العنوان شهادات حية من أطباء الانتفاضة على فظائع الاحتلال
الكاتب عبدالرحمن سعد
تاريخ النشر الثلاثاء 07-نوفمبر-2000
مشاهدات 61
نشر في العدد 1425
نشر في الصفحة 28
الثلاثاء 07-نوفمبر-2000
% من نيران الجنود الصهاينة تستهدف الأجزاء العلوية من الجسم و27% منها للرأس والعنق!
نحو 200 شهید، و 3650 جريحًا فلسطينيًا هم حصيلة الإجرام الصهيوني في محاولة قمع انتفاضة الأقصى خلال شهرها الأول، ومع نهاية الأسبوع الماضي، ولا يزال الجنود الصهاينة يستخدمون الرصاص الحي، وأنواعًا جديدة لأول مرة، مستهدفين.. النصف العلوي من الجسم، والأطفال والشباب من سن 7 إلى 29 سنة، فضلًا عن الطواقم الطبية، وسيارات الإسعاف التي تحاول نجدة الناس دون جدوى!
ومن هنا يأتي هذا الحوار مع كل من الدكتور حافظ النتشة -رئيس جمعية أصدقاء المريض في الخليل، والدكتور جهاد عبد الحليم بدر -مدير عام المستشفى الأهلي التابع لجمعية أصدقاء المريض في مدينة رام الله بالخليل، التي يقطنها نحو نصف مليون مواطن فلسطيني.
ما نوعية إصابات المصابين خلال الانتفاضة؟
تتنوع بين إصابات بليغة ومتوسطة وبسيطة، أما البسيطة فهي تعالج ميدانيًا، ولا تحتاج إلى الانتقال للمستشفى، وهناك إصابات متوسطة، وهذه تحتاج للانتقال إلى المستشفيات العادية، أما البليغة فتستلزم الدخول فورًا إلى غرف العناية المركزة، وقد تنتهي بالوفاة، وهي تمثل غالبية الإصابات.
كيف يتم التصرف عند وقوع إصابة؟
يتم نقل المصابين أولًا بأول عن طريق الهلال الأحمر الفلسطيني، وسياراته، وهناك مستشفى ميداني متنقل معه يقدم فيه الأطباء العلاج الميداني للمصابين في ساحة المواجهة مع جنود الاحتلال.
ما نوعية الرصاص الذي يستخدمه الصهاينة وتستخرجونه من أجسام الجرحي؟
أنواع كثيرة يأتي في مقدمتها الرصاص الحي، ونسبته 30%، وهناك الرصاص المطاطي ونسبته في الجرحى 60%، وهذا النوع أخطر من الرصاص الحي لأنه صلب من الداخل، لكنه مغلف بطبقة خفيفة من المطاط، وخطورة هذا النوع من الرصاص أن قطره 2 سنتيمتر، وعندما يقتحم الجسم، فإنه يحفر مكانًا عميقًا ولا يخرج من الناحية الأخرى، فيخرب جزءًا كبيرًا حوله، وقد يبقى في الجسم ولا يتمكن الأطباء من تخليص المريض منه، في حين أن الرصاص الحي لا يتجاوز قطره نصف سنتيمتر، ويخرج من الناحية الثانية.
وهناك الرصاص المتفجر المعروف باسم «دمدم»، وخطورته أنه يتفجر داخل الجسم.. وكذلك هناك أنواع جديدة يستخدمها الصهاينة ضد المواطنين الفلسطينيين العزل لأول مرة مثل رصاص «الفراشة» الذي يصيب الجسم، فيمزق أكبر قدر من أنسجته، عبر حركته الحلزونية داخل الجسم... برصاص «إم 500»، وإم 800، وهذا الرصاص يستخدم في الرشاشات، وقطر الرصاصة وهي فارغة 15 سم، في حين أن الجزء الذي يقتحم الجسم قد يصل قطره إلى 7 سنتيمترات.
إلى أي أجزاء الجسم يصوب جنود الاحتلال الصهيوني رصاصهم؟
لقد وجدنا أن نسبة 77% من الإصابات هي في النصف العلوي من الجسم، وأن 27% من هذه النسبة الـ 77% في الرأس والرقبة، في حين أن نسبة 38% من الإصابات في الصدر، والنسبة المتبقية عبارة عن إصابات في الأطراف العليا من الجسم.. أما نسبة الـ 23% المتبقية فهي في الجزء السفلي.
بين رابين وباراك
هل كان مثل تلك الإصابات موجودًا خلال الانتفاضة الأولى في عام 1987م؟
نعم كانت موجودة، ولكنها كانت محدودة لأن سياسة جنود الاحتلال في ذلك الوقت كانت هي كسر وطحن عظام الجسم، أما في هذه الانتفاضة، فالوضع أخطر وأسوأ، إن الجنود الصهاينة يتترسون خلف الجدر الحصينة، ثم يقذفون المدنيين العزل بالقذائف والرصاص وهم على بعد.
هل يستهدف الصهاينة أعمارًا معينة؟
هم يستهدفون الفئات العمرية بين 7 و 29 سنة بصفة خاصة، وهؤلاء يمثلون غالبية الشهداء والجرحى حتى الآن.
هل ينتهي الأمر بالمصابين والجرحى عند حدود استخراج الرصاص من أجسامهم فقط؟
الواقع أن الغالبية من الإصابات تنتهي بعاهات مستديمة في الجسم، فإذا كانت الإصابة في الدماغ، فإنها تنتهي بشلل نصفي أو فقدان الذاكرة.. أو فقد السمع أو البصر... إلخ، وقد حدث أن شابًا خلق بعين واحدة مبصرة كان يعتمد عليها في حياته، لكن جنود الاحتلال ضربوها بالرصاص، ففقدها وأصبح كفيفًا، وهناك آخر أقعد وهو وحيد والديه بعد ست بنات، والأسرة كانت تعتمد عليه باعتباره عائلها.. ومثل هذه الحالات كثير جدًا.. فكل فلسطيني قصة إنسانية وحده.
كذلك، فإن الجرحي يحتاجون للعلاج الطبيعي في مرحلة تالية، وهو غير متوافر لدينا، كما أن نسبة منهم تحتاج إلى العلاج النفسي والاجتماعي، وإن كانت الغالبية تحتسب إصاباتها عند الله، مدركين أنهم يواجهون اليهود، أسوأ البشر صفات على مدى التاريخ.
إن هناك جيلًا كاملًا من الأطفال حاليًا يستيقظ وينام على العنف والإجرام الصهيوني، وبعض الأطفال مصاب بالرعب والخوف، ولا يستطيع أن يأكل أو يشرب أو ينام بسبب مخاوفه من هذا القصف الصهيوني، وهؤلاء الأطفال معذبون، ولا يعيشون طفولتهم بشكل طبيعي بسبب الاحتلال الصهيوني، وإجرامه.
ماذا كانت أسباب الوفاة بعد الإصابة؟
الذين توفوا غالبيتهم كانت إصاباتهم في الرأس والدماغ والصدر، وبعضهم توفي فورًا في ساحة المواجهة مع جنود الاحتلال.. والبعض الآخر توفي فور نقله إلى المستشفى.
هل تؤدون عملكم كأطباء في ظل هذه الظروف باطمئنان؟
من أين يأتي الاطمئنان وجنود الاحتلال يصوبون نيران بنادقهم ورشاشاتهم على الجميع ودون تمييز، بل ويستهدفون -متعمدين- سيارات الإسعاف، وأطقم الأطباء المعالجين، وقد توفي أكثر من طبيب وسائق سيارة إسعاف برصاصهم، كما دمرت سيارات إسعاف تدميرًا كاملًا بقذائفهم.
وأبرز مثال على ذلك السائق الذي حاول إنقاذ محمد الدرة بسيارة الإسعاف والذي تعرض لنيران القناصة الصهاينة، فسقط صريعًا في الحال.
كذلك تواجهنا مشكلة إحضار موظفي المستشفى من المناطق التي يوجدون بها إلى المستشفى حيث تتعرض المناطق الفلسطينية للإغلاقات المتكررة للأراضي الفلسطينية، والحصار الصهيوني المشدد لمداخلها ومخارجها، فلا يستطيع أحد التنقل بحرية.
ما النقص الذي تعانونه في الأدوية والمعدات الجراحية؟
نحن نحتاج إلى جهود إخواننا الأطباء المتطوعين إلى جانبنا لمقاسمتنا هذا العبء الثقيل، فذلك نوع من « الجهاد الطبي» إن صح التعبير كما نحتاج إلى الأدوية والمحاليل والمضادات الحيوية بشتى أشكالها لعلاج الإصابات، والجروح.
وعلى مستوى المستشفى الأهلي، فيوجد فيه غرفتا عمليات جراحية وهما غير كافيتين لاستقبال ذلك العدد المتزايد من مصابي الانتفاضة.. لذلك قمنا بإنشاء ثلاث غرف عمليات جديدة، وتزويدها بالمرافق الأساسية، والتوصيلات للازمة، لكن يتبقى أن هذه الغرف تحتاج إلى الإضاءة وطاولة العمليات، وماكينة التخدير حاليًا، لذلك لا تعمل.
وبالنسبة لغرف العناية المركزة لدينا ثلاث غرف فقط، وقد قمنا بتجهيز مكان جديد للعناية المركزة يحوي 8 أسرة.. وهو يحتاج إلى المعدات أيضًا.. وكذلك لدينا قسم للتعقيم. جاهز للعمل، لكنه يفتقر إلى المعدات الطبية اللازمة.
كما نحتاج إلى جراح صدر وأوعية دموية مع معداته.
وكان فريق طبي قد زارنا من مصر، ثم فريق أردني بالترتيب مع وزارة الصحة في السلطة الفلسطينية، ثم عادا إلى بلديهما سريعًا.
وأفضل سبيل لتوصيل هذه المعدات إلى الأراضي الفلسطينية هو عن طريق وکلاء شركات المعدات الطبية العالمية في رام الله، والضفة الغربية... إلخ. وهذا وفر لنا قطع الغيار، وفرص الصيانة، وضمان الشركة لأن الاحتلال يمنع دخول المعدات الطبية من على الحدود، بل إنه يمنع دخول سيارات الإسعاف التي تبرعت بها جهات عربية على الحدود مع الأردن.
أو يمكن ذلك عبر اللجان الخيرية خاصة لجنة فلسطين الخيرية التابعة لجمعية النجاة الخيرية، إذ لها مكتب في رام الله.
كذلك نحن في حاجة إلى التبرعات المالية لدفع أجور الموظفين، وتبلغ نحو 22 ألف دولار شهريًا، إضافة إلى تكلفة المواد الطبية، خاصة أن العلاج خلال الانتفاضة يتم بالمجان، ودون مقابل.. هكذا، فإننا في حاجة ماسة إلى المعدات الطبية، والعون المالي.