العنوان في تبيان العقيدة الإسلامية
عنوان تمهيدي ركن الأسرة
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 19-مارس-1974
مشاهدات 23
نشر في العدد 192
نشر في الصفحة 32
الثلاثاء 19-مارس-1974
دعوة للكتابة
تقوم الأخت هناء أبو الشامات
بإلقاء درس أسبوعي للنساء في جمعية الإصلاح الاجتماعي، مساء كل يوم ثلاثاء.
وتقدمت مشكورة بتلخيص محاضرة لها
عن شرح حديث جبريل -عليه السلام- في تبيان وإيضاح العقيدة الإسلامية.
وإنا إذ نشكر للأخت هناء مساهمتها
في ركن الأسرة، نرجو سائر الأخوات من مدرسات وطالبات وزوجات أن يكتبن للمجلة ليكون
رأي المرأة المسلمة مسموعًا في كل ميدان والله الموفق.
أم
عصام
في تبيان العقيدة الإسلامية
عن عمر بن الخطاب -رضي الله تعالى
عنه- قال: بينما نحن عند رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ذات يوم، إذ طلع علينا
رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا
أحد، حتى جلس إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفيه
على فخذيه وقال: يا محمد أخبرني عن الإسلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله صلى الله عليه وسلم،
وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت، إن استطعت إليه سبيلًا»،
قال: صدقت، قال: فعجبنا له يسأله ويصدقه، قال: فأخبرني عن الإيمان: قال: «أن تؤمن
بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره»، قال:
صدقت، قال: فأخبرني عن الإحسان، قال: «أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه
فإنه يراك»، قال: فأخبرني عن الساعة، قال: «ما المسؤول عنها بأعلم من السائل»،
قال: فأخبرني عن أماراتها، قال: «أن تلد الأمة ربتها، وأن ترى الحفاة العراة،
العالة، رعاء الشاء، يتطاولون في البنيان»، قال: ثم انطلق، فلبثت مليًا، ثم قال
لي: «يا عمر! أتدري من السائل؟» قلت: الله ورسوله أعلم، قال: «فإنه جبريل أتاكم
يعلمكم دينكم».
من خلال عرضنا لهذا الحديث يتبين
لنا أن جماع الدين كله فيه، فالدين يشمل: الإسلام والإيمان، والإحسان، وسنكون
بحديثنا إن شاء الله في الأسابيع القادمة متضمنة أركان الإيمان ونقدمه لأهميته
ولفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم في عرض الدين الإسلامي وأركان الإسلام ثم
الإحسان.
وسنبدأ في البحث الأول بالركن
الأول والأساسي للإيمان وهو الإيمان بالله تعالى: إن الإيمان بالله تعالى يتضمن
إيمان وجود، وإيمان توحيد، وحديثنا اليوم نبدأه بالإيمان بوجود الله تعالى: لم تكن
الجاهلية الأولى التي خاطبها الله تعالى بالإسلام منكرة لوجود الخالق ولكنها كانت
تشرك مع الله الأصنام والأوثان ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى
اللَّهِ زُلْفَىٰ﴾ (الزمر: 3) ومع هذا فقد كان خطاب القرآن لهم دعوة لتجديد وتصحيح
الإيمان بالله تعالى لذا وبلا شك فخطاب القرآن خير خطاب يدعو إلى الإيمان خاصة في
عصر عم به الكفر والإشراك، وما علينا إلا إيصال هذه الآيات إلى القلوب والعقول بعد
تنظيفها وتجريدها مما ران عليها من شوائب الجهل والمرض.
وقد استخدم القرآن الكريم ثلاثة
أساليب في موضوع الإيمان وما تعدد هذه الأساليب إلا زيادة تقريع وتنبيه للأسماع
والأبصار والأفئدة والعقول علها تتنبه وتنصاع مؤمنة موقنة به سبحانه وتعالى:
الأسلوب الأول:
هو عرض آيات الله تعالى في الكون والنفس والحياة وإنهاء الآية بقوله تعالى: ﴿إِنَّ
فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ (النحل: 12)، ﴿لِّقَوْمٍ
يَسْمَعُونَ﴾ (النحل: 65)، ﴿لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (النحل: 69).
قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ
خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ
بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ
يَتَفَكَّرُونَ وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ
أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ
وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُم مِّن
فَضْلِهِ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ وَمِنْ آيَاتِهِ
يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً
فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَاۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ
يَعْقِلُونَ وَمِنْ آيَاتِهِ أَن تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ۚ
ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِّنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنتُمْ تَخْرُجُونَ﴾
(الروم: 21 - 25)، قال تعالى: ﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مَُّتَجَاوِرَاتٌ
وَجَنَّاتٌ مِّنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ
يُسْقَىٰ بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَىٰ بَعْضٍ فِي الْأُكُلِۚ
إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ (الرعد: 4).
الأسلوب الثاني:
لفت الأنظار إلى آيات الله تعالى لإثبات وجوده عن طريق سؤال استفهامي تقريري وذلك
بقوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَنظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ
بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٍ وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا
وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ
تَبْصِرَةً وَذِكْرَىٰ لِكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ﴾ (ق: 6 - 8)، قال تعالى: ﴿أَفَلَا
يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ
وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ
فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ﴾ (الغاشية: 17 - 21)، قال تعالى: ﴿وَفِي
الْأَرْضِ آيَاتٌ لِّلْمُوقِنِينَ وَفِي أَنفُسِكُمْ ۚ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾
(الذاريات: 20 - 21).
الأسلوب الثالث:
التنبيه لآيات الله تدفع إلى التفكير بها فالوصول إلى الإيمان به تعالى وذلك عن
طريق القسم بآياته سبحانه وتعالى: ﴿وَالضُّحَىٰ وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَىٰ﴾
(الضحى: 1 - 2)، قال تعالى: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا
وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا﴾ (الشمس: 1 - 4)،
قال تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ
النَّجْمُ الثَّاقِبُ﴾ (الطارق: 1 - 3)، وقال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَٰلِكَ
لَذِكْرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ (ق:
37).
وسنقوم بشرح بعض هذه الآيات لنصل
إلى الإيمان به تعالى ببحث وتقرير ثلاث نقاط:
1. محدودية المادة وعجزها عن تغيير ذاتها بذاتها فأصغر
ذرة في الكون إلى أكبر من ذلك تتألف من نواة وإلكترونات تدور بمدارات محددة لا
تتجاوزها ولا تتمكن من تغيير مدارها إلا بمؤثر خارجي، ومجموع الكون وما فيه محدود
وعاجز فلا بد له من مؤثر به قائم عليه مُتصرِّف به.
2. إذا أمعنا النظر في آيات الله في الأنفس والآفاق
نجد أن نظامًا محكمًا يسيرها، فالتنظيم الدقيق المحكم لأصغر ذرة في الكون إلى
الكون كله ليدعونا إلى الإيقان بوجود منظم لها. وهذا ينفي الصدفة أو كون الطبيعة
هي الخالقة.
3. إن كل ما في هذا الكون لم يخلق عبثًا وإنما صنعته
يد حكيمة خبيرة تصنع لكل ميزانه وتثبت ضرورته، ولا نشك أن المخاطبين بهذا الموضوع
مؤمنون بالله تعالى إلا أننا أردنا من وراء ذلك: تجديد وتوثيق الإيمان به تعالى
وعبادته عز وجل عن طريق التفكير بآياته ذلك أن التفكير في آيات الله تعالى هو جزء
من عبادته لقوله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ
وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ الَّذِينَ
يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ
فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ
فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ (آل عمران: 190 - 191) فقد قرن ذكره تعالى بالتفكير في
خلقه، لذا فمن واجبنا أن نجعل لأنفسنا ولو ساعة في اليوم نتفكر فيها بآياته سبحانه
وتعالى لننمي إيماننا وعقولنا.
