلى قيم العمل الإسلامي وقواعده وأصوله التي بنى عليها قيام هذا العمل، وعلى سبيل المثال فإنه في عام 1940 تأسست جماعة شباب سيدنا محمد بعد أن اختلفت مع حركة الإخوان بسبب الخلاف حول قضية الحكومة الإسلامية في مصر.

 رابعًا: في اعتقادي أيضًا أن من أحد الأسباب هو قدرة وسائل إعلام الخصوم على إحداث اختراق من الوعي الباطن لبعض قيادات أو قواعد الحركة الإسلامية؛ مما يعيد ترتيب أفكار هؤلاء في أولويات النقد الذاتي، مما يدفع إلى تبني منهج النقد العلني دون اعتبارات للمصلحة العامة للحركة الإسلامية، وفي المقابل يقابل ذلك باللامبالاة أو عدم اهتمام من الطرف الآخر مما يعزز عملية النقد الذاتي العلني.

 خامسًا: قلة فرص التدريب على الحوار والنقد الذاتي وفق منهج أصولي داخل الحركة الإسلامية، سواء بالكتابة أو الحوار المباشر؛ حيث إن التدريب على النقد الذاتي في أطر الحركة الإسلامية يساعد كثيرًا في استيعاب الأفكار وتعديل أساليب النقد الذاتي، ويحدد نتائج قيمة لتطوير العمل وأساليب وسبل إصلاح حركة العمل الإسلامي في المجتمع.

 سادسًا: ندرة الكتابات التي تؤصل منهجية النقد الذاتي والحوار والخلاف بين فصائل الحركة الإسلامية مما يعطي شعورًا عامًّا عند قواعد الحركة الإسلامية بعدم أهمية هذا النهج في إصلاح الحركة الإسلامية، كما أنه يساعد ذلك في تجهيل قواعد الحركة الإسلامية في أسلوب النقد، فإما أن يكون النقد غوغائيًّا وغير هادف ويصب في مصلحة أعداء الإسلام، أو التغيب الكامل عن إحداث إصلاح عن طريق النقد الذاتي وإعطاء منهجية الحركة الإسلامية قدسية غير شرعية. المجتمع: هل النقد العلني أولى أم لا؟

 الراشد: أعتقد أن ذلك محكوم بعدة قواعد منها:

 أولًا: مقدار المصلحة والمفسدة. أعتقد أن النقد العلني له فوائد وأيضًا يجني أضرارًا على الحركة الإسلامية، وهذا محكوم بمقدار المصلحة والضرر الناتج عنه. فإذا كان هناك خطأ عام وواضح ويمس قطاعًا من المسلمين ويسبب مضارًّا واضحة لمسار الحركة الإسلامية ولم تقم أساسًا الحركة الإسلامية بإصلاح هذا الخطأ، فإنه يتوجب على الإنسان أن يقدم النصيحة وفق قواعدها الشرعية؛ حيث إن نصيحة أمراء العدل تختلف عن نصيحة أمراء الجور.. أما إذا كان الخطأ داخل الحركة في نظمها وأساليبها وغير ذلك مما يمس كينونة الحركة الإسلامية، فمن المصلحة أن يكون النقد الذاتي من الداخل، والله أعلم بالصواب.

 ثانيًا: التثبت ووضوح الأدلة؛ حيث إن النقد الذاتي هو ملخص لحكم في قضية معينة، ولهذا يتوجب إسناد الأدلة من الرواة الثقات مع التفحص لطبيعة الدليل وترابط الأدلة بعضها ببعض، فكم عانت الحركة الإسلامية من الروايات الخاطئة والنقول غير الموثقة «وآفة الأخبار رواتها» والتسرع في إصدار الأحكام أصبحت سمة بارزة في قيادات الحركة الإسلامية عدا أفرادها وأحداثها، ولو رجعنا إلى التاريخ الإسلامي لرأينا العجب العجاب مما يبين أن ليس كل مستور من العقول أو الفعل صحيح. كما أن تصحيح الخطأ قد يكون بعد مدة ويظل الناقدون ينقدون هذا الخطأ كما حدث في تصحيح سيد قطب رحمه الله لقضية المنهج في الصفات في سورة الأعراف. أو يؤخذ رأي الثقة أنه رأي لا جدال فيه علمًا قد يكون العلم الذي وصل إليه غير مكتمل، فيحكم هذا الثقة بما لديه من أدلة، وقد يكون غاب عنه أدلة أخرى، وقد أفرد الإمام ابن تيمية رحمه الله كتابًا في هذه القضية لعلاج الجدل الثائر حول خلاف الأئمة رضوان الله عليهم.

