; وحدة الولاء أساس هيبتها أمام الأعداء | مجلة المجتمع

العنوان وحدة الولاء أساس هيبتها أمام الأعداء

الكاتب د. زكريا المصري

تاريخ النشر الثلاثاء 22-يونيو-1993

مشاهدات 25

نشر في العدد 1054

نشر في الصفحة 46

الثلاثاء 22-يونيو-1993

وحدة الولاء أساس هيبتها أمام الأعداء

د. زكريا عبد الرازق المصري

 

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد: فإن الله تعالى أوجب على المؤمنين أن يوالي بعضهم بعضًا، على صعيد القمة وعلى صعيد القاعدة لتتصل القمة بالقاعدة، اتصال الرأس بالجسد، لتدب فيها عناصر القوة والعزة، كما تدب الروح في الجسد باتصال الرأس فيه، ومتى انفصلت القاعدة عن القيادة ضعفت القيادة أمام الخصوم، وضعفت القاعدة أمام المندسين، فتتآكل بما يدس فيها أعداؤها من عوامل النزاع والصراع، حتى يفني بعضها بعضًا كما تفنى الجثة بعد فصل الرأس عنها.

 وهذه هي سنة الله تعالى في الخلق ولا سبيل إلى تبديلها ولا إلى تغييرها، ولم يترك الله تعالى لنا شأن البحث فيها والنظر فتختلف فينا الاجتهادات، وإن كانت ستؤدي في حال سلامة العقول إلى الوصول إلى هذه النتيجة بحكم الفطرة التي فطر الله الناس عليها، ولكنه أمر بتحقيقها أمرًا جازمًا ولازمًا حتى يتفق فينا الأمر الإلهي مع الخلق الرباني ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ ۗ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ (الأعراف: 54). (1) فتصبح في حال الالتزام بهذا الأمر أمة واحدة من الناحية الشرعية، حين نكون متجانسين في المعتقد كما هو حال الجسد الواحد من الناحية الحسية، حيث يشتمل على جسم ورأس واحد يؤدي اتصال هذا الرأس بذلك الجسد أي سريان الروح فيه فتنشأ عنها الحركة، وبوجود العقل في الرأس وهو مجلس الشورى في الأمة تنشأ الحركة الصحيحة لهذا الجسد الفردي والجماعي ويسعى لتحقيق مصالحه بالأسلوب المناسب، فيحافظ على مواقعه وأرضه وحقوقه وتدب هيبته في قلوب خصومه وأعدائه، ومن هنا تكون الأمة الموحدة في ولائها على صعيد القمة، وعلى صعيد القاعدة محل اعتبار الآخرين واحترامهم.

 

ودون وحدة الولاء تتفكك الأمة وتضعف لنشوء ظاهرة النزاع والخلاف والصراع الذي لا ينتهي إلى حد، فتسقط هيبتها من نفوس خصومها، فيتجرأون على مواقعها الدينية والسياسية والفكرية والاقتصادية والاجتماعية والحضارية، لإنهاء وجودها وتحويله إلى تابع لهم وغذاء لأبدانهم كالحال في بهيمة الأنعام، بعد فصل رأسها عن جسدها بالذبح.

 

وقد أشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى هذه الحقيقة في قوله: «يوشك أن تداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها قالوا: أمن قلة نحن يومئذ يا رسول الله. قال: بل أنتم كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل ولينزعن الله المهابة من صدور عدوكم منكم وليقذفن الله في قلوبكم الوهن قالوا: وما الوهن يا رسول الله قال حب الدنيا وكراهية الموت (2).

 

فهل تتنبه الحركات والجماعات والجمعيات والأحزاب والشخصيات الإسلامية إلى هذه الحقيقة فتعمل على توحيد ولائها، ليحفظ الله بذلك الأمة جميعًا أم ستبقى متعددة في ولائها، فتقع الأمة كلها في دائرة النزاع والصراع المؤدي إلى الضعف والفناء.

 

وحدة الولاء تحبط مخطط الأعداء

إن سنة الحياة اقتضت أن يكون صراع بين الحق والباطل بسبب العداء الكائن بين الإنسان والشيطان، منذ أن خلق الله تعالى آدم وأسجد له ملائكته، فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين، ثم أدخل الله تعالى آدم الجنة، ونهاه عن الأكل من شجرة معينة فيها، فوسوس إليه الشيطان ليوقعه في المعصية فتكون العقوبة، فينال آدم مثل الذي نال إبليس بسبب المخالفة من كل، لكن آدم تاب فتاب الله عليه، وأما إبليس فتابع العصيان والتمرد وتعهد بإضلال بني آدم على ظهر هذه الأرض، بعد أن هبط آدم وحواء وإبليس إليها. وقد حفظ الله تعالى الإنسان من كيد الشيطان بما أنزله عليه من شرائع تدله على سبيل الخير، لئلا تتخطفه الشياطين لتسلك به سبل الشر بإيقاعه في المعصية في هذه الحياة وتكون العقوبة يوم القيامة ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا ۚ إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ (فاطر: 6) (3).