ثم أردنا من وراء هذا الموضوع التمكن
من مواجهة الإلحاد والكفر أعاننا الله تعالى على ذلك ووفقنا لكل ما يحبه ويرضاه
إنه سميع مجيب.
والحمد
لله رب العالمين.
ابدئي بنفسك
لا تستطيعين يا أختي أن تكوني
مسلمة حقًا يرضى عنها الله إلا إذا تفهمت جيدًا هذين الأمرين:
1. هل ساءلت نفسك عن الغاية الأولى لوجودك في هذه
الدنيا؟ أنت بحاجة إلى معرفتها لتبتغي الوسائل لتحقيقها.. والقرآن الكريم يجيبك
على هذا السؤال بوضوح ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾
(الذاريات: 56)، فلو وعيت تمامًا معنى هذه الآية لانتظمت جميع أمورك في الدنيا
وضمنت السعادة في الآخرة، فالله سبحانه وتعالى منّ علينا بنعمة الحياة وسخر لنا ما
في الأرض من طيبات لنعبده وحده ولا نشرك به أحدًا.. فالهدف واضح صريح وهو
العبادة.. ليس فقط بإقامة الفرائض المطلوبة منا كالصلاة والصوم و... بل بالقيام
بجميع أعمالنا الدنيوية حسب شريعة الله ولنيل رضاه.. بذلك فقط ننعم بالراحة
والطمأنينة.. على الرغم من المتاعب التي تعترضنا والمصائب التي تحل ببعضنا
أحيانًا.. فالمهم أن نقوم بإخلاص لله سبحانه وتعالى في جميع أعمالنا والنتيجة التي
ينتظرها من عبادتنا هذه لا تظهر غالبًا في حياتنا الدنيا الفانية بل بالآخرة حيث
النعيم المقيم.
2. الآن وقد فهمنا الغاية من وجودنا علينا أن نهتم
بإصلاح نفوسنا لتنسجم جميع أعمالنا وحركاتنا وسكناتنا مع الغاية التي خلقنا الله
لتحقيقها.. ولا نستطيع قط أن نصلح أخطاءنا ونحاول أن نربي أرواحنا وعقولنا
وأجسامنا التربية اللائقة بكل مسلمة واعية.. إلا إذا أخذنا بعين الاعتبار هذا
الأمر وهو أن نتخذ الصدق وسيلة لتحقيق هذه الغاية.. فكوني يا أختي صادقة مع نفسك
واعترفي بأخطائك كاملة.. ولذلك لا بد أن تختلي إلى نفسك بعض الوقت وتأخذي ورقة
وقلمًا وتسجلي بأمانة جميع الأمور التي تفتقرين إليها وأنت لها واعية.. وربما هناك
أمور تنقصك ولكنك تجهلينها.. لذلك ستجدين في هذا الباب، وعلى قدر المستطاع ما
تحتاجه المسلمة التي تخاف ربها كي تكتمل شخصيتها وتؤدي رسالتها الحقة في الدنيا
وتحظى برضا الله في الآخرة.. ابذلي جهدك يا أختي ما استطعت وتحسسي ما ينقصك بالفعل
وكوني جادة في إصلاح نفسك بعزيمة ماضية.. وبإذن الله ستجدين نفسك يومًا بعد يوم
وأنت تسيرين قدمًا في طريق الصلاح والهداية إن شاء الله.. وأدي جميع فرائضك عن وعي
وفهم.. واحتفظي -حرصًا على الفائدة القصوى- بدفتر خاص بك تسجلين به العادات الحسنة
التي اكتسبتها.. وعودي من وقت لآخر لقراءتها.. فستلمسين بوضوح كم تقدمت واستفدت
وهذا سيشجعك على المثابرة والله معك.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل