العنوان نكبة مع كل ذكرى «للنكبة»
الكاتب شعبان عبد الرحمن
تاريخ النشر السبت 23-مايو-2009
مشاهدات 84
نشر في العدد 1853
نشر في الصفحة 13
السبت 23-مايو-2009
مرت ذكرى النكبة (١٥ مايو ١٩٤٨م) بهدوء تام في بلادنا العربية والإسلامية، ولم يقطع ذلك الهدوء إلا بعض المظاهرات الغاضبة هنا أو هناك، سرعان ما تصدت لها قوى الأمن.. لأنه فيما يبدو أصبح مجرد تذكر أو الحديث عن تلك المأساة جرمًا يُعاقب عليه من يرتكبه لأنه في عرفهم «يعكر» صفو «السلام» المزعوم!
وبين ١٥ مايو ١٩٤٨ م و ١٥ مايو ۲۰۰۹م مسيرة واحد وستين عامًا، حمل فيها تاريخ القضية الفلسطينية ملفًا متخمًا بالأحداث، بدءًا من تقسيم فلسطين، وانتهاء بمحاولات التهامها اليوم كاملة إلا النزر اليسير، فقد كان الشعب الفلسطيني - عندما صدر وعد «بلفور» المشؤوم عام ۱۹۱۷م بإنشاء وطن قومي لليهود - ٩٣% من السكان ومنذ ذلك الحين حتى اليوم بات الصهاينة يسيطرون على 97% من الأرض، ويشكلون الغالبية العظمى من السكان، ويحاولون اليوم طرد ما يسمون بعرب (٤٨).. بعدما أكدت الإحصاءات المتتالية أن نسبة نموهم السكاني أضعاف نسبة النمو السكاني لليهود، بما يؤشر في النهاية إلى تفوقهم العددي يومًا ما، ولذلك فإن مشروع نتانياهو الجديد وشرطه الوحيد لاستئناف «مسيرة السلام» هو اعتراف الطرف العربي بيهودية الكيان الصهيوني، أي إعطاء الصهاينة الحق في طرد ما يقرب من مليون ونصف المليون عربي يعيشون داخل هذا الكيان هم عرب ١٩٤٨م.. هذا ما يطلبه نتانياهو، اليوم وقد كرره خلال زيارته الأخيرة أمام الرئيس الأمريكي وعلى الهواء.. وما يطلبه هو ثمن لكي يتفضل بالموافقة على استئناف مفاوضات «السلام».
وفي مقابل ذلك تصدر منذ سنوات تلميحات وتحركات من أطراف فلسطينية وعربية بإمكانية التنازل عن حق عودة اللاجئين الفلسطينيين، أي إسقاط حق ما يقرب من ستة ملايين لاجئ من العودة إلى ديارهم وبقائهم في الشتات إلى الأبد، نظير تعويض سيكون هزيلاً مهما بلغ، فلا شيء يعوض الأرض والوطن والديار.
نحن إذا أمام استعدادات صهيونية تجري على قدم وساق للقذف يعرب (٤٨) إلى عالم الشتات مقابل تلميحات عربية بالتنازل عن حق عودة من هم في الشتات منذ واحد وستين عامًا.. لتزيد النكبة نكبة أخرى بصناعة أيادي عربية وفلسطينية رابضة داخل معسكر الاعتدال !!
ومنذ اتفاقيات «كامب ديفيد »، و«أوسلو»، و«وادي عربة»، و «واي بلانتيشن»، و «خارطة الطريق»، ثم «أنابوليس» .... وكلها محطات مشؤومة ضجت خلالها الساحة العربية والإسلامية بأحاديث ووعود تحقيق السلام، وحفلت فيها القاعات بمئات الجلسات التفاوضية لكنها - كما يؤكد الواقع - لم تحقق سلامًا ولم تعد أرضًا، على التجاوب العربي وهرولته نحو «السلام» بمزيد من المذابح والقتل والتشريد للشعب الفلسطيني.
فمبادرة السلام العربية التي أطلقت في قمة بيروت عام ٢٠٠٢م جاء الرد عليها من «شارون» باجتياح الضفة ومحاصرة الرئيس الراحل «ياسر عرفات» حتى الموت، أما اتفاقية خارطة الطريق، ثم «أنابوليس»، فقد جاء الرد عليها بعشرات الاعتداءات الوحشية على الشعب الفلسطيني، وكان أبرزها محرقة غزة الإجرامية.
واليوم، ودون أن ينتظر «نتانياهو» موافقة العرب على يهودية كيانه، أي تخليصه من العرب الموجودين فيه، بدأ بالفعل حملة تطهير عرقي واسعة في القدس ضد المساكن والأراضي العربية، وضد السكان العرب في المدينة المقدسة الذين ينتظر أكثر من ٢٠ ألفًا الرحيل كخطوة في مسلسل التطهير الممتد بينما تتسارع عمليات تهويد المدينة المقدسة وتتزايد أخطار تدمير المسجد الأقصى.
فيما يتعلق بالحقوق العربية في فلسطين سمعنا - ومازلنا – خلال واحد وستين عامًا كلامًا ومشاريع سلام، كما تابعنا وعودًا تذهب مع الريح. وفيما يتعلق بالطرف الصهيوني نشاهد وقائع على الأرض تمكن للمشروع الصهيوني من فرض سيطرته الكاملة على الأراضي الفلسطينية.
وعلى الجانب العربي تحولت دول الطوق المحيطة بفلسطين إلى حارسة لأمن الصهاينة، وأصبحت حدودها مصايد للمقاومة المشروعة، بل تحولت إلى بوابات حصار وإذلال للشعب الفلسطيني وأصبحت «المقاومة» هي العدو المشترك لمعسكر «السلام» الخادم لأمن «الصهاينة».
ونحن على الجانب العربي نقدم التنازلات رويدًا رويدًا مقابل مزيد من الصلف والعدوان الصهيوني.
فرجال السلطة هم الذين شطبوا كلمة الجهاد، من ميثاق منظمة التحرير، وهم الذين يقومون بدور الشرطي نيابة عن القوات الصهيونية في الضفة ضد المقاومة ورجالها وسلاحها ومؤسساتها، بل ودور الحماية والتأمين لأي صهيوني يضل طريقه ويجد نفسه في المناطق العربية، فتتم إعادته معززًا مكرمًا إلى وحدته العسكرية ليعود من جديد على ظهر دبابة يداهم بيوت الآمنين ويقتل ويشرد .. ويخرب.. وكل ذلك تطبيقًا للشق الأمني من خارطة الطريق التي لم نعد نسمع إلا اسمها والتزام السيد محمود عباس بتنفيذ بنودها مقابل لقاءات ضاحكة مع رؤساء وزراء الكيان واحدًا تلو الآخر!
مرة أخرى، ومع كل عام في ذكرى النكبة نفاجأ بنكبة جديدة ولئن كانت أطراف غربية معروفة هي المخطط والمنفذ لها فإن أطرافًا عربية تشارك في صناعتها وتنفيذها بامتياز.. وذلك بحد ذاته نكبة.