; الردع الإسرائيلي والسياسة العربية | مجلة المجتمع

العنوان الردع الإسرائيلي والسياسة العربية

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر الثلاثاء 12-مايو-1998

مشاهدات 65

نشر في العدد 1299

نشر في الصفحة 47

الثلاثاء 12-مايو-1998

نعمة الأمن للأفراد والجماعات والأمم لا تعدلها نعمة، الأمن الغذائي، والأمن النفسي، وصدق الله حين امتن على قريش بذلك فقال: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ (3) الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآَمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ (4)﴾ (سورة قريش: 3 - 4)، وتكاد الأمة الإسلامية، وبخاصة العربية يتهددها الأمنان، أما الأمن الغذائي فلنا معه حديث آخر، وأما الأمن النفسي العربي فهو موضوعنا اليوم، ولا يكاد يختلف فرد في الأمة العربية اليوم على أننا مهددون علي النطاق الإقليمي والعالمي، خارجيًا، وداخليًا، خارجيًا بأطماع الدول الكبرى، وداخليًا بإسرائيل القابعة على صدر المنطقة وأنفاسها، فلا خلاف على أن إسرائيل هي العدو الرئيس للأمة العربية؛ لأن إسرائيل تبني أمنها القومي على مبدأ التوسع عن طريق العدوان، وعلى مراحل، وليس أدل على ذلك من حروبها المتكررة والتي كانت تعتمد على قضم الأراضي الفلسطينية حتى انتهت فلسطين، فعمدت إلى ابتلاع أجزاء عربية، ثم قصدت إلى ابتلاع قُطر عربي آخر وهو لبنان، فغزت لبنان، ولكنها تراجعت لخطأ في حساباتها، ومازالت تتمسك بالتفوق العسكري وسياسة الردع والتسلط والإرهاب، وسياسة التهديد بالحرب هنا وهناك، كما أن هناك شبه إجماع عربي على أن الإرهاب، والتطرف العقدي والديني الآن يبلغ الذروة في إسرائيل إلى حد تصفية المسلمين في المساجد، كما وقع في ليلة السابع والعشرين من رمضان في الخليل في المسجد الإبراهيمي.

    كل هذا وذاك وإرهاب الدولة في إسرائيل يستعد بكل الوسائل والأسلحة المحظورة والمحرمة إنسانيًا ودوليًا لتنفيذ مخططاته التوسعية، لا يضيع وقتًا ولا يدّخر جهدًا أو مالًا في سبيل ذلك.

    ففي عام ١٩٥٧م بدأت في تطوير القوة النووية الإسرائيلية بالصفقة التي عقدتها مع فرنسا في زمن حزب العمل الإسرائيلي، ومارست إسرائيل سياسة الغموض النووي للتمويه على العالم، فقال بن جوريون: «إن إسرائيل لن تكون الدولة الأولى التي تدخل السلاح النووي إلى المنطقة، لكنها لن تكون الثانية التي تفعل ذلك»، وذهبت حكومة حزب العمل، وجاء الليكود الذي يهوى الحرب، ويحترف التهديد ليتولى السُلطة في إسرائيل عام ١٩٧٧م، بزعامة بيجن، واستمر في الحكم إلى ١٩٨١م، وفي هذه الأثناء طورت القوة النووية لإسرائيل فرفعت طاقة مفاعل ديمونة من (٧٠) ميجاوات إلى (150) ميجاوات، ثم زادت بعد ذلك حجم القوة النووية لإسرائيل. 

    وقامت إسرائيل بتجربة قنبلتها النووية في النقب تحت الأرض عام ١٩٦٦م، ثم في جنوب إفريقيا جنوب شرق الرجاء الصالح في سبتمبر ١٩٧٩م، ثم تم بعد ذلك تطوير أسلحة نووية في سنة ١٩٨١م، واندفعت حكومة الليكود في تطوير القوة النووية، وطفرت بها طفرات، مما زاد التساؤلات حتى في إسرائيل نفسها عن هذا الحجم الهائل للقوة النووية الزائدة على الحد، وكان حجم التصورات الإسرائيلية لاستعمال تلك القوة ضد العرب في حالة وجود مواجهة شاملة بين العرب وإسرائيل في إطار سيناريو الملاذ الأخير، الذي يهدد أمن إسرائيل، ولكن برزت في الآونة الأخيرة أفكار عند قادة إسرائيل في إمكان استخدام الأسلحة النووية في «الإجبار» بهدف إكراه الدول العربية عن طريق التهديد المستتر على قبول ما تريده إسرائيل، أو قيامها فعلًا بفرض ما تريده، تحت مظلة القوة النووية، وشجع على هذا من زعماء إسرائيل: آرئيل شارون ورئيس الأركان الأسبق روفائيل إيتان، والمجموعة التي كانت تشكل القيادة النووية لإسرائيل ومجمل هذا التصور السيطرة على المنطقة بقوة السلاح، وممارسة مستويات من الإجبار والإرهاب ضد الدول المحيطة بإسرائيل، واللجوء إلى استخدام القوة المسلحة بكثافة غير معتادة، دون أن يكون ذلك خيارًا أخيرًا، وذلك استمرار لأفكار «موشى ديان» الذي حاول تطبيقها، وبخاصة أن حجم واستعداد القوة النووية الآن بدأ يصل إلى مستوى يسمح لقيادة الليكود بالتفكير الجدي في ذلك وقد أعلنت إسرائيل اليوم دون مواربة ما كانت متحفظة على إعلانه، وهو مبدأ المحافظة على الاحتكار النووي الإسرائيلي في الشرق الأوسط، ففي 9 يونيو ۱۹۸۱م أعلن روفائيل إيتان رئيس الأركان الأسبق، ما أصبح يسمى مبدأ بيجن بقوله: «إن إسرائيل لن تتحمل وجود أسلحة نووية في أيدي العرب، كما أنها لن تسمح لأي دولة عربية أن تطمح في الحصول على السلاح النووي لمحاولة استخدامه ضد إسرائيل، وذلك في أعقاب قيام إسرائيل بقصف المفاعل النووي العراقي بعدة أيام، وقد قامت إسرائيل بعمليات نشر ميداني لقواتها النووية الحين، بحيث تكون جاهزة للاستخدام في النقب، وفي الجولان السوري، في أنفاق وسراديب، وعلى عربات متحركة وموجهة إلى كافة الدول الرئيسة في المنطقة.

     والسؤال الذي يطرحه الإنسان بكل الحب وكل الإخلاص لبلاده: أين كان العرب طوال هذه المدة؟ وماذا فعلت السُلطات إزاء هذا الخطر الماحق؟ وما الخطوات التي اتخذت لمنع هذه الكوارث، وتأمين الوطن العربي والمقدسات الإسلامية، وحماية البلاد والعباد من هذه الأخطار؟ وما الشيء الذي كان يشغل الأمة عن عدوها، وعن هذه الاستعدادات النووية وغيرها التي كانت تُعد لقهر الأمة وإذلالها؟ سمعنا كثيرًا عن أعمال وهمية، واستعدادات كلامية، وتصريحات عنترية، فإذا بها خيالات كرتونية، ورموز کاریکاتيرية، وأعمال سرابية، ألا يجب محاسبة هؤلاء المتسببين في هذا التيه وهذا الهوان؟ ثم على ماذا يفاوض العرب؟ وبأي أوراق في أيديهم؟ وما وسائل الضغط التي في جعبتهم؟ وبماذا يفاوض عرفات؟ وما وزنه في مفاوضات كهذه؟ أعنده ردع نووي عسكري؟ أليست هذه أضحوكة؟ وإذا أعطت إسرائيل السراب اليوم والقشور الآن، فهل عند عرفات في المستقبل ما يمنع إسرائيل من استرداد ما أعطت، ولعل ذلك ضمن خطة محسوبة في نطاق ميزان القوى السياسية والحربية؟ وهل عند العرب ما يمنع إسرائيل من فعل ما تريد اليوم، أو في المستقبل عندما تحين الظروف المواتية؟ أقول: نعم:

1- عند الشعب العربي المقومات البشرية التي تبلغ الآن (۲۰۰) مليون، وفي إمكانها تجنيد (١٠) ملايين.

2- عند العرب بعض القيادات العسكرية المتمرسة. 

3- ممكن تخصيص ميزانية كبيرة للإنفاق العسكري والتصنيع الحربي.

4- استثارة القوى الروحية في الأمة، تلك التي انتصرت بها الأمة على أعدائها طوال القرون، من صليبيين ومغول وغيرهم، وكذلك في حرب رمضان ضد اليهود.

    ولكن هل يتحد العرب؟ وهل تزول الصراعات الإقليمية؟ وهل تغلب المصلحة العربية والإسلامية على المصالح القُطرية؟ وهل يتخلى البعض عن التبعيات ويكون هناك اعتماد على النفس؟

    إذا صح ذلك واستطعنا عمله -وهو هين إن شاء الله- فسترفرف أعلام النصر، ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ﴾ (سورة الشعراء: 227)، ويفرح المؤمنون بنصر الله، نسأل الله ذلك، آمين. 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 13

238

الثلاثاء 09-يونيو-1970

ذكرى حزيران.. النصر الذي ننتظره

نشر في العدد 14

117

الثلاثاء 16-يونيو-1970

كونوا مسلمين!