 

وقد تمكن الشيطان بما أوتي من قوة التزوير من اجتلاب من غفل عن شرع الله تعالى من بني آدم، فزين لهم المعصية حتى اتخذ منهم جنودًا له يوجههم ضد المؤمنين بالله تعالى ليسلط بني آدم على بني آدم تسلطًا حسيًا بعد أن منعه الله تعالى من ذلك ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ ۖ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلَّا أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ﴾ (إبراهيم: 22). (4)

 

وبطريق الإيحاء الخفي يدعم الشيطان من استجاب له من الناس، ويوحي إليهم بالخطط المناسبة المادية والمعنوية لمواجهة أهل الحق ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَىٰ أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ ۖ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ (الأنعام: 121) (5) ﴿شَيَاطِينَ الْإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا ۚ﴾ (الأنعام: 112) (6)

 

وطريق عصمة المؤمنين من تلك المخططات هي الاعتصام بالكتاب والسنة، لأنها تغلق الأبواب على الشيطان وحزبه، ولكيلا يتخذ الخلاف حول بعض النصوص وسيلة لشق صف المؤمنين يجب أن يكون للمؤمنين مرجع واحد يتخذ لنفسه مجلسًا للشورى ينبثق عنه لجنتان:

 1- اللجنة الأولى: عقائدية

 وتبحث في المسائل المختلف فيها وتعرضها على الكتاب والسنة فما كان موافقًا لهما فهو الحق وإلا فهو باطل.

 ب- اللجنة الثانية: تشريعية

 وتبحث في المسائل المختلف فيها وتعرضها على الكتاب والسنة فما وافقهما فهو الحق وإلا فهو الباطل مع مراعاة ما يجوز الخلاف فيه وما لا يجوز.

 

ثم يتبنى المرجع ما تتوصل إليه اللجنتان ويصبح لزامًا على الأمة العمل بمقتضاه ويحرم خلافه وعندئذ تكون النتيجة ﴿فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ ۖ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾ (النساء: 76) (7) فينكشف المدسوسون أمام العيون، فهل يسعى المسلمون أفرادًا وجماعات وحركات وأحزابًا وشخصيات إلى تحقيق ذلك لإحباط مخططات أعدائهم من شياطين الجن والإنس؟! نرجو ذلك.

 

وحدة الولاء تغلق الأبواب أمام الأعداء

إن حكمة الله اقتضت أن يكون صراع هذه الحياة الدنيا بين المؤمنين والكافرين كما قال تعالى: ﴿ هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُم مُّؤْمِنٌ ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (التغابن: 2) (8) وقال مشيرًا إلى حتمية نشوب الصراع بين الإيمان والكفر ﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ﴾ (النمل: 45) (9) ﴿ هَٰذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ ﴾ (الحج: 19) (10) ﴿وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُم مَّيْلَةً وَاحِدَةً ۚ﴾ (النساء: 102) (11).

 

من هنا كان الواجب على المؤمنين اتخاذ الحيطة والحذر من أعدائهم في جميع الأحوال، في حال السلم كما في حال الحرب على حد سواء ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ (النساء: 71) (12) والذي يحمل الكافرين على تربص الفرص ضد المؤمنين هو ذلك العداء المستحكم في قلوبهم، وذلك الحقد الدفين في نفوسهم على المؤمنين، لأنهم لا يتجانسون معهم في المعتقد، فيعمدون بتزيين من الشيطان وتمويه منه إلى إيقاع الضرر بهم بشتى الأساليب، وبمختلف الصور متخذين من أتفه الأسباب وسيلة لإنزال ذلك فيهم، وإذا لم يجدوا سببًا مباشرًا اصطنعوا من الأسباب ما يجعلون منه وسيلة لتحقيق ذلك.

 

من هنا كان سعي أعداء الأمة إلى زرع عناصر وأحزاب وتنظيمات في وسطها، متخذة من الانتماء إليها في الظاهر ستارًا لتوجيه الطعن في الأمة كلما سنحت لها الفرصة لذلك، باستغلال أي حدث أو نزاع بين المسلمين أفرادًا وجماعات لتعميق الخلاف فيه، وتوسيع الشقة، وإغراء المختلفين في المواجهة الكلامية ثم الفعلية ليتحول الخلاف من صراع فكري إلى قضية أمنية، تؤدي إلى نفور الناس من الإسلام والمسلمين، لما يرون من سوء الأقوال والأعمال التي ترافق ذلك، والتي يتم توسيع آثارها السيئة بين أشخاص من مختلف الأوساط، لنشر الدعاية السيئة هذه، وتوسيع دائرة انتشارها تمهيدًا لتوجيه تهمة الشغب الأمني ضد المؤمنين وإنهاء دورهم، ولذلك أمر الله تعالى المؤمنين بأن يكون جدالهم بالحسنى فقال: ﴿  وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ﴾ (العنكبوت: 46) (13) ﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ ۖ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ (النحل: 125) (14) ولذلك أيضًا نهى الله تعالى المؤمنين عن النزاع والصراع فيما بينهم فقال: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ (الأنفال: 46) (15) ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ﴾ (آل عمران: 103) (16).

 

ويقتضي ذلك عليهم أن يوحدوا ولاءهم على مرجع واحد منهم، فهل يسعى المسلمون أفرادًا وجماعات وحركات وتنظيمات وأحزابًا وشخصيات إلى توحيد ولائهم لإغلاق الأبواب أمام أعدائهم قبل الدخول عليهم. نرجو ذلك.

 

الهوامش:

 (1) الأعراف آية 54.

 (2) رواه أبو داود وأحمد، انظر مجمع الفوائد ج 2 ص 717 رقم 9818.

 (3) فاطر آية رقم 6.

 (4) إبراهيم آية رقم 22.

 (5) الأنعام آية رقم 121.

 (6) الأنعام آية رقم 112.

 (7) النساء آية رقم 76.

 (8) التغابن آية رقم 2.

 (9) النمل آية رقم 45.

 (10) الحج آية رقم 19.

 (11) النساء آية رقم 102.

 (12) النساء آية رقم 71.

 (13) العنكبوت آية رقم 46.

 (14) النحل آية رقم 125.

 (15) الأنفال آية رقم 46.

 (16) آل عمران آية رقم 103.

اقرأ أيضا:
الأخوّة الإيمانية.. أسسها وتجلياتها

هجرة الأمة الواجبة من التفرق إلى الوحدة

 


الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل