; الهدنة هل تتيح الفرصة لتفرغ «إسرائيل» لفلسطينيي ٤٨ | مجلة المجتمع

العنوان الهدنة هل تتيح الفرصة لتفرغ «إسرائيل» لفلسطينيي ٤٨

الكاتب شادي الأيوبي

تاريخ النشر السبت 12-يوليو-2003

مشاهدات 13

نشر في العدد 1559

نشر في الصفحة 25

السبت 12-يوليو-2003

الهدنة الأخيرة التي وافقت عليها معظم الفصائل الفلسطينية -إذا قدر الله لها الحياة- ستكون بالنسبة للجانب الفلسطيني محطة لالتقاط الأنفاس وتضميد الجراح، وإعادة ترتيب الشؤون الداخلية استعدادًا لخرق صهيوني جديد، وعودة لدائرة استهداف الشعب الفلسطيني بحملة جديدة من البطش والعنف، ثم المزيد من العمليات الفدائية التي تسعى لاستعادة ما عُرف في الفترة الأخيرة بتوازن الرعب، وهو المعجزة الكبرى التي استطاعت المقاومة أن تفرضها على المحتل رغم الفروقات الهائلة في العدة والعتاد بين الجانبين.

الهدنة بهذا المعنى لن تخلو من فائدة تُرجى وشر يُتقى للشعب الفلسطيني، وإن كان الهدف منها جره إلى دوامة من العنف والتقاتل الداخلي لما تتضمنه اتفاقية «خارطة الطريق» من مطالب بتفكيك بنية المقاومة.

لكن الهدنة بالنسبة للجانب الآخر لن تكون فترة استراحة؛ إذ يبدو أن لدى الجانب الصهيوني ملفًا مزمنًا يحاول الآن التفرغ له وتصفيته في ظل انشغال العالم بتفصيلات تطبيق اتفاقية خريطة الطريق وأمتار الانسحابات الإسرائيلية وتفكيك أشباه المستوطنات، وغير ذلك من الجزئيات التي تُثار ولها هالة كبيرة من التضخيم المفتعل، والملف هو مسألة الفلسطينيين في الأراضي المحتلة عام 48.

ففي الفترة الأخيرة بدأت إشارات الانزعاج الإسرائيلي من هذا "الورم السرطاني" المتنامي داخل الكيان اليهودي بالازدياد بشكل مطرد، وبدأت الإجراءات التي تهدف إلى عمل ما كبير ضد فلسطينيي 48 تبرز بشكل أكبر، ويؤكد المراقبون أن المنظرين والمخططين الإستراتيجيين في الكيان الصهيوني يدقون نواقيس الخطر منذ زمن بعيد، ويحرضون القادة السياسيين والعسكريين على القيام بعملية استئصالية، بحيث يتحقق للكيان العبري الحلم بأن يكون دولة يهودية خالية من الأجناس والديانات الأخرى.

ومن الإشارات التي تدفع المرء لهذا الاعتقاد كثير من العبارات والتلميحات في الخطابات السياسية للعديد من المسؤولين المحليين والدوليين التي تدفع بالمنطقة إلى اتجاه واحد لا رجعة فيه، يُفرض على المنطقة بقوة الأمر الواقع بغض النظر عن عدالته لجميع الأطراف أو عدمها، ومن بين تلك الإشارات والدلائل:

