; قطوف تربوية حول «قصة جريج العابد» (2من2) | مجلة المجتمع

العنوان قطوف تربوية حول «قصة جريج العابد» (2من2)

الكاتب د. حمدي شعيب

تاريخ النشر الثلاثاء 26-أكتوبر-1993

مشاهدات 37

نشر في العدد 1072

نشر في الصفحة 48

الثلاثاء 26-أكتوبر-1993


صحوة وألم في واقع الأمة

عندما يستيقظ المسلم من وهدته ويبدأ سيره المبارك، مستجيبًا لمن بلغه تحذير الحبيب- صلى الله عليه وسلم-: «من أصبح ولم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم» (رواه الحاكم) فيصدمه واقع أمته البئيس، ويردد أنات عمر الأميري:

 فأنى التفت فحق سليب *** وأنى أصخت فرجع النحيب

 وأنى سريت فدرب مريب *** وصد عجيب ولغم رهيب

 أسير رهين صروف الزمان *** وأشعر أني وحيد غريب

 أهيب بقومي إلى المكرمات *** وما من ملبٍ وما من مجيب

وقبل أن يجرفه تيار اليأس الناتج عن الصراع غير المتكافئ بينه كفرد وحيد أعزل وبين ركام الواقع، يجد من يوجهه: أيها الحبيب.. «إن رواسب القرون الماضية، ونتائج الحوادث الخالية، لا يمكن أن تزول بأمنية تختلج في الصدور، أو كلمة تكتب في الصحف أو خطب تلقى على الجماهير، بل لا بد من طول الأناة ودوام المثابرة وعظيم المصابرة، والدأب على العمل». (مجلة الدعوة المصرية: الإمام البنا /العدد 67). فيبتسم مستجيبًا، ويمضي صابرًا مثابرًا في العمل الدؤوب، ويأتيه توجيه وترشيد ممن سبقه: إن عملك المبارك الدائم هذا: «خطواته: أن تشيع الوعي الإسلامي وتجمع، وتربي، وتتوسع في اتزان، وتنتشر في تأن، وتنتظر حتى تكتمل الاختصاصات وترقب ضعف من تسلط زوراً، وترفع يديك إلى الله داعيًا أن يرحم المسلمين، حتى يسقط رداؤك عن منكبيك، فإنه إن سقط علوت». (المنطلق الراشد 249).

العمل الجماعي وضرورة التجمع الحركي

وعندما يعلو في طريقه الراشد، يدرك أن العمل للإسلام لا يمكن أن يتم فرديًا فكل فرد وحده لا يستطيع أن يقيم دولة الإسلام ويعيد الخلافة، ولكن لا بد من الجماعة التي تجمع الجهود الفردية لتستعين بها على تحقيق هذا الواجب الكبير، والقاعدة الشرعية المعروفة «أنه ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب» (الدعوة إلى الإسلام حسنى أدهم جرار 133).

ويزداد نضوجه مع حركته وبذله اليومي بهذا المنهج، فيتيقن «أن هذه الجاهلية التي تقوم على حاكمية البشر للبشر، والشذوذ بهذا عن الوجود الكوني، والتي واجهها من قبله الرسول- صلى الله عليه وسلم- لم تكن متمثلة في نظرية مجردة، إنما تتمثل دائمًا في تجمع حركي، في مجتمع خاضع لقيادة لذا فإن أي محاولة لإلغاء هذه الجاهلية، ورد الناس إلى الله مرة أخرى، لا بد أن تتمثل في تجمع عضوي حركي أقوى من ذلك التجمع الجاهلي القائم فعلاً. هكذا وجد الإسلام، وهكذا يمكن أن يوجد مرة أخرى، فأما إذا لم يواجه الواقع الجاهلي بمجتمع أقوى وأمتن فستقع الفتنة العامة ويقع الفساد في الأرض، وليس بعد هذا النذير نذير: {إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ} (سورة الأنفال: 73). (في ظلال القرآن: سيد قطب 10/1556 - 1560 بتصرف). والواقع خير شاهد، والتاريخ خير واعظ.

أصناف المدعوين وفقه التأسيس

وعندما يبدأ الداعية في تنفيذ خطته الدعوية التغييرية بناء على فقهه السابق وبعد دراسة لواقعه المحيط، ويتفرس في حقل دعوته، فيجد أن «في كل مجتمع يوجد سادة وأشراف لهم نفوذ فيه، وقد يكون بأيديهم السلطان وهؤلاء هم الصنف الأول من المدعوين ويسميهم القرآن «الملأ» وإزاء هؤلاء يوجد جمهور الناس وعامتهم» وهؤلاء هم الصنف الثاني من المدعوين، فإذا ما استجاب الناس إلى الدعوة إلى الله ودخل الإيمان في قلبهم وصارت الغلبة للمؤمنين وصار المجتمع إسلاميًا كلما أمكن عند ذاك ظهور صنف آخر يظهر الإسلام رياء ونفاقًا ويبطن الكفر وهؤلاء هم «المنافقون» وهم الصنف الثالث من المدعوين، كما أن من دخل في الإسلام قد يكون إسلامه ضعيفًا وإيمانه رقيقًا مما يجعل انزلاقه إلى المعاصي سهلًا وهؤلاء هم: «العصاة» ويكونون الصنف الرابع من أصناف المدعوين». (أصول الدعوة د. عبدالكريم زيدان ص 379).

ولأن «الدعوة إلى الله- تعالى- هي أبلغ مظهر من مظاهر تعظيمه، وهي تقوم على الحكمة والموعظة الحسنة، وتظهر الحكمة في معرفة المناسب من الدعوة لكل فئة من الناس، والداعية الحكيم لا يقول كل ما يعرف لكل من يعرف، وهو يتعامل مع العقول حسب مقدرتها لا حسب مقدرته، ولا يحملها فوق طاقتها، وعندما تكون الدعوة في طور التأسيس والتكوين فإن الجهد المبذول قد يقع في مكانه المناسب إذا راعى الداعية مبدأ التخير لدعوته، وفقًا لمرحلتها، فيبدأ بالقريب قبل البعيد، وبالصغير قبل الكبير وبالمتواضع قبل المتكبر، وبالمثقف قبل الأمي وبزميل المهنة قبل غيره». (قواعد الدعوة إلى الله: د. همام سعيد 15- 19 بتصرف). إذن في مرحلة التأسيس لا بد من (الاصطفاء الشخصي، وتقدير الداعية لطبيعة المدعو). (المنهج الحركي للسيرة النبوية الغضبان ص 21).

فقه الانتشار واستهداف الجماهير

ولكن عندما يسمع الداعية بشرى- صلى الله عليه وسلم-: «إن الله وملائكته وأهل السموات والأرض حتى النملة في جحرها والحيتان في البحر يصلون على معلم الناس الخير» (حسن صحيح). فإنه يتملكه شعور جارف للحركة الموزونة المتأنية والمستدركة للانطلاق بدعوة الخير «فإنه لا يسوغ لداعية أبدًا أن يستطرد في الحصول على المعادن الجيدة فقط ذلك لأن الكثرة العددية مطلوبة أيضًا، فإذا كنت في مرحلة الابتداء تحرص على الرواحل فحسب والتي كشفها- صلى الله عليه وسلم- في قوله: «إنما الناس كإبل المائة لا تكاد تجد فيها راحلة» (البخاري 8 /130). والراحلة هي الناقة القوية السريعة السير ونسبتها لا تتعدى الواحدة في القطيع، فإن إكمال الشوط يلزمك فيه الانفتاح والانبثاث بأصناف الرواحل لأن الخطر يأتي من أن الدعوة قد تتحول إلى مجرد حركة مثقفين مدنية تهمل العامل والفلاح. (المسار: الراشد 59 - 64 بتصرف).

لذلك كان على الداعية أن يتجه بفكرته إلى هؤلاء القوم البسطاء، تلك الأرض الخصبة التي تعتبر وقود كل حركة، ومنها ينبع كل خير، وهم عوام وجمهور الناس و«نريد من قولنا جمهور الناس معظمهم، ويكونون عادة مرؤوسين للملأ وتابعين لهم، كما يكونون غالبًا فقراء وضعفاء ويباشرون مختلف الأعمال والحرف، وهم أسرع من غيرهم إلى الاستجابة إلى الحق فهم أتباع رسل الله، يصدقونهم ويؤمنون بهم قبل غيرهم، وفطرتهم سليمة، ومع هذا فإن هناك احتمالاً لتأثرهم بمكائد الملأ والسير وراء تضليلهم وأكاذيبهم كما حصل لقوم فرعون فقد تابعوه على باطله وناصروه عليه فقال عنه وعنهم سبحانه: {فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ ۚ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ} (سورة الزخرف: 54). وذلك لأسباب عديدة: أولًا: الخوف، وثانيًا: الإغراء بالمال وحطام الدنيا، ثالثًا: الشبهات التي يثيرها الملأ حول الدعوة والداعي) (أصول الدعوة د. زيدان 390- 395 بتصرف).

نتاج الاستبداد وتحديات التنصير

فإذا واجه الداعية هذا الانحراف والإحجام فلا يستغرب نتاج العيش في حياة الذل والاستبداد، وله في موسى- عليه السلام- أسوة في معركته الثانية الأشد والأقسى مع قومه بني (إسرائيل) بعد معركته الأولى مع فرعون وملأه، وذلك «بعد أن نجاهم الله، وأغرق فرعون وملأه حيث كانت معركته مع النفس البشرية، فلقد عاش بنو (إسرائيل) في ظل العذاب الفرعوني طويلاً، ففسدت نفوسهم، وفسدت طبيعتهم والتوت فطرتهم، وانحرفت تصوراتهم، وامتلأت نفوسهم بالجبن والذل من جانب، وبالحقد والقسوة من الجانب الآخر، وهما جانبان متلازمان في النفس البشرية حيثما تعرضت طويلًا للإرهاب والطغيان، فتضعف عن حمل التبعات» (في ظلال القرآن: سيد قطب 9/1364 بتصرف).

وهذا ما دعا عبد الرحمن الكواكبي في طبائع الاستبداد أن يشكو بمرارة من طبيعة العامة: «العوام هم قوات المستبد وقوته بهم وعليهم يصول، وبهم وعلى غيرهم يطول، يأسرهم فيتهللون لشوكته، ويغصب أموالهم فيحمدونه على إبقاء الحياة، ويهينهم فيثنون عليه رفعته، ويغري بعضهم على بعض فيفتخرون بسياسته، وإذا أسرف بأموالهم يقولون عنه إنه كريم، وإذا قتل ولم يمثل فيعتبرونه رحيمًا، ويسوقهم إلى خطر الموت فيطيعونه حذر التأديب، وإن نقم عليه بعض الأباة قاتلوهم كأنهم بغاة».

ولا ينس الداعية أن هذه الفئة تمثل هدفًا ثمينًا لغارات وحملات التنصير، فقد لاحظ الإمام البنا- رحمه الله- حينما بدأ دعوته عام 1928م أن «المبشرين كانوا يذهبون مبكرين في صباح كل يوم إلى عزبة في ضواحي الإسماعيلية، ويوزعون اللبن والخبز على الناس البسطاء لجذبهم ولتوثيق الروابط معهم ثم يستدرجونهم ليتركوا دينهم، فما كان من الإمام وإخوانه إلا أن اجتمعوا وبدأوا خطتهم فسبقوا هؤلاء المبشرين إلى الفقراء بعد صلاة الفجر ليوزعوا عليهم الخبز واللبن وحلوى الأطفال وليحذروهم من الخطر القادم إليهم، فنجحت خطتهم، وتراجع المبشرون حتى اضطر القس زويمر أن يعلن فشله قائلاً: لقد دخل الميدان عقل جديد». (حسن البنا- مواقف في الدعوة والتربية: السيسي 175 - 176 بتصرف). فإذا سلمت هذه الفئة المغبونة من رواسب الطغيان وغارات التنصير فإن الخطر قد يأتي للدعوة حين «تعني بالنخبة المثقفة وتهمل الجماهير؛ لأن من خصائص الحركة الإسلامية أنها حركة شعبية، ولقد حاولت القوى المعادية أن يعزلوا جماهير الشعب عن الحركة بكل الوسائل، والأخطر من هذا أن تعزل الحركة نفسها عن الشعب، وإنما تنجح الحركة حقًا يوم تستطيع تحريك الشعب معها فيندمجا معًا، وهذا لا يتم إلا يوم تتبنى الحركة هموم الناس وتنفعل بقضاياهم، فهي منهم، وهم منها، وهي لهم، وهم لها». (أولويات الحركة الإسلامية د. القرضاوي 51- 52 بتصرف...).


انظر أيضا:

 

قصة جريج العابد.. وأثرها في مجتمع اليوم

الرابط المختصر :