 ثالثًا: الأهلية: وأقصد بالأهلية هو أن يملك الناقد الذي ينقد ذاته وجماعته وإخوانه في الميدان رصيدًا من العلم الشرعي ورصيدًا من الحجة والمنطق، وقدرًا كافيًا من المعلومات والأدلة الموثقة، كما أنه يملك رصيدًا هامًّا من الخلق الإسلامي عند ثورة الغضب الهائج عند الخلاف، فقد يضر بقلمه ولهجته أو قد ينتاب قلمه أو لسان نصحه الأدب الشرعي في النصح، مما يفضي لخصومة لا يقصدها، وأن يملك الناقد أيضًا إلمامًا ووعيًا بواقعه والمتغيرات التي تحيط بالعمل الإسلامي، فالتجربة والممارسة تصقلان رأي الناقد وترشد نصحه ونقده.

 القاعدة الرابعة: من يقدر المصلحة: في اعتقادي أن من يقدر المصلحة هو الشخص نفسه الذي يقوم بعملية النقد الذاتي، وللآخرين نقده إن شاءوا في ذلك، فالعامل في ميدان الحركة الإسلامية والذي تفحص فيها وعمل بها وأخلص العمل لله وجاهد فيها فله جهاد آخر في إصلاح دعوته وترشيد مسارها، وليس لأحد أن يمنعه من أن يسدد مسار العمل الإسلامي، وكما أنه سيجني أجر النقد الحسن فإنه أيضًا سيكون مسئولًا عما سيصيب الحركة الإسلامية من ضرر عدا أنه اجتهاد في النصح. وليس على الإنسان أن يقول ما يريد؛ بل على الإنسان أن يقول ما ينفع، وكذلك على الحركة الإسلامية أن ترضى بالعاملين في وسطها نصحاء ومرشدين لها، فإن لم يكونوا هم فمن يكون إذن؟! وعلى الجماعات الإسلامية أن تفعّل هذا النوع من النشاط الحركي في أوساطها حتى لا يصبح العاملون فيها مجرد منفذين دون وعي.

 القاعدة الخامسة: تفهم وضعية وقانونية الجماعات الإسلامية في المجتمعات المدنية الحديثة، وبالخصوص التي لا تتيح للحركات الإسلامية حرية الرأي والقول، فقد يكون ذلك عاملًا مباشرًا في صيانة النشاط الداخلي لتلك الجماعات مما يقلل فرص النقد الذاتي داخلها.

 القاعدة السادسة: حصول النتيجة «فاعلية النقد» فإنه من المأمول أن يحدث النقد الذاتي نتيجة وهو الهدف المقصود من النقد الذاتي؛ حيث يحدث حوارًا صحيًّا داخل أطر الحركة الإسلامية يتولد عنها رغبات صادقة في الإصلاح، وحين يتحول النقد الذاتي إلى صراع لإثبات الخطأ وتحقيق الذات لكلا الطرفين، فإن العملية تتحول إلى مراء وجدال، وقد نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الجدال والمراء ولو كان محقًّا، فنحن من خلال النقد الذاتي علينا أن نضع الحركة الإسلامية في إطار صحيح من العمل. في المقابل من يقوم بالنقد الذاتي عليه أن يكون فعالًا في مناشط العمل الإسلامي ويتحمل تكاليفه ويتصبر على الجهاد فيه، ويكسر هوى نفسه لإصلاح مجتمعه الحركي والخارجي.

 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 1

2059

الثلاثاء 17-مارس-1970

الافتتاحية

نشر في العدد 2

191

الثلاثاء 24-مارس-1970

لم كل هذه الحرب؟