  • الإشارات التي أُطلقت في مؤتمر العقبة حول يهودية «إسرائيل» وتاريخ الشعب اليهودي فيها، وعذابات اليهود التي جعلتهم يستحقون أن ينالوا أخيرًا وطنًا يستقرون فيه، مع عدم اعتراض أي من الحاضرين على هذا الزور والبهتان والتزوير الفاضح للتاريخ، هذه الإشارات لم يختلف المراقبون والمتابعون في كونها مقدمة لخطوة استئصالية للشعب الفلسطيني في الداخل.
  • الرفض التام لمناقشة حق العودة أو حتى إدراجه ضمن أي مباحثات مستقبلية، ومما زاد الأمر سوءًا التصريحات التي أطلقها بعض المسؤولين الفلسطينيين والتي تتفهم طبيعة الحاجات الديموجرافية الإسرائيلية وتخوفات الكيان الغاصب من مسألة عودة اللاجئين، ثم جاءت الضغوط الأخيرة على "الأونروا" لتقليص خدماتها للاجئين في لبنان لتؤكد وجود نية تآمرية مبيتة لجعل هؤلاء ينسون مسألة عودتهم بإغراءات الهجرة تارة، والتوطين مع التعويض تارة أخرى.
  • ليس هذا فحسب، بل لقد نجحت الدعاية والإصرار الصهيونيان في تصوير مسألة عودة اللاجئين -والتي هي من بديهيات حقوق الإنسان- عقبة كأداء في وجه التوصل إلى السلام في المنطقة، بحيث اندفع المفاوض الفلسطيني -الذي لم يكلف نفسه يومًا عناء استطلاع رأي الشعب الفلسطيني في الشتات وهو المعني الأول بالمسألة- اندفع هذا المفاوض بشكل دائم إلى تأجيل هذا الملف الشائك إلى ما بعد التوصل لاتفاق حول المسائل الأكثر سهولة.
  • التحرشات المستمرة بالحركة الإسلامية في الداخل، وكان آخرها اعتقال مجموعة منهم بتهمة دعم حركات المقاومة في الضفة والقطاع، ومن المعلوم أن الأجهزة الإسرائيلية تخطط منذ زمن بعيد لحظر هذه الحركة وإنهاء نشاطاتها التي نجحت عبرها في لفت نظر العالم إلى وجودها، وأصبحت شوكة في خاصرة الكيان اليهودي تعرقل حركته وتزعجه في كل مجال.
  • التلويح بفتح المسجد الأقصى لليهود من جديد، وهو الذي كان سبب انطلاق الانتفاضة الثانية مع ما له من حساسية ومكانة خاصة عند المسلمين جميعًا، حيث يبدو من وجهة النظر الصهيونية أن أسباب منع اليهود من زيارته قد زالت، ومع التلويح بأن اليهود يزورون الحرم منذ فترة بزي سياح أجانب، وفتح المجال لعودة اليهود للحرم القدسي يعني بالطبع إطلاق العنان للحركات اليهودية المتطرفة التي تهدف إلى هدم المسجد وإقامة الهيكل اليهودي المزعوم مكانه.
  • الاستمرار بخطة تهويد القدس ومحو كل ما يرمز إلى الوجود العربي والإسلامي في المدينة، ومن المؤسف أن هذا الملف أصبح هو الآخر من المحظورات التي تؤجل في كل المفاوضات؛ بهدف إفساح المجال لما هو أسهل.
  • التضييق المستمر على المواطنين العرب في الداخل وإرهاقهم سياسيًا وأمنيًا واقتصاديًا بهدف دفعهم إلى الرحيل الاضطراري من مناطقهم، ومن هذه الخطوات القديمة الجديدة: إرهاقهم بالضرائب التعسفية، مصادرة بيوتهم وهوياتهم، منعهم من فرص العمل، تعسير عودتهم إلى ديارهم من الخارج، ثم ما جرى أخيرًا من التضييق على زوجات المواطنين القادمات من أراضي 67 وحرمانهن من الحقوق المدنية والرعاية الاجتماعية.
  • حملة التهويل والتخويف من الوجود العربي في الداخل، وذلك عبر الدراسات التي يقوم بها أكاديميون وباحثون يهود، وتصور الخطر الديموجرافي العربي على أنه هو الخطر الأكبر على الكيان اليهودي، ومقارنة النمو الهائل للمواطنين العرب بالنمو اليهودي الضعيف الذي يعتمد أصلًا على استجلاب اليهود من الخارج، ومن المعلوم أن عملية الاستجلاب هذه تأثرت بشكل واضح بفعل الانتفاضة الأخيرة.

ولكن نجاح الخطة الصهيونية مرتبط بشكل مصيري بعوامل منها: استمرار الهدنة، وتفرغ «إسرائيل» للهم الداخلي، وقدرة الشعب الفلسطيني على الصمود والرفض، ثم أخيرًا سابع المستحيلات- حسب ما يقول الفلسطينيون أنفسهم- وهو الدعم العربي والإسلامي للمسألة الفلسطينية.

الرابط المختصر :